الاتحاد

تقارير

ساعة الأرض

إن أخطر ما يواجه الجهود الدولية المبذولة من قبل الأمم المتحدة والهيئات والمنظمات الأهلية والرسمية والعلمية، في قضية تغييرات المناخ والانحباس الحراري، والأخطار التي بدأت وتستمر في تهديد الحياة على كوكبنا، هو أن الوعي على خطورتها وتهديدها للمستقبل لم يرق إلى ما تستحق من اهتمام، إن الناس حتى في البلدان المتقدمة يسمعون ويشاهدون المؤتمرات والندوات وأحياناً التظاهرات التي تنعقد تحت راية الدفاع عن البيئة، وتخصص لها الأمم المتحدة دورات خاصة وترصد الميزانيات الضخمة بشكل غير مسبوق، ومع ذلك فإن الوعي بها وإدراك أبعادها الخطيرة لم يتجاوز دائرة المختصين من العلماء والكتاب وبعض القادة السياسيين الدوليين، وذلك لأن القضية في أصلها قضية علمية مركبة ويحتاج إدراكها لمستوى من الثقافة والاطلاع العلمي لا يتوفر لكثير من الناس على مستوى شعوب الأرض التي ستدفع الثمن الغالي، إذا لم يتوصل المجتمع البشري لحلول ناجعة لمكافحة هذا الخطر الطبيعي الذي لن ينجو منه شعب·
عندما نظم الأستراليون -سكان مدينة سيدني- في مارس من العام الماضي مهرجاناً ووضعوا له شعاراً -ساعة من أجل الأرض- اتفقوا على إطفاء الأنوار في الأماكن العامة والخاصة في مدينتهم، تعبيراً عن احتجاجهم على سياسة وموقف حكومتهم من الاتفاق الدولي حول البيئة -اتفاقية كيوتو اليابانية- لم تحظ هذه المبادرة الاحتجاجية آنذاك بكثير اهتمام من بقية المدن والسكان في البلدان الأخرى·
لكن البادرة الأسترالية التي انطلقت من مدينة ''سيدني'' والتي في جوهرها كانت رسالة موجهة للجميع متخذة من شعار يوم أمنا الأرض، وجدت لها هذا العام صدىً وتجاوباً مذهلاً حتى للذين نظموا ليلة الثلاثين من مارس العام الماضي، شمل ثلاثمائة مدينة في مختلف قارات العالم وبلدانه، وأصبح يوم الأرض وساعة من أجل الأرض مشروعاً عالمياً جذب اهتمامه مئات الآلاف من البشر، وأصبح يوم الثلاثين من مارس هذا العام وما حدث ما بين الساعة الثامنة والساعة التاسعة من إظلام طوعي في مدن -ليلها في العادة يتلألأ بالأنوار من كل الأشكال والألوان- الشغل الشاغل للناس وللصحف ووسائل الإعلام الأخرى، وقد حدث كما تناقلت أخباره وصوره وسائل الإعلام·
ففي مدينة ''تورنتو'' حيث لم يعتد الناس على رؤية مدينتهم في حالة من الظلام لمدة عشر دقائق، كانت ساعة (أمنا الأرض) تلك الليلة وكأنها ليلة العيد الكبير، وكنت تشعر وكأن كل فرد في المدينة اعتبر أن هذا العمل الذي يبدو عملاً صغيراً هو مساهمته الشخصية في المشروع الإنساني الأكبر، لإنقاذ الأرض من المخاطر القادمة والحاضرة، وهنا يتبدى المعنى والمغزى الأكبر من وراء مشاركة الناس العاديين في المشروعات والأفكار التي تؤثر على حياتهم الشخصية، والتي يحاول السياسيون الكبار احتكار التفكير والتدبير فيها بمعزل عن الناس الصغار الذين هم الجذور الراسخة والثابتة·
أبرز ما ميز الاحتفال هذا العام بيوم الأرض أو ساعة الإظلام من أجل الأرض، أنه من بدايته إلى منتهاه انبعثت أفكاره وإدارته وتنفيذه من الجذور الراسخة من القواعد الشعبية، في لجان مجالسها البلدية وجمعياتها وتجمعاتها المدنية، ولم يكن للحكومة فيه من دور سوى شرف حضور بعض قياداتها والمشاركة مع الناس لحظة الفرح والبهجة التي عمت الجميع عندما أعلنت الساعة الثامنة وبدأ الإظلام الطوعي·
وقد يقول قائل -وقد قال البعض فعلاً- بماذا سيؤثر حتى إظلام كل مدن الأرض لمدة ساعة في قضية التغييرات المناخية والانحباس الحراري وتوابعهما، فالناس غداً سيعودون إلى حياتهم الطبيعية وتستمر المسألة تراوح مكانها؟ وقد يكون هذا القول صحيحاً لو أن هذا المشروع الإنساني الكبير قد توقف عند هذا الحد، لكن هذه الساعة كما ذكر منذ البداية هي نقطة البداية لمشروع هدفه هو إيقاظ وعي كل الناس، وتبصيرهم بأن قضية البيئة والأرض وما سيجري عليها هي قضيتهم جميعاً، وأن الجهود البشرية لإنقاذ الأرض يجب ألا تتوقف على الحكومات أو عند الحكومات، وإنما يجب أن يساهم فيها سكان الأرض جميعاً، وهذا هو ما يعطي مثل هذه الجهود الإنسانية قيمتها والإحساس الجميل بها·

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا