الاتحاد

تقارير

في فرنسا··· حرية التعبير على المحك

حرية التعبير حق مكفول في فرنسا ولكن هناك استثناءات

حرية التعبير حق مكفول في فرنسا ولكن هناك استثناءات

تشتهر فرنسا بمطاعمها العظيمة حيث يقيَّم الطهاة من قبل نقادٍ مجهولين يمنحون مطاعمهم نجوما أو يسحبونها منها، ويؤخذ هذا التقييم على محمل الجد إلى درجة أنه يحدث أحيانا أن يقدِم أحد الطهاة على الانتحار بسبب فقدان نجمة، بيد أنه لم يحدث أبدا أن لجأ أحد الطهاة إلى المحاكم الفرنسية قصد التخلص والارتياح من هذا التدقيق والمراقبة، ولكن بالمقابل، سعت مؤخرا مجموعة أكثر حساسية، رغم أن أفرادها مثبتون في مناصبهم مدى الحياة، إلى التخلص من منتقديها في محكمة فرنسية·
ففي يناير الماضي، أُنشئ موقع جديد على الإنترنت يسمح للطلبة في فرنسا بتقييم أساتذتهم على الشبكة الإلكترونية العالمية استنادا إلى ستة معايير خاصة مثل الهمة والنشاط والفائدة والوضوح، وفي هذا الموقع، يشار إلى الأساتذة بأسمائهم، أما الطلبة ولأسباب بديهية، فيظلون مجهولين، غير أن هذا الأمر لم يرق المُدرسين، حيث رفعت النقابة الرئيسية للأساتذة دعوى قضائية تطالب بإغلاق الموقع، وحكمت إحدى المحاكم الفرنسية لصالحها، مشيرةً إلى أن حرية التعبير تنتهي عندما تؤثر على التعليم، وإلى أن منتدى للنقاش غير خاضع للرقابة يمكن أن يصبح ''جداليا''·
الواقع أن عملية تقييم الطلبة لمعلميهم بدأت قبل ظهور الإنترنت بفترة طويلة، إلا أنها لم تثر في ما يبدو نزاعا كهذا القائم اليوم، ولكن الانتشار الواسع للإنترنت دفع الأساتذة إلى التحرك ضد هذا الموقع، ويوجد موقع آخر اكتسب شعبية كبيرة في فرنسا مؤخرا، وهو مخصص لنشر تقييمات حول الأطباء من قبل أشخاص مجهولين، ويمكن القول إن دور المحامين وأطباء الأسنان والمحاسبين والأطباء البيطريين، بل وحتى القضاة ربما، لن يتأخر كثيرا، ذلك أنهم قد يصبحون أيضا موضوع تقييمات تُنشر على صعيد عالمي بفضل الإنترنت؛ ولكن هل هذا الأمر جيد أم سيئ؟ وهل هو ممارسة لحرية التعبير أم انتهاك لحرية الجمهور؟
الحقيقة أن حرية التعبير مكفولة في فرنسا والبلدان الستة والأربعين الأخرى الأعضاء في ''مجلس أوروبا'' بموجب ''الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان''، التي تنص على أن ''هذا الحق يشمل حرية الرأي وتلقي ونشر المعلومات والأفكار''، وبطبيعة الحال، هناك استثناءات معروفة جدا في أوروبا مثلما في الولايات المتحدة، ذلك أن قذف الآخرين والتشهير بهم، أو التحريض على العنف، أو مثلما كتب القاضي ''أوليفر وينديل هولمز'' ''التحذير الكاذب من نشوب النار في مسرح مكتظ''، كلها أمور ممنوعة·
غير أن تحديد ماهية القذف والتشهير أو التحريض على العنف ليس واضحا دائما، فالتعبير عن رأي لا يعتبر عموما تشهيرا إذا عُبر عنه بحسن نية وليس مع تعمد الأذى، والحال أن تعمد الأذى مسألة ذاتية، فإذا مَنح طالب مثلا أحد الأساتذة تقييما سيئا على الموقع الإلكتروني، فلا أحد يعرف ما إن كانت نيته سليمة أم أنه يتعمد الأذى، وإذا جعلني طبيبي على سبيل المثال أنتظر مدة ثلاث ساعات في عيادته، ثم قمتُ بنشر ملاحظاتي في هذا الصدد على الإنترنت، فهل ينم تصرفي هذا عن تعمد الأذى أم أنني أقوم فقط بإخبار الجمهور؟ وإذا كنت أعتقد أن محامي طالبني بمبلغ مالي باهظ مقابل خدماته، أو أنه تخلف عن إطلاعي على مستجدات حول القضية، ثم قمت بنشر ملاحظاتي وتعليقي على الإنترنت مشيرا إليه بالاسم، فهل يعد ذلك تشهيرا به أم أنه تعبير عن رأيي، ليس إلا؟
بطبيعة الحال قد تكون بعض تعليقات الطلبة وتقييماتهم غير مبررة، وقد يكون ثمة سبب وجيه وقوي اضطر الطبيب إلى أن يتركني أنتظر مدة ثلاث ساعات، فربما كان يُجري عملية جراحية، واستغرقت هذه العملية مدة أطول مما كان متوقعا، وقد تكون أتعاب المحامي أقل مما يطالب به محامون آخرون نظير الخدمة نفسها، وقد يكون الأستاذ قدَّم محاضرة رائعة مفيدة، غير أن الطلبة الذين نالت إعجابهم حدث أنهم لم ينشروا ردود فعلهم على الإنترنت، ومع ذلك، فإن التعبير عن آراء مغلوطة لا ينبغي أن يكون سببا لكبح التعبير أو التضييق على النشر، تقوم حرية التعبير على فكرة أن يكون الناس قادرين على التعبير عن آرائهم بدون قيود حتى وإن كانت آراؤهم خاطئة، وذلك على أساس أن الأفكار الأفضل تظهر وسط فوضى وتناطح الآراء المختلفة·
وعليه، فأن يرفع الأساتذة دعوى قضائية لإسكات الطلبة يؤسس مع الأسف لمثال متدن للقيمة التي توليها نقابة الأساتذة لهذه الحرية، ثم إنه أمر غير مشجع أن يدعم وزير التعليم الفرنسي النقابة في دعواها القضائية قصد كبح التعبير الذي لا يُشهر بأحد، إن قضية الأساتذة معروضة اليوم على أنظار محكمة الاستئناف، ونأمل أن تُظهر محكمة الاستئناف اعترافا أقوى بما يعد ربما أهم الحريات كافة، في هذه الأثناء، تقترح زوجتي إنشاء موقع إلكتروني حيث تستطيع الزوجات تقييم أزواجهن، غير أنـــه ممـــا لا شك فيه أن ذلك يقـــع خارج نطاق حرية التعبير!

رونالد سوكول- فرنسا
متخصص في الشؤون القانونية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا