قالت إحدى صحف العاصمة السودانية اليومية والمحترمة في افتتاحيتها ''تمخض الجبل فولد فاراً''· والجبل المقصود هنا هو اجتماع الدول العربية الذي عقد بالخرطوم مؤخراً تحت رعاية جامعة الدول العربية لتقديم العون المادي للسودان لمواجهة محنته في ''دارفور''، أما (الفأر) المشار إليه فهو المبلغ الذي قررت كل الحكومات العربية أن تقدمه للسودان وهو 350 مليون دولار؛ علق أحد المعلقين السياسيين على هذا الخبر بقوله: إن ميزانية واحدة من منظمات الإغاثة العربية الكبيرة للإنفاق الغوثي في ''دارفور'' يمكن أن تكون أكبر من هذا المبلغ· إن الرأي العام السوداني منقسم في تقييمه للمنحة العربية التي كان انتظارها قد طال كثيراً، فريق يراها ضئيلة وهزيلة من مجموعة كان الأجدر أن تكون هي المبادرة الأولى في دعم السودان في أزمته، وهؤلاء يشيرون بمرارة إلى الحرب الأهلية التي كانت بين الشمال والجنوب واستمرت لأكثر من 20 عاما، وحصدت الملايين من الأرواح وعطلت الحياة تماماً في النصف الجنوبي من السودان، إضافة إلى جنوب ''كردفان'' (جبال النوبة) ومنطقة النيل الأزرق في الجنوب الشرقي· هذه الحرب الطاحنة لم تشهد إلاّ القليل الذي لا يذكر من دعم عربي للسودان، بل إن الجهد الذي بذل لإنهاء الحرب الأهلية، جاء من مجموعة أفريقية وليس من الجامعة العربية· أمّا الفريق الآخر من الرأي العام في السودان فيرى غير ذلك، ويقدر أن تباطؤ الدعم العربي المادي للسودان في الماضي (الحرب الأهلية) وفي الحاضر (دارفور) له أسبابه الموضوعية، مما يجعل نقد الحكومات العربية أو وصفها بالتقصير أمراً غير مبرر؛ ويرى أصحاب هذا التقدير، أن التقييم الصحيح لموقف الحكومات العربية ينبغي أن يذكر الحقائق التالية التي تحول دون تحمس العرب للجود بالمال للسودان وأهمها: 1- أن العرب يعلمون مدى الفساد المستشري في السودان على نطاق الدولة ومؤسساتها، حتى أن منظمات دولية متخصصـــة أعلنــت أن الســودان هو أكثر بلدان المجموعة العربية فســاداً· 2- أن المأساة التي يعاني منها أهل دارفور والحرب من صنع حكومة السودان، وتحديداً حزب المؤتمر الوطني (الإنقاذ) المسيطر على أغلب مفاصل الحكم· 3- أما مرحلة الحرب الأهلية في الجنوب، فقد تزامنت مع سوء علاقات (الإنقاذ) السوداني مع أغلبية الحكومات العربية، وما جرى في مصر من محاولة اغتيال رئيسها عام ،1995 ثم الحملة الإعلامية الشرسة ضد المملكة العربية السعودية وقادتها، دليل على تدني العلاقات في تلك السنوات، ثم إن سودان (الإنقاذ) جعل من الحرب في الجنوب، حرباً دينية مقدسة دون أن يستمع إلى نصح عربي أو يطرح الأمر للتشاور مع الحكومات العربية، وحتى تلك القريبة التي تتأثر بصورة مباشرة مما يجري في جنوب السودان كجمهورية مصر العربية· وبعيداً عن الدعم المالي للسودان، فإن علاقاته الأخرى مع الحكومات العربية حسنة وقابلة للتطور، فالاستثمار العربي في السودان كان وما يزال في حالة تزايد، ثم إن العون العربي للسودان في حالة الكوارث الطبيعية مثل الأمطار وفيضان الأنهار كان واضحاً لا يحتاج إلى دليل· إن لغة المصالح المشتركة وليس العواطف هي التي ستحكم العلاقات بين السودان وبقية البلدان العربية في المشرق والمغرب، وليس بخاف على قادة الدول العربية أن السودان هو الجسر الأهم في العلاقات العربية الأفريقية، ولكن لتحقيق قرب أكثر بُعداً وأثراً من الواقع الحالي، فلا بد أولاً أن يكون نظام الحكم في السودان مستقراً ومتعقلاً ومبرأً من الفساد· محجوب عثمان