الاتحاد

تقارير

هجوم بولندي على الاتحاد الأوروبي

المحاولة التي يبذلها حزب «القانون والعدالة» الحاكم في بولندا، للحيلولة دون إعادة انتخاب مواطنه «دونالد توسك»، لمنصب رئيس المجلس الأوروبي، تكشف إلى أي مدى، يمكن أن يذهب الحزب في معرض التعبير عن رغبته في الانسحاب من التيار الرئيسي في أوروبا. سيخدم «دونالد توسك» لمدة عامين ونصف العام كرئيس للمجلس الأوروبي، وذلك بعد أن قام زعماء الدول الأعضاء في الكتلة، باستثناء رئيسة الوزراء البولندية «بياتا سيدلو»، بالمصادقة على إعادة تعيينه يوم الخميس الماضي. ومعارضة «سيدلو» لتعيين «توسك» المنتمي لحزب «القاعدة الوطنية» المنافس لها، هي أبرز الأمثلة الأخيرة الدالة على رفض حزب «القانون والعدالة»، الالتزام بقواعد اللعبة السياسية في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن أن يعرض نفوذ بولندا في الكتلة للخطر. حول هذه النقطة يقول «ستيفن بلوكمانز» رئيس وحدة السياسات والمؤسسات في معهد CEPS البحثي في بروكسل: «من الواضح أن الحكومة البولندية تسعى لعزل نفسها»، وأضاف:«وهذا توجه مدمر للنفس، ويمكن أن يؤدي لنتائج عكسية على العديد من الجبهات».
من ضمن تلك النتائج العكسية عدم قدرة بولندا، نتيجة لمثل هذه المواقف، على بناء تحالفات مع أعضاء الاتحاد، وهي عملية تحظى بأهمية خاصة داخله، وتتطلب قدراً كبيراً من الحساسية السياسية، والذكاء السياسي، وهما صفتان من الواضح أن حكام بولندا الحاليين لا يمتلكونهما. وقد تمكن «توسك» من الاحتفاظ بمنصبه، لأن «سيدلو» كانت تفتقر إلى القوة التصويتية للاعتراض على قرار يتخذه قادة الاتحاد الأوروبي عادة بالإجماع. وموقفها في هذا الشأن، يمثل جزءاً من استراتيجية حزب «القانون والعدالة» اليميني الحاكم، في انتقاد السياسة الداخلية للاتحاد، وهو موقف يمكن أن يقلص عدد حلفاء الحكومة البولندية، في شؤون السياسات الأوروبية التي تتراوح ما بين حدود التلوث في المصانع، إلى التزامات الهجرة.
ويشار في هذا الصدد، إلى أن حزب «القانون والعدالة»، الذي يقوده «ياروسلاف كاتشينسكي»، قد تصادم علناً مع الاتحاد الأوروبي بشأن طائفة من الموضوعات، منذ أن عاد إلى الحكم عام 2015. فالقيود التي وضعها الحزب على القوى الدستورية المستقلة، كانت من الأسباب التي جعلت من بولندا أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تخضع لتحقيق حول سلوكها الداخلي. يضاف لذلك أن الحكومة البولندية قد عارضت أيضاً، وبقوة، الخطة الألمانية المدعومة أوروبياً بشأن حصص اللاجئين. كما انتقدت وارسو أيضاً، الجهود الرامية لتقليص الحدود العليا الموضوعة من قبل أوروبا، على الانبعاثات الغازية المسؤولة عن التغير المناخي، وذلك سعياً منها- بولندا- لحماية صناعاتها المحلية التي تعمل بطاقة الفحم.
في حالتنا هذا فإن الموقف السياسي المتشكك للحكومة البولندية من الاتحاد الأوروبي، كان مشوباً بالعداء الشخصي لتوسك. فكاتشينسكي يعتبر أن توسك هو منافسه السياسي الأكبر، كما يعتبره عدواً لأنه عندما كان رئيساً لوزراء بولندا عام 2010 كان هو المسؤول معنوياً، من وجهة نظره، عن تحطم طائرة نقل تابعة للقوات المسلحة البولندية فوق روسيا، ما أدى وقتها إلى مصرع شقيقه «ليخ كاتشينسكي» الذي كان رئيساً للبلاد آنذاك، بالإضافة لما يقرب من 100شخص آخر. وحزب «القانون والعدالة»، يتهم «توسك» بالتدخل بشكل غير لائق في «تحقيق سيادة القانون» الذي يجريه الاتحاد الأوروبي في بولندا، مما يجعل منه في نظره شخصاً لا ينبغي له البقاء في وظيفته، كما قالت «سيدلو» في خطاب لزملائها في الاتحاد الأوروبي الثلاثاء الماضي.
بعد ساعتين من إعادة انتخاب «توسك»، وصف كاتشينسكي الأمر بأنه «سيء للغاية»، وقال: إن «سيدلو» قد دافعت عن المصالح البولندية بالتصويت ضده، وأن الاتحاد الأوروبي قد خان مبادئ تأسيسه، وأصبح «مسيطراً عليه بشكل كاسح من قبل ألمانيا». ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث ذهب «فيتولد فاشيكوفسكي» وزير الخارجية البولندي خطوة أبعد يوم الجمعة، عندما قال: إن المستشارة الألمانية ميركل قد أصدرت «توجيهاً» لقادة الاتحاد الأوروبي الآخرين لدعم «توسك»، وإن بولندا ستبحث ما إذا كانت الدول الأكبر قد قامت بابتزاز الدول الأوروبية الأصغر في التصويت، أم لا. ويُشار في هذا الصدد أيضاً، إلى أن موقف بولندا تجاه «توسك»، يتعارض مع الدعوة التي كانت «وارسو» قد وجهتها في الفترة التي سبقت المفاوضات بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لحكومات دول الكتلة السبع والعشرين، بضرورة توحيد موقفها. وقد وصف «يان- سفين ريتيلميار»، المحلل في «مركز السياسات الأوروبية» في بروكسل، الحكومة البولندية الحالية بأنها «الولد الشقي للعائلة الأوروبية»، وقال أيضاً: «هناك مخاطر في المدى المتوسط يمكن أن تواجهها الحكومة البولندية، تتمثل في عدم تمكنها من الحصول على دعم الحلفاء في اللحظات الحاسمة».

*كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية
**محرر أسواق الطاقة لدى «بلومبيرج نيوز»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا