الاتحاد

تقارير

العدالة والتنمية وسيناريو الانقلاب القضائي

أنصار  العدالة والتنمية ··· يرفضون استهداف حزبهم عبر المؤسسة القضائية

أنصار العدالة والتنمية ··· يرفضون استهداف حزبهم عبر المؤسسة القضائية

خلال الأسبوع الماضي، صعّدت المؤسسة العلمانية التركية معركتها الرامية إلى لجم نفوذ حزب ''العدالة والتنمية'' الحاكم، وإعاقة نمو الطبقة الوسطى الدينية المحافظة التي يمثلها· فعلى إثر احتجاجهم وتظاهراتهم ضد مرشح حزب ''العدالة والتنمية'' للمنصب الرئاسي، ثم عرقلتهم لمسار العملية الانتخابية، التي خسروا فيها لاحقاً لصالح حزبهم الخصم، ها هم المتشددون العلمانيون يتخذون مساراً جديداً هذه المرة، وذلك بسعيهم لحل الحزب الحاكم، بدعوى تقويضه لمبادئ الدستور العلمانية· وبالفعل وافقت المحكمة الدستورية يوم أول من أمس الاثنين على النظر في الدعوى القضائية المقدمة من ممثل الادعاء العام في البلاد بهذا الشأن يوم الرابع عشر من مارس الماضي· قبول المحكمة الدستورية البت في الدعوى، سيدخل تركيا في أزمة سياسية عميقة، إلى جانب تهديده لبوادر الاستقرار السياسي والاقتصادي، فوق الضرر البالغ الذي تلحقه بمساعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهي المساعي التي تقف دونها عقبات كثيرة سلفاً·
على هذه الخطوة علق ''ساهين ألباي'' أستاذ العلوم السياسية بجامعة باهسهير في اسطنبول بقوله:''سوف تضع هذه الخطوة عراقيل كثيرة أمام الحكومة، بالنظر إلى كثرة المهام التي تنتظرها· فهناك قضايا لها صلة بالعمل من أجل نيل عضوية الاتحاد الأوروبي، وهناك قضايا أخرى تتعلق بالنزاع القبرصي، وأخرى اقتصادية، في الوقت الذي تهدد فيه هذه الخطوة بتجريد الحكومة الحالية من جميع سلطاتها وصلاحياتها''· ووصف البروفيسور مسعى حل الحزب الحاكم بأنه بمثابة ضربة ذاتية لتركيا·
ومن جانبهم انتقد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي الخطوة العلمانية هذه، واصفين إياها باللاديمقراطية· وعلى حد تصريح ''أولي رين'' مفوض توسيع الاتحاد الأوروبي: فقد جرت العادة في الدول الديمقراطية الأوروبية، أن تناقش القضايا السياسية داخل البرلمان، ويتم اتخاذ القرارات بشأنها عبر صناديق الاقتراع· جاء ذلك التعليق استجابة منه لدعوة المدعي العام التركي إلى حل الحزب الحاكم· واستكمل ''أولي رين'' تعليقه هذا بقوله:''إنه يصعب جداً أن نرى في دعوى قضائية كهذه أدنى احترام للمبادئ الديمقراطية التي تحكم أياً من المجتمعات الأوروبية''·
يجدر بالذكر أن القانون التركي يمنح الهيئة القضائية سلطات دستورية واسعة، بما فيها سلطة حل الأحزاب السياسية· وبالفعل تمكنت المحكمة الدستورية من حل 24 حزباً منذ إنشائها في عام ·1963 وهي تمضي الآن خطوات نحو حل ''حزب المجتمع الديمقراطي'' الموالي للأقلية الكردية والمتهم بالدعوة الانفصالية·
وبحسب الدعوى القضائيـــة المثارة حالياً ضد حزب ''العدالة والتنمية''، فإنها تطالب بالحـــل الدائم للحزب، إلى جانب حرمان 71 من قادته -بمن فيهم رئيس الوزراء طيب رجب أردوجان، والرئيس عبدالله جول- من ممارسة أي نشاط سياسي لمدة خمس سنوات تبدأ من تاريخ صدور قرار الحل· وجاء في نص الدعوى:''لقد قامت بتأسيس هذا الحزب جماعات استفادت من تجارب حل الأحزاب السياسية الإسلامية في السابق، وهي جماعات تستغل الديمقراطية لتحقيق هدفها الرامي إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في تركيا· بل تحاول هذه الجماعات تقويض المبادئ العلمانية التي يقوم عليها الدستور''· أما السبب الذي دفع العلمانيين إلى تصعيد حملتهم إلى هذا الحد ضد حزب ''العدالة والتنمية''، فهو اعتقاد هؤلاء أن الدين يشكل عقبة أمام مشـــروع تحديث تركيــا وقولبتها على النمط الغربي، وهو المشروع الذي دشنه القائد المؤسس كمال أتاتورك في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية في بدايات القرن العشرين·
وفي تصريح له عن التحولات العكسية التي يهدف إليها الإسلاميون على حد قول ''أونور أويمن'' نائب رئيس ''حزب الشعب الجمهوري'' العلماني:''فإن هناك الكثير من المساعي المبذولة من قبل الحكومة الحالية الهادفة إلى جعل تركيا دولة إسلامية بدلاً من دفعها أكثر باتجاه العلمانية ونمط الحداثة الغربية· وهناك الكثير جداً من الشواهد والمؤشرات الدالة على هذا التحول الذي تخطط له وتعمل من أجله الحكومة''· يذكر أن ''حزب الشعب الجمهوري'' نفسه كان قد تعرض للحل سابقاً· ثم استطرد المتحدث للقول:''فنحن نفضل خوض التنافس السياسي والانتخابي مع أندادنا السياسيين في بلد يسوده القانون· وعلى جميع الأحزاب السياسية احترام المبادئ العلمانية التي يقوم عليها الدستور''·
غير أن هناك من ينتقد هذه الخطوة من قبل العلمانيين، من بينهم ''زهتو أرسلان'' الخبير في الشؤون الدستورية، الذي قدم استشارة قانونية للحكومة في صياغة مسودة الدستور الجديد· فمن رأيه أن خطوة العلمانيين هذه فيها استغلال للدستور لخدمة أهداف سياسية· وعلى حد قوله فإنه ''يمكن النظر إلى الدعوى القضائية المرفوعة، على أنها محاولة سياسية من قبل النخبة العلمانية للإطاحة بحكومة شرعية منتخبة ديمقراطياً''· ومضى إلى القول أيضاً:''فليس هناك من دليل قوي يسند حجة تحول حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى مركز للأنشطة المعادية للعلمانية في بلادنا· ولذلك فإن هذه الدعوى هي سياسية ولا سند لها في القانون· وهذا ما يرجح عدم حل الحزب الحاكم نظراً لغياب الأدلة القانونية على صحة الدعوى المرفوعة ضده''·
بل إن هناك من مضى شوطاً أبعد من هذا في انتقاد العلمانيين بوصفه للدعوى بأنها محاولة ''انقلاب قضائي'' على الحكومة الشرعية، التي حصد حزبها الحاكم نسبة 47 في المئة من مجموع أصوات الناخبين، على رغم الجهود التي بذلها خصومه في تصويره على أنه حزب يعمل على تقويض المبادئ العلمانية التي قامت عليها تركيا·
يذكر أن ''أردوجان'' وغيره من قادة الحزب قد مضوا شوطاً في إدخال إصلاحات دستورية، تحد من السلطة الممنوحـــة للمحكمة الدستورية، التي تقرر بموجبها حل الأحزاب السياسية·

يجال شليفر- اسطنبول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا