الاتحاد

تقارير

رسالة إلى روسيا··· من قمة بوخارست

رسالة إلى روسيا··· من قمة بوخارست

رسالة إلى روسيا··· من قمة بوخارست

اليوم يجتمع قادة دول حلف شمال الأطلسي في بوخارست برومانيا لعقد قمتهم العادية، ولا شك أنهم سيواجهون خلال هذه القمة العديد من القضايا الملحة· وفيما ستكون التطلعات الأوكرانية والجورجية للانضمام إلى الحلف إحدى تلك القضايا، سيكون دعم الاستقرار في أفغانستان والبؤر الملتهبة في العالم قضية أخرى من القضايا المطروحة على جدول أعمال القمة· لكن القضية الغائبة فعلاً عن أجندة قمة ''الناتو''، رغم حضورها القوي في أذهان أعضاء الحلف والحاجة الماسة إلى معالجتها، هي موضوع روسيا وطريقة التعامل معها· فالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أسدى خدمة جليلة لحلف شمال الأطلسي بقبوله دعوة قادة الحلف للمشاركة في فعاليات القمة بالعاصمة الرومانية بوخارست، إذ إن مجرد حضوره سيضع الموضوع الروسي على أجندة النقاش فكيف سيكون رد فعل أعضاء الحلف؟
الواقع أن الرئيس بوتين سبق أن رفع نبرة التحدي ضد الغرب في خطابه الذي ألقاه السنة الماضية في الاجتماع الأمني الرفيع في ميونخ بألمانيا، حيث هدد بمرحلة جديدة من الحرب الباردة مع الغرب إذا لم يهتم هذا الأخير بالمصالح الروسية ويراعي انشغالاتها· ومنذ ذلك الوقت لم يكُف بوتين والمسؤولون الروس عن إطلاق التهديدات المتكررة بمعاقبة بولندا وجمهورية التشيك لمشاركتهما في الخطط الأميركية لنشر نظام للصواريخ، فضلاً عن تحذيره لجورجيا وأوكرانيا لرغبتهما في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي· وامتدت التهديدات إلى الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف ''الناتو'' أنفسهم بعدما اعترف العديد منهم باستقلال إقليم كوسوفو· هذا النهج عالي النبرة في التعامل مع الغرب وجد له صدى إيجابيا داخل روسيا، كما استقبل الرأي العام الروسي خطابات بوتين النارية بالترحيب، حسب استطلاعات الرأي التي أجريت في هذا المجال· لكن في أوروبا، القديم منها والجديد، أثارت تصريحات بوتين مخاوف من رجوع روسيا إلى مرحلة الحرب الباردة وزعزعتها لاستقرار أوروبا· ومع أن هذا التوجه الروسي قد يخدم العلاقات الأطلسية بين أوروبا والولايات المتحدة، إلا أنه لا يكفي لضمان الاستقرار·
وعلى الرغم من خطاب التحدي الذي رفعه بوتين في وجه حلف شمال الأطلسي ورفضه للمبادرات الأميركية والأوروبية، امتنع الحلف عن الرد بالمثل وفضل عدم الاهتمام بنبرة التشنج، وهو ما زاد التفاف الرأي العام الروسي حول بوتين· والحقيقة أن مجرد تأييد غالبية الروس للسياسة الخارجية التي اعتمدها بوتين يُفترض به أن يقلق القادة الغربيين· فقد أشارت استطلاعات الرأي التي أجريت في العام 2007 أن 60% من الروس يرون بأن ''الخطر الأكبر على الأمن الروسي'' يأتي من نشر الصواريخ الأميركية في البلدان المجاورة لروسيا، ولم يعرب سوى 8% من المستجوبين عن خوفهم من إيران في حال حيازتها للسلاح النووي· وإذا لم تكن هذه الأمور كلها مصدراً فعلياً للقلق، فماذا عساها تكون؟ لا سيما وأننا في وقت أصبح فيه الروس أكثر انفتاحاً على العالم الخارجي، بحيث يسافرون أكثر ويتصفحون الإنترنت وأصبحوا أكثر تعرضاً للأفكار الجديدة من ذي قبل·
لذا لا بد لقادة ''الناتو'' أن يستغلوا فرصة استقبالهم لبوتن في بوخارست كي يشركوا الشعب الروسي ويوجهوا رسالة واضحة إلى قيادته· وفي هذا الصدد يتعين على قادة الحلف التأكيد على انفتاح ''الناتو'' واستعداده للتعاون مع روسيا، فضلاً عن نفي أي سوء نية في هذا الاتجاه والعمل على تبديد الشكوك· وعليهم أيضاً أن يوضحوا بأن توسيع حلف شمال الأطلسي لا يتم من مقره في بروكسل، بل برغبة من الدول التي تتطلع إلى الانضمام· وفي الوقت الذي يتعين فيه على حلف ''الناتو'' التأكيد لروسيا أنه يرتكز على قيم مشتركة، عليه أيضاً أن يوضح بأنه لا يسعى إلى فرضها على أحد، أو إقناع الدول بالانضمام إلى الحلف· وإذا كانت لروسيا كامل الحرية في اختيار نظام الحكم الذي تراه صالحاً لها، فإنه عليها أن تدرك بأن سياسة توازن القوة التي تنتهجها كمقاربة في سياستها الخارجية قد تبعدها أكثر عن باقي أوروبا والولايات المتحدة· وعلى قادة الحلف أيضاً أن يذكروا الشعب الروسي بأن سجل بوتين في السنوات الثماني الأخيرة يختلف في أنظار العالم عنه داخل روسيا·
فبرغم النمو السريع الذي حققه الاقتصاد الروسي مازال متوسط عمر الإنسان الروسي لا يتعدى 60 عاماً في أوساط الرجال، ورغم نجاح بوتين في لجم جماعة صغيرة من المتنفذين والمسيطرين على الاقتصاد الذين برزوا في عهد الرئيس السابق، إلا أن روسيا مع ذلك احتلت المرتبة 143 عالميا في مؤشر الشفافية خلال العام ·2007 وبالطبع قامت روسيا في السنوات الأخيرة باستعراض عضلاتها واستخدمت دبلوماسية أنابيب النفط للضغط على أوروبا وتذكيرها بأنها تحمل مفاتيح تزويدها بالطاقة، لكن هل ساهم ذلك في تعزيز شعبية روسيا وجعلها أكثر احتراماً؟ بالتأكيد لا· وعلى الشعب الروسي أن يفهم بأنه حر في تقرير مصيره دون تدخل خارجي، ويمكنه اختيار الديمقراطية، أو الحكم الشمولي كما يحلو له· لكن في الوقت نفسه عليهم أن يدركوا الحقائق من حولهم ويقيموا علاقاتهم مع جيرانهم وشركائهم الأوروبيين· وكلما سارعت دول حلف شمال الأطلسي في عرض الحقائق أمام الشعب الروسي، انفتحت آفاق الحوار بين الطرفين لتسوية الخلافات وتذليل العقبات بينهما· لذا فإن توجيه رسالة واضحة إلى بوتين، والأهم من ذلك إلى الشعب الروسي، لتوضيح وجهة نظر ''الناتو'' ورؤيته لروسيا ستكون خطوة أساسية لنجاح قمة بوخارست·

يوجين رامر
باحث بالمعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية في أميركا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا