الحديث عن المعتقدات الدينية في إقليم كردستان العراق، يشبه السير في حديقة واسعة مليئة بنوع واحد من الزهور ولكنها تحتضن بين جنباتها أصنافا نادرة من الورود تجعل منها حديقة فريدة· إن أغلب سكان كردستان هم من المسلمين السنة بنسبة تزيد عن 95%، هذه النسبة تجعل البعض يراها بقعة مغلقة عقائدياً، فيما الاقتراب يجعلك ترى مشهداً مغايراً· فالإسلام هنا يحمل سمات الوسطية المنفتحة والحاضنة للآخر، وحركات الصوفية تجذب مئات الآلاف من الانصار والمريديين، وهناك أيضاً المسيحيون الذين يقطنون المكان منذ الفي عام من أبناء الأشورييين والكلدانيين المحتفظين بتراث ثقافي ولغة سريانية تعود إلى أكثر من 4 آلاف سنة، وإذا اقتربت أكثر ستجد نفسك تغوص في عقيدة ''الإيزيديين'' الغريبة والمثيرة للجدل بما تحمله من اتهامات بعبادة الشيطان، وتسير إلى جانب النهر الصغير فترى ''الصابئة'' وقد حطوا رحالهم من جنوب العراق هنا في الشمال بحثاً عن ملاذ آمن، ونهر يقيمون بجانبه طقوسهم الدينية· إن الخوض في تنويعات العقائد الدينية في كردستان، مهمة محفوفة بالمخاطر، لعل أخطرها هو أن تغوص قدماك في مناطق يعتقد الكثيرون أنها من المحرمات، ولكننا قررنا أن نخوض التجربة ولنا شرف المحاولة ونرفض أن ينكر احد حقنا في أن نخطئ أحياناً·· بينما تتجاوز شـــوارع أربيـــــل عاصمة إقليم كردستان العراق تجد نفسك محاطا بمآذن المساجد المنتشرة في المدينة، ففي هذه المدينة الصغيرة يرفع الآذان أكثر من 300 مسجد درتها مسجــــد جليل الخياط الذي يعد الأفخم من بين جميع مساجد العراق· ويمثل المسلمون أكثر من 93% من سكان كردستان العراق وغالبيتهم من السنة أتباع المذهب الشافعي مع وجود الآلاف من أتباع المذهب المالكي ونسبة صغيرة من الشيعة· وخلال تواجدك في الاقليم تشعر بأنك أمام مجتمع مسلم يرفض التشدد في الدين، فالأكراد من أبناء ''الوسطية'' في الإسلام، وسطية الشافعي الممتزجة بروحانيات الطرق الصوفية· سر الوسطية يرجع الدكتور الشيخ بشير خليل الحداد أستاذ في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة صلاح الدين وخطيب جامع جليل الخياط، التسامح الديني في كردستان إلى ''الفسيفساء الدينية، حيث أن جميع أطياف المجتمع الكردي تربطهـــــــــم روابط وثيقة منبثقة من قيم العدل والتسامح الإنساني، وعاش الجميع طوال تاريخهم في سلام وإخاء وود·'' وفي شوارع أربيل أوالسليمانية تجد الأكراد يرفضون أي صلة بين الدين والتشدد فيما يحافظون بشكل واضح على أداء الصلوات والفرائض· فالمسلمون هنا يعيشون تاريخياً بين المسيحيين من كلدانيين وآشوريين، والأيزيديين، وهذا الحياة المشتركة جعلت من التسامح الديني قيمة رئيسية في التعايش بين سكان شمال العراق· في الوقت نفسه يشير بعض علماء الاجتماع إلى أن الطبيعة الجبلية ساهمت في رفض الأكراد الطبيعي للتشدد في تطبيق تعاليم الدين· فهم شعب منفتح على الطبيعة، وهو ما يجعلهم يحبون الحياة ويرون أن حب الحياة جزء من حب الله· ووفقا لموقع حكومة الاقليم على الانترنت فإن ''الدين الاسلامي هو دين الأغلبية في الإقليم· والكرد في غالبيتهم من السنة من المذهب الشافعي· ويوجد بين الكرد القليل من الشيعة يتركزون في جنوب كردستان، ويعزو الباحثون انتماء الاكراد للمذهب الشافعي إلى خضوع كردستان المبكر للحكام السُنة، وكذلك نشاط علماء الدين الكرد الذين درسوا العلوم الدينية في المدرسة النظامية ببغداد أثناء الخلافة العباسية التي كانت تتبنى المذهب الشافعي''· وإدارياً، انعكست هذه الفسيفساء على تعامل حكومة الإقليم مع الديانات المختلفة، حيث أنشأت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في ·1992 ويقول محمد الشاكلي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في حكــــــومة الإقليم ''إن وزارته تنظر بعين المســـــــاواة إلى الكردستانيين من الايزيديين والمسيحيين وغيرهم، فالوزارة للجميع دون استثناء واسمها يدل على ذلك''· وأوضح الشاكلي ''أن المجلس الأعلى للأوقاف في الإقليم فيه مديرية عامة للمسيحيين وأخرى للأيزديين، هناك أربعة أعضاء من المسيحيين والايزيديين إلى جانب علماء الدين الإسلامي في المجلس الذي يصدر القرارات المهمة ويضع استراتيجية الوزارة بما يضمن حق جميع الديانات في ممارسة طقوسهم وعباداتهم''· ويشهد المجتمع الكردي منذ فترة التسعينيات ظهور قيم جديدة في المجتمع خاصة عند الشباب كالانفتاح على الغرب وتبني معتقداته وأزيائه ومفاهيمه وثقافة العولمة والإنترنت والتحدث باللغة الإنجليزية· ويقول الدكتور طاهر الزيباري أستاذ علم الاجتماع المساعد في كلية الآداب بجامعة صلاح الدين بأربيل إن التيارات والأحزاب السياسية الكردســــــتانية تتصارع في المجتمع فمنها ما يميل باتجاه التمســـــك بالدين والتقاليد، وهناك تيارات علمانية معاكسة خاصة عند الجيل الصاعد من الشــــباب الرافض للماضي والتقاليد· ويقول الشيخ بشير الحداد إن التوجه نحو العلمانية والتخفيف من أثر الدين في حياة الناس أو السعي تجاه ما يتنافى مع تعاليم الدين ليس موجودا فقط في كردستان، وإنما هو موجود في معظم البلاد الإسلامية إن لم يكن كلها، معتبرا أن الحال عندهم أفضل بكثير من البلدان القريبة أو تلك التي تقول إنها إسلامية· وأوضح أنه بالرغم من أن نظام الحكم في كردستان ليس إسلاميا، إلا أنه وصف ''الحالة الإسلامية'' في المجتمع بأنها سليمة، معتبرا أن التشدد ضد الظاهرة الإسلامية موجود في كل دول المنطقة· 4 آلاف مسجد تشتهر مدينة أربيل بكثرة مساجدها ويتراوح عددها ما بين 300 إلى 400 مسجد، منها ما يقارب 150 مسجد جامع تقام فيها صلوات الجمع· وقال محمد الشاكلي وزير الأوقاف والشؤون الدينية إن وزارته تشرف على أكثر من 4 آلاف مسجد ولها أكثر من 16 ألف منتسب بدءاً من الأئمة والخطباء والمؤذنين والإداريين والمفتشين وغيرهم· ويذكر سلام إبراهيم أن المدارس الدينية لعبت دورا هاما في نشر العلوم والثقافة في كردستان وتخرج منها العلماء، وكانت الكثير منها مساجد ودور علم في آن واحد· وانتشرت المساجد الاسلامية في كردستان العـــــــراق وكـــان يؤمها المسلمون كــــردا وتركمانا وعربا· والعديد من المســــــاجد التي بنيت في قرى كردستان موّلها ''أهل الخير'' في دولة الإمارات والدول الخليجية الأخرى، وبعض هذه المساجد سميت بأســماء من قام ببنائها· ويعد جامع رجل الأعمال جليل الخياط من أحدث وأكبر الجوامع في المدينة، وافتتح مؤخرا هذا العام بعد أن استغرق بناؤه ما يقارب 5 أعوام، أنفق فيها رجل الأعمال الراحل مالا كثيرا بلغ ملايين الدولارات، وافته المنية قبل أن يكتمل بناء الجامع، حيث تولى أبناؤه من بعده الإشراف على إكمال تشييده وتجهيزه متبعين نهج والدهم في إنفاق المال بسخاء على بيت الله ليصبح أحدث وأكبر وأبهى جامع ليس في الإقليم فحسب، وإنما في كل العراق حسب وصف الشيخ بشير الحداد إمام وخطيب المسجد· وكان رجل الأعمال جليل الخياط يسافر إلى مختلف الدول الإسلامية للوقوف على فنون عمارة المساجد فيها، خاصة في اسطنبول ودمشق والقاهرة والدار البيضاء· كما أنه استعان بالمصممين والحرفيين المغاربة والأتراك في أعمال الزخرفة والتزيين الداخلي، حيث يجمع الجامع ما بين الطرازين العثماني والمغاربي، بالإضافة إلى لمسات من الزخرفة الإسلامية الدمشقية· ويتبع المسجد مصلى خارجي للنساء ومكاتب للخطيب والإمام، ومكاتب للإدارة، بالإضافة إلى المرافق العـــــــــــامة كأماكن الوضوء ودورات المياه، وفناء خارجي واسع· وأكد الشيخ بشير الحداد خطيب الجامع أن جامع جليل الخياط الوحيد الذي بني بهذا الشكل في العراق، ويدل على مدى اعتزاز الكرد بدينهم· الصحابي جابان واعتناق الأكراد الاسلام لا يمر أحد على ذكر علاقة الكرد بالإسلام إلا ويقف عند ذكر الصحابي جابان الكردي الذي التقى بالرسول صلى الله عليه وسلم وأسلم على يديه، ونقل عنه بعض الأحاديث الشريفة· وبالرغم من ندرة المعلومات التاريخية حول هذا الصحابي في كتب السيرة والتاريخ وعدم وجود رواية دقيقة عن سيرته، إلا أن بعض المؤرخين قال إن جابان الكردي هو من منطقة (سَرْدَرُوز) وهي من قرى همذان الكردية حسب ما جاء في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي· وجاء أيضا في كتاب (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) للمؤرخ محمد أمين زكي، نقلاً عن العلامة الآلوسي في تفسيره (روح المعاني) أن جابان كردي وروى حديثا نبويا أو أكثر يدور حول النكاح كما ينسب له حديث متنه ''إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة كل منافق عليم اللسان''· واتصف جابان بشدة الورع والتحرج في رواية الأحاديث الشريفة مخافة السهو· وحول قصة إسلام الصحابي الكردي قال الدكتور الشيخ بشير خليل الحداد أستاذ في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة صلاح الدين، وخطيب في جامع جليل الخياط إن الأكراد ذهبوا إلى الإسلام وتأثروا به، فقد خرج وفد من منطقة (سَرْدَرُوز) الكردية بإمارة جابان ومعه 18 شخصا إلى المدينة المنورة في الحجاز والتقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا إسلامهم، حيث بقي جابان في المدينة وصاحب الرسول، فيما رجع الآخرون إلى موطنهم· ولجابان ابن اسمه ميمون وهو تابعي عاصر كبار الصحابة وروى بعض الأحاديث عن أبيه وعن صحابة آخرين، ويصنفه أهل الحديث ضمن الثقات· وحسب بعض المؤرخين المسلمين فإن سنة 18 هـ شهدت أول اتصال بين الفاتحين المسلمين والكرد، أي بعد فتح حلوان وتكريت، حيث استولى الجيش الإسلامي على حلوان التي كان ملك الفرس يزدجرد معسكرا بها، وبعد فتح تكريت أرسل سعد بن أبي وقاص بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب ثلاثة جيوش لفتح بقية البلاد· ويقول الشيخ بشير الحداد إن الأكراد دخلوا الإسلام طواعية وباختيارهم، ولم يحدث أن حصلت مقاومة كردية كبيرة لصد الفتح الإسلامي كما حصل مع الفرس والرومان، حيث كان الأكراد أصلا يحكمون من قبل الإمبراطورية الفارسية والساسانية لفترات طويلة، فضلاً عن علاقة الأكراد بالإمبراطورية الرومية البيزنطية· ويذكر الباحث الكردي الدكتور فرست علي أن هناك مقاومة حصلت في مدينة شهرزور في محافظة السليمانية حاليا، حيث لاقى المسلمون مقاومة شديدة من سكانها، بالإضافة إلى بعض المناطق الأخرى مثل ماسبذان والصيمرة الواقعة في جنوب إقليم الجبال الغربي (لورستان) حيث جرت بين المسلمين والفرس المدعومين من قبل الكرد معارك طاحنة كانت نتيجتها انتصار المسلمين· إلا أن الشيخ بشير الحداد اعتبر أن هذه المقاومة كانت محدودة، حيث أن غالبية القرى والمناطق الكردية دخلت الإسلام طواعية بعد أن سمعوا عن عدالة الدين الإسلامي· وغالبية الأكراد يتبعون سنة يتبعون المذهب الشافعي، وهناك أكراد أحناف وآخرون شيعة في مناطق معينة· صلاح الدين الكردي يعد صلاح الدين الأيوبي من أشهر الرموز الكردية في التاريخ الإسلامي على الإطلاق· ويقول الشيخ بشير الحداد خطيب جامع جليل الخياط ''لا نبالغ أو نتعالى على الآخرين عندما نقول إنه لولا دور جدنا صلاح الدين لكانت خارطة العالم الإسلامي مختلفة عما عليه اليوم·'' ويعتبر الدور الذي لعبه البرامكة الكرد في العهد العباسي أول مساهمة حضارية للكرد بعد أن كانوا الأداة الرئيسية في إيصال العباسيين إلى سدة الخلافة· وفي عصر الدويلات والممالك الإسلامية دافع الكرد عن الديار الإسلامية في العهد الحمداني ضد الروم، وبرزوا في العهد الزنكي، ثم سادوا في العهد الأيوبي· وأبرز فرسان الأيوبيين القائد صلاح الدين الأيوبي وأخوه نور الدين شاهنشاه، حيث يعد الأول أعظم قادة المسلمين وحرر بيت المقدس في معركة حطين سنة 1187 وأعادها للحكم الإسلامي بعد أن أوقف الزحف الصليبي على ديار المسلمين·وفي العهد المملوكي جاهد الكرد ضد الفرنجة، وأشهر قوادهم الأمير حسين الكردي الساعد الأيمن للسلطان قانصوه الغوري· كما وقفوا مع الدولة العثمانية السنية ضد الدولة الصفوية الشيعية· شموس في الحضارة الإسلامية تعددت مساهمات الأكراد في الحضارة الإسلامية، وشملت مختلف العلوم والفنون، ونبغ منهم أعلام خلد التاريخ أسماءهم نظرا لإسهاماتهم الكبيرة· وهؤلاء الأعلام يقعون في فئتين الفئة الأولى هم الذين تثبت المصادر كرديتهم والفئة الثانية هم الذين ينتمون إلى كردستان جغرافيا دون تأكيد على الانتماء العرقي· فعلى المستوى السياسي وإدارة شؤون الدولة برز اسم خالد بن برمك ويحيى البرمكي وجعفر بن يحيى في العصر العباسي وهم يعدون من أشهر الوزراء في التاريخ الإسلامي وكان لهم دور كبير في تمكين الخلافة في يد العباسيين· أبو حنيفة الدينوري: برز الدينوري في النحو واللغة والهندسة والحساب وعلوم النبات· وتوفي سنة 282 هـ· له من المؤلفات كتاب ''النبات'' ألف عدة كتب في العلوم التي برز فيها· أبو القاسم الجنيد: وهو رائد حركة التصوف، توفي سنة 297هـ· ومن أقواله ''الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام ''· أبو القاسم الآمدي: أديب وناقد لغوي له مؤلفات وكتب بلغ 24 كتابا أشهرها كتاب ''الموازنة بين أبي تمام والبحتري''· شهاب الدين السهروردي: برع في الفلسفة والتصوف والفلك· وعرف بشدة الذكاء والفصاحة وله 49 كتاباً ابن الحاجب النحوي: وهو فقيه مالكي ومن كبار علماء اللغة· كردي الأصل ولد في صعيد مصر من مؤلفاته ''الكافية'' في النحو، و''الشافية'' في الصرف، و''مختصر الفقه'' غـــــداً ·· الصوفية ·· فرسان العشق الإلهي