الاتحاد

الملحق الثقافي

الحصان.. حيوان سياسي

السّؤال الطّريف الّذي يحاول هذا الكتاب الإجابة عليه هو: لماذا يرغب السّياسيون ـ مشرقاً ومغرباً في القارّات الخمس ـ الظهور أمام الناس وهم كالفرسان يمتطون صهوة الجواد؟ جوابا على هذا السؤال يؤكد المؤلف أنّ الحصان يمثّل رمزا للنصر، مثلما كان الأمر في عهد نابليون بونابرت وقبل ذلك في عهد ملك فرنسا لويس الرّابع عشر، والكثير من الرّؤساء والزّعماء والملوك يفضّلون ـ بسبب ما يرمز اليه الحصان ـ أن يتمّ رسم لوحات زيتيّة لهم وهم يركبون ظهر حصان على غرار الزّعيم معمّر القذّافي أو صدّام حسين، بل أنّ أسامة بن لادن له لوحة زيتية تظهره وهو يمتطي حصانا.
ويحلّل المؤلّف في كتابه الذي جاء محلّى بالعديد من الصور واللوحات التي تظهر كبار السياسيين وهم يركبون جيادهم، غرام القادة الكبار بالخيول ومتعتهم بركوبها والظّهور أمام الجمهور وهم على صهوتها على غرار الثّائر الشّهير تشي غيفارا، والإمبراطور هيرو هيتو، والملك المغربي الرّاحل الحسن الثّاني، والكوري الشّمالي كيم جونغ إيل، والرّئيس الأميركي روزفالت والرّاحل ياسر عرفات، وكذلك الرّئيس الرّوسي السّابق بوتين والزعيم البريطاني وينستن تشرشل، فقد اشتهر هذا الأخير بصور تظهره وهو يدخن السيجار، ولكنه كان أيضا يركب الخيل، فعندما غزت بريطانيا الهند أو عندما استعمرت السودان كان تشرشل أيامها يظهر على صهوة جواده فارسا غازيا، وحتى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ (1893 ـ 1976) فإنه قاد ما يعرف بالمسيرة الطويلة من على ظهر حصان، أما الماريشال موبوتو الذي حكم الزاذير على امتداد عقود فقد تعلم ركوب الخيل عندما كان جنديا في صفوف الجيش البلجيكي وقرر بعد ان استقلت زائير من الاستعمار البلجيكي ويوم أصبح هو رئيسا للبلاد ان يكون حرس الشرف كله من الخيالة. ولأنّ الحصان يعد حيوانا نادراً في إفريقيا السوداء بسبب ذبابة “التسي تسي” التي تقتله فان الزائيريين أصيبوا ـ حسبما جاء في الكتاب ـ بالذعر عندما تم أول استعراض لحرس الشرف وهم يمتطون ظهور الخيول.
أما الرؤساء الأميركيون فهم مثل رونالد ريغن يرغبون دائما في الظهور في شكل رعاة البقر “الكاو بوي”، وأوباما هو لحد الآن الاستثناء الوحيد إذ لم يظهر ممتطيا حصانا على غرار رعاة البقر في أفلام “الوسترن” ذائعة الصيت.
والكتاب يؤكّد من جهة اخرى ان زعيمان شهيران فقط لم يركبا أبداً حصانا، وهما الزعيم الروسي ستالين والألماني أدولف هتلر، وهما من أشدّ القادة في القرن العشرين شراسة وقوة وبطشا، ولكنهما كانا يخافان من ركوب الحصان خشية أن يسقطا! ومقابل ذلك فان الدّكتاتور الإيطالي موسولوني كان فخورا بركوب الحصان وقد أمر بأن يقام له تمثال ضخم وهو يمتطي الحصان وقد اختار المؤلف هذا التمثال لغلاف كتابه، كما انّ الجنرال فرانكو الّذي حكم إسبانيا طيلة عقود بالحديد والنّار كان من هوّاة ركوب الخيل، والتّمثال الّذي تمّ تشييده لفرانكو يظهره وهو راكب صهوة جواد، وبقي ذلك التّمثال الذي يبلغ علوه سبعة امتار ـ بعد موت فرانكو وزوال الدّكتاتوريّة ـ قائما إلى عام 2005 عندما أذن رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك جوزيه لوي زاباتيرو بإزالته من إحدى ساحات مدريد. ومعلوم أنّ تمثالا شهيرا للرّئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة كان قائما في أهمّ ساحة بقلب تونس العاصمة ويظهره وهو راكب حصانا، وهو تمثال منقول عن صور حقيقيّة للزّعيم الرّاحل عندما عاد إلى البلاد في يوليو 1955 حاملا بشرى النّصر بالاستقلال بعد كفاح مرير مع الإستعمار الفرنسي وكان يوم 1 يوليو 1955 يوما مشهودا في تاريخ تونس المعاصر إذ هبّ الشّعب بكلّ فئاته وشرائحه لاستقبال القائد المظفّر الّذي عاد على متن سفينة من فرنسا إلى تونس منتصرا، وقد طاف الزّعيم بورقيبة شوارع تونس على ظهر حصان، والتّمثال الّذي يخلّد هذه الذّكرى تمّ تحويل مكانه ـ بعد نهاية عهد بورقيبة في 1987 ـ من قلب تونس العاصمة إلى ميناء مدينة “حلق الوادي” حيثما نزل بورقيبة في الباخرة عند عودته عام 1955.
ويقول المؤلّف أنّ نيكولا ساركوزي رئيس فرنسا الحالي يتعمّد الظّهور أمام كاميرات المصوّرين وهو يمتطي حصانا وكان ذلك مثلا اثناء زيارته لمصر فقد ظهر عند سفح الاهرامات وهو راكب جوادا وكأنه يريد ان يتشبه بنابليون بونابرت، كما ظهر في احد الارياف الفرنسية يقود حصانه وكانه فرس مغوار!
ومن اطرف تفسيرات المؤلف للعلاقة بين رجال السياسة والحصان ان بعضهم يريد دائما ان يكون في موضع اعلى من عامة الشعب!، والمؤكد ان المؤلف استنتج ان السياسيين يجدون متعة في الظهور امام الملا وهم على صهوة جياد يسيطرون عليهم ويحسنون قيادتها تماما كما يقودون ويسيطرون على الشعوب التي يحكمونها وقد تم اثراء الكتاب بنصوص أدبية لكبار الكتاب وأشهرهم وهي نصوص تتحدث كلها عن الحصان وعلاقته برجال السياسة.


الكتاب: الحصان، حيوان سياسيّ


Le cheval, animal politique
المؤلّف: جان لوي غورو
Jean louis Gouraud
النّاشر: دار النشر السويسرية
FAVRE ED

اقرأ أيضا