الملحق الثقافي

الاتحاد

سعيد العتيبة.. من قدامى المتعلمين في المنطقة

لم يمر زمن طويل بين لقائي بمعالي الدكتور مانع العتيبة في يناير 1971 ولقائي بوالده سعيد العتيبة الذي كان رجل أعمال، بل من الأوائل القلائل الذين كانوا في ذلك الزمن رجال أعمال حقيقيين في أبوظبي. فالرجل كان وكيلا لأهم أنواع السيارات الأمريكية والإنجليزية في ذلك الوقت، وكان معرض السيارات الذي يديره ويشرف عليه، يقع في بداية شارع المطار القديم وفي عمارة صغيرة يملكها. طبعا هدمت العمارة وقامت مكانها عمارة ضخمة أخرى وانتقل المعرض أيضا فيما بعد إلى موقع يقابل مطار أبوظبي القديم.

منذ اللقاءات الأولى مع سعيد بن أحمد بن خلف العتيبة، أدركت أن شاعرية ابنه أمر وراثي، فسعيد شاعر، وابن شاعر وحفيد شاعر، ورغم أن الشعر الذي ينظمه ينتمي إلى الشعر النبطي ولكن سعة اطلاع الرجل وحفظه للكثير من أبيات الشعر الفصيح جعلتني أسأله: أين تعلمت؟
قال: في أبوظبي
قلت: وهل كان في أبوظبي مدارس؟
ضحك الرجل وقال: لم نكن نحتاج إلى مبنى المدرسة بل إننا كنا نستغل وجود بعض الأساتذة المتعلمين مثل عبد الله السيد الهاشمي ودرويش بن كرم رحمهما الله وغيرهم لنتعلم على أياديهم القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم.
قلت: أنت شخصيا على يد من تعلمت؟
قال: عندما كنت طفلا تعلمت على يد أستاذة اسمها موزه الهادومة رحمها الله وكانت من قبيلة السودان في منطقة البطين.
رافقت سعيد بن أحمد العتيبة فيما بعد في رحلات كثيرة، فأنا إعلامي وهو رئيس غرفة التجارة والصناعة في أبوظبي، منذ عام 1971 بدأ نائبا للرئيس ثم رئيسا لها ثم رئيسا لاتحاد غرف الإمارات، وفي تلك الرحلات راقبته وهو يحضر الاجتماعات ويوثق العلاقات مع رجال الأعمال في الدول العربية والأجنبية ويلتقي بالمسؤولين عن التجارة والصناعة في تلك الدول.
كان لديه رسالة، ويدرك جيدا ما يقوم به لتشجيع رجال الأعمال للقدوم إلى الإمارات وفتح المجال أمام رجال الأعمال في الإمارات للانطلاق إلى مختلف أنحاء العالم ويحصلوا على فرص لإنجاز مشاريع اقتصادية هامة.
كتابان كانا لا يفارقانه، الأول القرآن الكريم والثاني المستطرف، وكان يقضي الساعات الطوال في المطالعة وخاصة للصحف المحلية.
ورغم أن الرجل تجاوز التسعين من عمره إلا أنني كنت أجد صعوبة في مجاراته بالمشي، حيث اعتاد وما زال على مشي المسافات الطويلة كل صباح وكل مساء.
قلت له ذات يوم: لماذا تركت أبوظبي في الخمسينات إلى قطر؟
ابتسم سعيد بن أحمد بن خلف العتيبة وقال:
هذه حكاية طويلة، ولكن باختصار أقول: كانت قطر بشيوخها وأهلها واحة أمان، وفرصة حياة، ما قصرت قطر معنا ومع عديد من أبناء الإمارات اضطروا للسكن فيها، يكفي أنها علمت ولدي مانع تعليما لم يكن متوفرا في أبوظبي، حتى بعد تخرجه من مدارسها الثانوية أرسلته في بعثة دراسية إلى انجلترا ثم إلى العراق، وأنت تعرف بقية السالفة.
قلت: وهل انقطعت صلتك بالوطن طوال تلك الفترة.
قال: أبدا، نحن كنا باستمرار على اتصال بالشيخ زايد رحمه الله حتى قبل أن يصبح حاكما لأبوظبي عام 1966، وبعد أن تولى مقاليد الحكم في البلاد عدنا جميعا لنشارك معه في بناء الوطن.
كان سعيد بن أحمد العتيبة قبل تلك الهجرة إلى قطر يعمل في تلك الصناعة الوحيدة التي كانت متوفرة في الإمارات، ألا وهي صناعة وتجارة اللؤلؤ، فعائلته كانت من العائلات الغنية في المنطقة لديها مراكب عديدة بعضها يستخدم للغوص بحثا عن اللؤلؤ وبعضها الآخر للتجارة وجلب البضائع من الهند وإيران والبصرة.
ركز سعيد بن أحمد على تجارة اللؤلؤ، وعمل طواشا وجمع من ذلك العمل ثروة ليست بسيطة، وكان لا ينفـك عن القيام برحلات إلى أماكن الغوص وخاصة جزيرة دلما لشراء اللؤلؤ من الغواصين وتجهيزه وبيعه بأسعار جيدة.
واستمر سعيد في هذا النشاط إلى أن قامت اليابان بإنتاج اللؤلؤ الصناعي أو الزراعي فكسدت صناعة اللؤلؤ، واتجه معظم العاملين فيها إلى العمل مع شركات البترول.
كان سعيد العتيبة يكره الخمرة ويحارب من يشربها ونهى في عدة قصائد عن شربها، ومما أذكره له قوله:
طيع شـوري واترك الخمره ابتعد عنها ولا تجيها
في الكبد أحر من جمره تبتليهــا في مجاريها
الكبد يا صاح مب تمره تحدر من السوق تشريها
وفي قصيدة أخرى يقول:
مطعم وغـرشه عوده فيها الخمر موجود
تعطيك كيف ابزوده وعـلى الأهل ما تعود
تنسي الغضى ووعوده راعي العيون السود
واللمس فوق اخدوده لي ينتمي ما لخود
بلواك بلوى عوده تبغى صبـر واجهود
لا تقول أنا باروده ويشرب شرب محدود
خله وخله اجنوده وحاذر إليه تعود
ومما سمعته منه من طرائف في هذا المجال أنه كان في رحلة إلى اليابان مع وفد من رجال الأعمال، وأنه لاحظ أن المضيفات في الطائرة يقدمن لشاربي الخمر، المزات المنوعة، أما هو فلم تهتم به حتى مضيفة واحدة وكأنه غير موجود، وهذا ما جعله ينظم قصيدة طويلة يقول في بعض أبياتها:
لي يشربون الخمر يعطون مزة من الكاجو وموالح
والمضيفين إلهم يثيبون عسى لي جبناه سارح
وأنا لزقري ما يلبون ما كنه اسمي في اللوايح
تنقل سعيد العتيبة في العديد من دول العالم وخاصة الهند، حيث قام هناك بعمل مشاريع خيرية مثل بناء المساجد والمدارس والمستوصفات وتقديم العون للمسلمين في الهند وخاصة في منطقة كيرلا، وما زال يزور تلك المنطقة كل عام لتفقد مشاريعه الخيرية ودعمها وتقديم العون للقائمين عليها والمستفيدين منها، وكذلك في إيران في منطقة الخميرة حيث عثر بالصدفة على مسجد قديم بناه جده خلف هناك قبل حوالي مائة وعشرين سنة فما كان منه إلا أن تولى أمر تجديده وتوسعته.
ناسب سعيد بن أحمد العتيبة عائلة خليفة اليوسف وتزوج من السيدة عوشة اليوسف وهي والدة معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة أطال الله عمرها.
وحينما جاءها من طرف الشيخ شخبوط رحمه الله من يطلب منها عدم الرحيل والبقاء مع ولدها في أبوظبي قالت: لا يمكن، مانع يربيه أبوه ومانع يحتاج العلم.
وهذا ما حدث.
ولكن مع تسلم المغفور له الشيخ زايد الحكم في أغسطس عام 1966، عاد سعيد بن أحمد إلى أبوظبي، وكان على صلة وثيقة مع المغفور له بإذنه تعالى الشيخ حمدان بن محمد آل نهيان رئيس دوائر الإعمار آن ذاك إخوانه حيث أنه هو خالهم وتربطه علاقة نسب مع عدد من آل نهيان الكرام، وقد ساعده الشيخ حمدان بن محمد رحمه الله في أن يكون وكيلا لشركة سكس كونستراكت البلجيكية التي قامت في عام 1967 بأخذ مقاولة إنشاء مشروع الكورنيش في أبوظبي، وكذلك ميناء أبوظبي الأول، ويذكر سعيد أن قيمة المقاولة وصلت في ذلك الوقت إلى حوالي 25 مليون دينار بحريني.
كما أصبح فيما بعد وكيلا لشركات مقاولات أخرى مثل كانسلت وتعدد نشاطه التجاري.
ومن خلال الفرصة التي توفرت لي بالاطلاع على مجموعة رسائل بخط يد سعيد بن أحمد موجهة إلى ولده مانع في بدايات الستينات، وبالتحديد في الفترة التي تخرج فيها من المدارس الثانوية في قطر وأرسل في بعثة دراسية إلى المملكة المتحدة تمكنت من الاطلاع على فكر سعيد العتيبة، وعرفت أن الرجل كان عربيا متحمسا لعروبته، بل كان من مشجعي الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر، فهو لا يزال يذكر كيف شارك في مظاهرة حاشدة في قطر عندما حدث العدوان الثلاثي على مصر بعد قيام جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس عام 1956.
وحتى الآن، لا يذكر اسم جمال عبد الناصر أمامه إلا وترحم عليه وذكر فضائله وعدد إنجازاته.
لا تستطيع أن تخفي إعجابك بالرجل وأنت تصغي إليه يحدثك عن ذكرياته بلا مبالغة ولا تهويل، وهو لا يقدر على مجاملة المخطئ ولا يجد حرجا في مواجهته بالخطأ الذي قام به، كان من كان وبلغ من المسؤولية ما بلغ.
سعيد بن أحمد العتيبة، صادق في خطابه، جريء في طرح وجهة نظره، رقيق العاطفة، حي الضمير، متيقظ الوجدان، يساعد كل من يحتاج إلى المساعدة دون تفرقة عنصرية أو دينية أو قومية، فالله رب العالمين كلهم، وليس رب المسلمين وحدهم، لذلك فهو يساعد الإنسان المحتاج إلى المساعدة دون أن يسأل عن دينه أو لونه أو قوميته.
هكذا عاش في ظل عائلته العريقة وهذه هي المبادئ التي حملها عن أبيه وجده في طفولته وفي شبابه وفي كبره.
أطال الله عمره وأقر عينه بأولاده وأحفاده وأبناء وطنه الذين عرفوه وأحبوه ونادوه جميعا بنداء حبيب على قلبه ألا وهو بابا سعيد.

اقرأ أيضا