أحمد عثمان (باريس)

الناقد السويسري جون ستاروبنسكي أو «ستارو» كما يناديه تلامذته وأصدقاؤه الذي رحل عن عالمنا، يوم الاثنين الماضي، وأعلنت عائلته الوفاة رسمياً ليل أول من أمس، الخميس، هو أبرز المتخصصين عالمياً في القرن الثامن عشر الميلادي، ومعروف على نطاق واسع لدراساته العميقة «جون- جاك روسو.. الشفافية والعقبة». وهو في الأساس، طبيب ومؤلف لعدد من الكتب أصبحت من كلاسيكيات النقد الأدبي والفني المعاصر، علاوة على المجال الطبي- البسيكولوحي، مثل «تاريخ الطب» أو «تاريخ علاج السوداوية منذ الأصول حتى عام 1900». ومن بين كتبه التي زادت عن ثلاثين كتاباً مكتوبة بدقة وأحياناً شاعرية، هناك كتابات عن كورني، راسين، مونتاني، ديدرو، ستندال أو بودلير، وأخرى.
وصدر جانب كبير من نتاج هذا العلامة، في مجلد واحد تحت عنوان «جمال العالم»، عن مطبوعات غاليمار في 1300 صفحة، وهو يضم أكثر من مائة نص نقدي مكتوب خلال الفترة 1946-2010، حول الأدب، الفنون والموسيقى. يعمل فكر ستاروبنسكي حسب نقائض: فعل/‏‏ رد فعل، شفافية/‏‏ عقبة، قناع/‏‏ حقيقة، إقرار/‏‏ إغواء. وتتأتى أهمية هذه النقائض في الصور البهلوانية المبنية بقوة في كتابه: «بورتريه الفنان البهلوان»، المنشور في عام 1970. كتب ذات مرة: «من اللازم الإنصات إلى النتاجات في ظل استقلالها الخصب»، فهل من الواجب رؤية تأثير الموسيقى فيه؟ ذلك أنه مولع بالموسيقى، وعازف بيانو من طراز رفيع (برع في عزف سوناتات سكارلاتي)، وهو أيضاً عضو قديم في الكورال (غنى «ميسا سولمني» لبيتهوفن)، ولهذا أكد ستاروبنسكي في مقدمته لكتاب «أصول الموسيقى» أن «تحليل نص معين، يعني بداية عرضه للفهم وطرقُ طريق لتبيين أثره الحي علينا». وكتب أيضاً: «أنا مرتبط بهذه الفكرة المتعلقة بإيقاظ الإدراك الحسي لكل ما يثير الاختلاف، في هذا البعد الزمني: زمن الكلمات، زمن الخطاب، زمن المدينة الجمعية والفردية». وكتب الشاعر الفرنسي الراحل ايف بونفوا عنه: «جون ستاروبنسكي كاتب، إنه مثال هذه الذاتية المهمومة بالحقيقة التي تصنع الكاتب الحقيقي». أما الشاعر والفيلسوف مارتن روف، فكتب يقول «إنه أكبر نقاد الأدب باللغة الفرنسية في القرن العشرين».