الملحق الثقافي

الاتحاد

سمّعُونا موسيقى «البيت العود»!

«ليوا» في عام 1948

«ليوا» في عام 1948

وقفتُ عند باب قصر الحصن، أغمضت عيني قليلاً، وتأملتُ أنفاسي الصاعدة وقتها، ولم أشأ الحديث مع المارين والزائرين هنا، لإيماني بأن الإجابات المطلقة، لا يمكن استشفافها في هذا المقام، إلا من روح المكان، بين زوايا الباحة الفسيحة. سألتُ حينها: أين هي موسيقاكم؟ يا من سكنتم هذه البقعة التاريخية، لكل حركة على وجه الكرة الأرضية موسيقى وصوت وصدى. في كل صورة وفوتوغرافيا يا قصر الحصن، رأينا علم أبوظبي يرفرف فيك وبك، إذاً فإن هناك صوتاً لهواء الساحل، وهناك موج اجتاح (السّيف)، راسماً قدراً جديداً خُط تحت أقدام أُناسنا في هذا التلاقي بين الفطرة في كونها معجزة كونية، وبين استجابة الحياة لرغبات الروح في تجاوز أفقها إلى رحابة العطاء.

إن طرح ذلك المبدأ الأزلي، أمام بوابتك يا قصر الحصن أو كما يسمونك أحياناً بـ (القصر الأبيض)، يتجوهر في أن من يبني الأوطان، ويجسدها في التكوين الحضاري للبشرية، إنما هو جموح سامي يبديه إحساس متكامل نحو مفهوم الوجود، ذلك البقاء، والتأصيل في المفردة العفوية والتمازج مع الأرض والمحيط والسماء، والذي بدوره يؤكد قدرتي على فهم صوت فناجين القهوة، ذلك التماهي بين فعل الترحيب، وانسجام أمزجة الارتواء المر، وحلاوة الحديث، في المساحة المخصصة لمجلس الضيوف، لقربها الشديد من ذاكرتي المحلية، كتلك القصيدة والمرويات عن أن الماء هو سر حضور (قصر أبوظبي) هنا، وبه أصبح كل شيء بعدها حيّ!

على عتبة الزمان

لا زلت مصرة على البقاء أمام الباب، لا يمكن لأحد أن يعرف كل تلك التفاصيل الموسيقية لطبيعة المكان، سوى العتبة، كلهم مروا من هنا، الجنود بخطواتهم المتساوية في إيقاعها المتناسق على الأرض، حيوا فيها العلم، وتغنوا بشيء يشبه «عيشي بلادي»، وفيها أيضاً مر الرحالة الغربيون، يحملون كاميرا، وبالتأكيد أصدروا صوتاً منعكساً للقطاتهم الفوتوغرافية، كتلك التي التقطها المصور الأميركي صامويل زويمر عام 1901، ترى.. أين يمكن أن يكون قد حمض الأفلام وقتها، في أي من غرف القصر؟

المؤكد أنه حل ضيفاً هنا، أو ربما مر عابراً وانتقل إلى مسكنه في مكان ما بجوار القصر، وكيف قدم الصورة للشيخ زايد الأول؟ خاصة أن التاريخ وثق استخدام زويمر كاميرا يدوية صغيرة.. كم نحتاج للأصوات هنا، الآن فهمت لماذا يمثل صوت الراوي للرواية التاريخية الشفاهية، كأنتيك عريق، ليس لكونه مرجعية تاريخية فقط، بل لقدرته المتناهية على تقديم سيناريو بالصوت والحركة للحياة التاريخية. في الراوية ولادة متجددة للأرواح، لا يمكننا أن ننهي قصة وطن ما، ولا يمكننا أن نلغي أثراً ما، برحيل من بناه، بل يبقى التجسيد الإنساني للمشروع، هو الفضيلة الأهم في استمرار رؤيته الأسمى وهي العيش ضمن مقومات الحياة وتحقيق لغة للتواصل فيها.

أوركسترا القصر
حسناً.. قررت تخيل كل بعد اجتماعي في القصر كآلة موسيقية، ما يُسهل عليّ منظومة البحث في (إنسانية) قصر الحصن، سنجعل من النوافذ ذات الغطاء الخشبي، وأعمدته الحديدية، كآلة قانون، بينما المعمار الهندسي لفتحات البراجيل، كأبواق الساكسفون، مروراً بالقلاع في كونها مكبرات للصوت، وصدى الهارموني، لما يتم تناوله من معزوفات تاريخية، أما ذلك الشكل المقوس لفتحات الإطلالة الخارجية للأجنحة الجنوبية والشرقية، الشبيهة بقاعات العروض الموسيقية الأوربية العريقة والقديمة، ستشكل منطقة لجلوس المستمعين، حيث سيتحرك وقتها لا إرادياً الوعاء الفخاري المخصص للماء (الحبّ)، مشكلاً إيقاعانا البحري، بينما ستهتز شجرة النخيل، لاستنفار حالة الغناء، وذلك لما تملكه تلك الشجرة من مقدرة على سرد كل الحكايات، من حيث هي الشاهد الأبرز، ألم نسمِّها بشجرة (الحياة) تيمناً بذلك، هل يمكن أن نصل لتلك الأوركسترا، ذلك التمازج بين التراث وروح اللحظة المعاصرة؟ وهل سيدهشنا ما يمكنه أن يحدث حينها في أننا سنتحول جميعاً إلى وطن، فقط.. وطن!

هل نحتاج لتشغيل شيء من أسطوانات (البشتختة)، أم تكفينا خلفية معزوفات الربابة أو شيء من (الشلة) أو (الونه) أو (النهمة) أو (التغرودة)، إيذاناً بشروع قصتنا التاريخية مع قصر الحصن - البيت العود - المطل على ساحل البحر، نعم هو نفسه الساحل، الذي وقف أمامه عديد من شعراء المنطقة وتغنوا به، ومن سحره استشف أحد أهم شعرائها سعيد بن عتيق الهاملي، قصيدته المشهورة:

«صاح بزقر لمنادي بخطوفه

يوم السفن بتشل

غمّس على لفوادي بالكفوفه

ولا وادعه بالحل

وين قمري لمجادي ماشوفه

ليه نوره معتزل

لي مسقني ودادي بشفوفه

علّه عقب النهل»

إنها الثنائية البيئية بين الصحراء والبحر، التي أنُتجت في ربوع (ليوا)، ممثلةً أحد أهم لقاءات الحوار الحضاري، بين الإنسان والأرض. من الأخيرة أحمل حفنة من الرمل المتوسد (حوش) «البيت العود»، إنها نفسها ذرات رمل الصحراء تلك، التي انتقل عبرها بنو ياس إلى جزيرة أبوظبي، وبها تشكلت لبنات التكوين المكاني لمجتمعنا في عام 1761.

لم تتوقف أسطورة الرمل عند منحى تشكيل فعل الاتصال، بل استمدت قوتها من عمق العلاقة الدفينة بين أُناس المكان وأعجوبة الترحال، وفطرية التلاقي مع مكونات الطبيعة اللافتة، كعلاقة البدو بالجِمال، التي وصفها الباحث الإماراتي عبدالله بن دلموك في مقدمة كتابه «المَتوصِّف»، خلال توثيقه لفعل الأمثال الشعبية: «يُحكى أن رجلاً رحل عبر الصحراء إلى بلدة بعيدة، وكان من المعتاد عند العرب عامةً والبدو بخاصة، أنهم إذا سافروا إلى بلدٍ، دخلوه نهاراً، فإذا غلبهم الوقت، وهبط الليل، باتوا على أطراف المدينة، ودخلوها في الصباح الباكر، وهذا ما حدث لبطل القصة، إذ نزل عن ظهر ناقته، وشرع في عقلها، وهمَّ بتجهيز مكان جلوسه، إلا أنه رأى ناقته تتثاءب، فتثاءب هو أيضاً، لكن تثاؤبه الذي كان نتيجة تثاؤب ناقته، أثار حفيظته وفضوله، وحرك فطنته، فعرف أنه تثاءب متأثراً بتثاؤب ناقته، وتساءل في نفسه عن سبب تثاؤب ناقته»، ويضيف بن دلموك أن البدوي عرف وقتها بوجود طرف ثالث بجواره، خصوصاً أنه لم يظهر أي مؤشر للنعاس من قبله، وأحس بالخطر، فبدل مكانه، وعند الصباح تبين له أن مكانه كان موقعاً لقتال دام. مستدلاً بذلك على مستوى الحكمة والفراسة التي أهدتها، بحسب تعبير دلموك، الصحراء لأهل البادية، وهي نفسها ذات السمات المشتركة لسكان «البيت العود» ومن جاورهم من أهل المنطقة، الذين عرفوا بـ «ياس عرب»، في أقدم الخرائط الأوروبية المكتشفة، للرحالة الإيطالي «جاستالدي»، العائدة لعام 1559، ليستمر حدسهم في اكتشاف المياه العذبة، وليرسم أولى ملامح المخطط الجغرافي لمراحل التوثيق السكاني، في جزيرة أبوظبي.

بين الرمل والنخل
إنها قصة الرمال، الملتصقة بشجرة النخيل، تلك التي يمكن أن تلحظ امتداد جذورها بين جنبات قصر الحصن، إلا أن هناك شجرة قديمة جداً، لا تصنف ضمن أنواع شجر النخيل، وازى حضورها كشاهد على المكان، لم أتعرف على تفاصيلها، إلا عبر ألوانها، ميزتها أنها تُلهم الزوار إلى ما توصل إليه الباحثون، من أن الكون يحتاج لأكثر من 4000 مليون سنة لتكوين الشجر على الأرض، والمثير للانتباه دائماً، أن تأصيل العلاقة بين الرمل والشجر، تجسدها قدرتنا على ملامسة جدار القلعة الأولى، التي تم بناؤها لمراقبة المياه العذبة من قبل الشيخ ذياب بن عيسى.

فكر - عزيزي القارئ - بأن تمر بجانب ذلك البناء الأول، تأمل لدقائق فعل مكونات البناء في عمق عمليات الترميم، هنالك قصة استثنائية لدهاء من بنوها، في تلك الفترة، بدءاً بسعف النخيل، والحجر الرملي، ووصولاً إلى الأحجار المرجانية، وما يستوقف الساعي لاكتشاف تلك العمارة اللافتة، هو فعل استخدام أشجار القرم، ذات الجذور الليفية والأوراق المجنحة السميكة، والذي ساهم انجراف التيارات المائية في وصولها إلى الشاطئ، وتعتبر موطناً للكثير من الطيور والأسماك، فهل انتظر البناؤون حينها انجرافها إلى الشاطئ، أم استمدوا من فعل الإبحار وسيلة للوصول إلى غابات القرم؟ تلك الشجرة التي أشارت التقديرات الأولى ضمن تقارير مسحية نشرت في التسعينات إلى أن نصفها عبارة عن امتدادات على شكل حدائق، في البحيرات الضحلة المحمية، بينما النصف الآخر عبارة عن مجمعات طويلة تبرز في جوانب الممرات المائية المعرضة للمد والجزر. وفي دراسات حديثة، ضمن نظام الاستشعار عن بعد، توصل الباحثون إلى أن ثلاثة أرباع مناطق القرم في أبوظبي تقع ضمن فضاءات مفتوحة، والربع الباقي منها ضمن تجمعات كثيفة. ما يعيدنا إلى التاريخ البيئي للإمارة، وما ذكره كتاب «الطبيعة في الإمارات- الحياة البرية والبيئية في الإمارات العربية المتحدة»، من أن «أبوظبي قبل 80 مليون عام، مثال للحياة على الأرض في العصر الميوسيني»، وفيه يسرد الباحثون، اعتماداً على بقايا المتحجرات والحفريات المكتشفة بالمنطقة:
«كانت العديد من القنوات التي يبلغ عرض الواحدة منها نحو عشرة أمتار تشكل مجرى نهر عرضه كيلومتر واحد. وكانت تجري في تلك القنوات العميقة مياه عذبه صافية، سريعة الجريان أحياناً»، مضيفاً وصفاً أسطورياً للبيئة الطبيعية حيث يقول: «في هذه البيئة، قام عضل بحفر خندق خلف النهر. وكان العضل منزعجاً، في تلك الليلة بسبب الضجيج الصادر من مجموعة من الضباع التي كانت تفترس بقايا حصان قتله سنور في حجم الفهد، قبل سويعات قليلة. وصدر ضجيج مشابه من مجموعة أفراس النهر الجوعى التي كانت مترددة في الخروج من النهر إلى مراعيها العشبية بين الأشجار». فهل يمكن أن يجسد هذا المشهد للبيئة الكونية، بالقرب من أُناسنا وتاريخنا على يابسة «أبوظبي»؟!
ومما يمكن تخيله أيضاً، حضور طائر (البلشون)، وهو الأكثر نمواً في مناطق أشجار القرم، ويذكر كتاب «الطيور المتكاثرة في دولة الإمارات العربية المتحدة» أنه من سلالات الطيور التي تعيش في الشعب المرجانية والجزر الصخرية، ما يُسهل علينا الإيمان، بأن شيئاً من «البيت العود»، احتفى بتفاصيل هذا الطائر، ممثلاً جزءاً من نشأة بقايا مكونات البناء، إضافة إلى طائر «زقزاق السرطان» الساحر في هيئته، بسيقانه الطويلة، فيا ترى هل مر بالقرب من مؤسسي أبوظبي وسُكانها، وفعلياً كيف قرأوا حضوره؟


معزوفة وطن
للقصر أوركسترا، النوافذ فيها آلة قانون، والبراجيل أبواق الساكسفون، والقلاع مكبرات للصوت وصدى الهارموني.. أما ذلك الشكل المقوس لفتحات الإطلالة الخارجية للأجنحة الشبيهة بقاعات العروض الموسيقية الأوروبية العريقة، فهي منطقة لجلوس المستمعين.. لا إرادياً يتحرك الوعاء الفخاري المخصص للماء «الحبّ» مشكلاً إيقاعنا البحري، بينما تهتز شجرة النخيل لاستنفار حالة الغناء، هل يمكن أن نصل لتلك الأوركسترا، ذلك التمازج بين التراث وروح اللحظة المعاصرة؟ وهل سيدهشنا ما يمكنه أن يحدث حينها في أننا سنتحول جميعاً إلى وطن، فقط.. وطن!

يحتفي مهرجان قصر الحصن هذا العام، بافتتاح غرف المعيشة لأول مرة للزوار، وعند مروري بجانب الأجنحة الأرضية، لتلك الغرف، استوقفتني الأبواب، التي تختلف في هيئتها عادةً، في باب المجلس عنها في باب المطبخ على سبيل المثال، رغم ثبات أيقونة النقش، وجمالية التصميم على مستوى الشكل والحجم، فهناك دائماً هيبة لأبواب القصر فنياً، تفرض على الداخل فضاءات للتخيل.

عطر وخيط
بالعودة لغرفة المعيشة التي استطعت مشاهدة تفاصيلها عن بعد، حضر (العطر) و(الملابس)، العناصر التفاعلية الأبرز لسُكان تلك الغرف، ومن مر عليها من أعيان البلاد، كون العطر، بطبيعته يلعب دوراً إنسانياً في حفظ ذاكرة المكان، وأسهل ما يمكن استشفافه من اختيارات العطر المتوفر والحاضر بقوة هو «دهن العود» وبخوره، المسكون في الأغطية والشراشف المستخدمة للأثاث، وحتمية تجسيدها للصندوق (المندوس) المخصص لوضع المستلزمات الخاصة والثمينة. «دهن العود» شيء يتجاوز فعل التعطر، إلى استمالة التاريخ نحو ذهن المتلقي للشخصيات، وتقريبها إلى مداها الإنساني، والتفاعل معها كمتذوقة للرائحة الزكية، بعيداً عن مكانتها وهيبتها الاجتماعية، التي تظل محفوظة، ضمن المفهوم العام لقراءة التاريخ الوطني.

الحديث عن (الخيط) في نسجه لقطعة الملابس، و(العود) المبخر لتلك المنسوجات، ينقلنا إلى الهند، المُصدر الرئيسي لها، خاصة أن صناعة العود، أصبحت فيما بعد إحدى أهم منتجات الأسر المحلية، طارحاً تعويذات العود وسحره على الأشخاص، الشغوفين بتحضيره وبيعه. وأهمية العودة إلى نشأة العود الذي يجلب عادة من آسيا والهند وبنغلادش وماليزيا وإندونيسيا والفلبين ولاوس وفيتنام وغيرها، في أنه ينتج بعد أن تصاب أنواع خاصة من الأشجار بمرض معين، ينتشر في نسيجها الداخلي، ما يحولها إلى مادة، لا تشبه الخشب، ومختلفة عن الأشجار السليمة، وتفوح من الأشجار المصابة رائحة خلابة، عندما ملامستها النار، والمتعارف أن تلك الأشجار المخصصة لإنتاج العود تتباين بين جغرافية دولة وأخرى، وأشكال الاهتمام بها. إذا هذا التحول الكوني لطبيعة إحدى الأشجار، وإصابتها بعلة ما، ساهم في تنامي اقتصادي، وبناء أطر تراثية لذائقة مجتمعية، كما يُعرف العود عادةً من عدة سمات اختبارية منها أن يميل لون دخانه إلى الأزرق، وكثرة الفقاعات الدهن عند احتراقه، حيث أنه لا يدمع العين أو يؤذيها عند استنشاقه. وما يبعث على التساؤل مدى إمكانية تصور تفاعل نساء القصر مع العود، ماهية طقوس التبخر، وطبيعتها، وطرق التفاعل معها، بين هيبة نساء القصر؟

طبخ الحضارات
استمراراً لمبدأ الرائحة، وذاكرة المكان، توقفتُ كثيراً أمام بوابة المطبخ، تلك المنطقة الجانبية من قصر الحصن، ورغم اعتبارها عموماً منظومة عامة لتحضير الأطعمة لأهل القصر، إلا أن التجليات العميقة في مبدأ المطبخ، تحمل لغة من التلاقي الثقافي والحضاري لا يمكن استشفافه إلا عبر دراسة دقيقة لكل محتويات المطبخ، على مستوى محتوياته من تلك المؤن العامة التي يتم استيرادها من عدة مناطق منها الهند والبصرة، ولكن ما يحتمل حيز القراءة البحثية هي «البهارات» و»التوابل» بكل أنواعها، ورغم الخصوصية المحلية للعديد من الأطعمة الإماراتية، الممزوجة بتأثير المناطق المجاورة، إلا أن فعل المزيج الحضاري للطهي الهندي، يُشكل أبرز التأثيرات الناجمة عن خطوط التواصل البحري، وقد أكد بعض الطهاة العالمين من الهند، في الوقت الراهن، أن ما قام به الطهاة المحليون، هو إعادة صياغة هذا التمازج، بطرق تحفظ عراقة الثقافة المحلية وتطورها.

يمكن تخيل مطبخ قصر الحصن، المكتظ بالطباخين من النساء والرجال، حيث حركة الأيدي، هي بطلة عرض مسرحي، من تحمل تلك البهارات القادمة من الهند، وتضعها في القدور المخصصة للطهي، بقياسات معتبرة، ليلتصق لون بعضها في يد الطهاة، وسط الأبخرة المتصاعدة، إثر غليان الماء، بين تحضيرات الأرز والمرق المتنوع، وقتها يتمنى المار بجانب بوابة مطبخ القصر، عيش لحظة تذوق النكهة الإماراتية، تلك التي امتزجت ضمن تاريخ تأسيس عاصمة دولة حضارية متقدمة.

روائح المكان
صوت البحر يعود مجدداً، مع كل نسمة عبرت قصر الحصن، شكل فيها المؤسسون وأعيان أبوظبي، قصة لا متناهية من التكاتف المجتمعي في بناء منظومة حياتية، وقصة عيش مشتركة، حيث إن فهمنا لقصة ساحل أبوظبي، سيتيح لنا فهم توسع نطاق الحوار الحضاري والامتداد الإنساني لأهل الإمارات، في النشأة والتكوين، كما أشرنا سابقاً عبر قصيدة سعيد الهاملي، فهذا التجلي بين الصحراء والبحر، المتجسد في أبوظبي، جدير بالدراسة المتأنية، خاصةً التماهي مع تجارة صيد اللؤلؤ. ومن أجمل التوصيفات التي قدمت حول تفاصيل تلك المهنة، ما وثقه رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور في سيرته الذاتية، نقلاً عن كتاب رحلة ابن بطوطة المسماة «تحفة النظار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار»، بين عامي 1325 و1355، الذي يقدم وصفاً عن مهنة الغوص، ورد فيها: «ويجعل الغواص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيئاً يكسوه من عظم الغيلم، وهي السلحفاة. ويصنع من هذا العظم أيضاً شكلاً يشبه المقراض، يشده على أنفه، ثم يربط حبلاً في وسطه، ويغوص. ويتفاوتون في الصبر في الماء.. فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك بين الأحجار الصغيرة، مثبتاً في الرمل، فيقتلعه بيده، أو يقطعه بحديدة عنده، معدة لذلك، ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه».

دور نسائي
«قصر الحصن».. يُعد مرجعية تاريخية فعلية، ومؤشراً للحياة وتبعاتها على مستوى إمارة أبوظبي وتدرج الحياة فيها من البحر وصولاً إلى اكتشاف البترول والمتغيرات الاجتماعية، كالذي وثقه الباحث عبدالله عبدالرحمن كتابة «فنجان قهوة- الإمارات في ذاكرة أبنائها- الحياة الاجتماعية»، وتحديداً ما دونه عن مجلس حمده بنت حميد الهاملي، التي أكدت على ما أقدمت عليه نساء المنطقة في ذلك الوقت، من حفر الآبار وتزويد سفن مواسم الغوص بحاجتها للماء، وتبلورت إجابتها حول تساؤل الباحث حول تلك الأعمال: «مع بداية مواسم الغوص كل عام، كانت تصطف على امتداد الميناء الرئيسي (القطعية) وكذلك في ميناء البطين نحو 400 سفينة، وقبل تحرك تلك السفن في رحلاتها البحرية، التي تمتد عادة بين 3 إلى 6 أشهر، كانت تتزود بتموين الرحلة من المواد الغذائية والحطب والمياه»، مضيفةً أن المياه يتم توفيرها للسفن بوساطة مجموعات العمل النسائية المتعددة، تلك التي تعمل في (عقلة الدونية) - منطقة تشتهر بآبار المياه القريبة، الواقعة بين مبنى الحصن القديم وحتى حارة (الدخيلات) حيث بناية عروس البحر اليوم بحسب وصف الباحث- ويذكر الباحث في كتابه تفاصيل المشقة التي واجهت النساء في ذلك الوقت من مثل مغامرة حفر الآبار، حيث تذكر حمده الهاملي، أن المرأة منهن كانت تنزل إلى أسفل البئر وتحفر في قاعه، وحين تنتهي تمد زميلاتها الحبل إليها لتخرج، إلا أنهن عادة ما يواجهن مسألة تكسر البئر، كونه رملي، ما يؤدي إلى مفارقة بعض النسوة الحياة.

وفي مسألة الآبار وجلب المياه، وتحدياتها في الماضي، وصف رجل الأعمال خلف الحبتور أيضاً في كتابة «خلف أحمد الحبتور-السيرة الذاتية»، تلك المعاناة، باعتبار أن الإمارات المتصالحة كانت متشابهة في طبيعة المعيشة والتكوين الاجتماعي، موثقاً ذلك بقوله: «كنا نحفر بأنفسنا آبار المياه بعمق مترين تقريباً، لنسحب منها مياه الشفة (الشرب). وبالطبع كانت هذه المياه فاترة، وقليلة الملوحة، وعكرة تسبح فيها الديدان، وكنا نشربها بعد أن نصيفّها بوساطة (غتراتنا). أذكر أن مذاقها مريع وحتماً لم تكن تمتّ إلى النظافة بصلة، لكننا لم نكترث لذلك حين كنا نعود بها إلى المنزل في صفائح السمن الكبيرة. كانت السعادة تغمرنا لمجرّد التفكير في أننا عثرنا على مياه للشرب، بغض النظر عن طبيعتها». مستعرضاً مدى صعوبات المعيشة في تلك الفترة من عمر المنطقة.

روح الطواويش
رحلة الغوص، والبحث عن اللؤلؤ، رغم كل المفارقات التي واجهت أهل الخليج، تعتبر أهم مرتكز اقتصادي، حقق نمواً نوعياً في المنطقة، تضاءل بوصول إنتاج اللؤلؤ الصناعي، محدثاً الكساد التجاري المعروف، وفعلياً ما جاء ضمن هامش المعرفة التجارية لأهل المنطقة عبر تجارة اللؤلؤ هو المحور اللافت في مناقشة تلك المهنة الأبرز على ساحل بحر أبوظبي بقرب (البيت العود)، فتُجار اللؤلؤ يمثلون معظمهم أعيان البلاد، والداعمين للحكومة في تلك الفترة، وإمكانية حضور حقيبة «طواش البر»، وهو تاجر لؤلؤ رفيع المكانة في المجتمع، ومن تولى عادة منصب القضاء أو الوساطة في النزاعات بأمر الحاكم، إلى مجلس قصر الحصن، أمر ممكن الحدوث، باعتباره الشريان الرئيسي لاستقطاب اجتماعات أهم المعنيين بتسيير شؤون التجارة والأمور القانونية على ساحل الجزيرة، إضافة إلى إمكانية مشاركة ما يطلق عليه «طواش البحر»، في تلك المجالس المهيبة، كونه يتعامل مع (النوخذة) بشكل مباشر في عرض البحر أثناء موسم الغوص، متنقلاً بين سفن صيد اللؤلؤ عبر قارب صغير يطلق عليه اسم «الماشوة».

تلك الحقيبة التي تسكن روح (الطواويش) ببعدها الموسيقى، وقدرتها المتناهية في وصف وضع تلك التجارة الرفيعة، صُنعت من أفضل أنواع الخشب في صناعة السفن وهو «الساج»، حيث يطلق عليها»البشتختة»، وهو صندوق يحفظ فيه اللؤلؤ وأدوات (الطواش)، بينما يحضر «المخمل» وهي الصرة لحفظ اللآلئ، بتساؤلات أهم لماذا فضل تاجر اللؤلؤ أن يكون لون قماش الصرة أحمر؟! إلى جانب الأوزان، والتي يطلق عليها بـ «المثاقيل»، وهي أوزان قياسية معروفة ومتفق عليها من قبل تجار اللؤلؤ، وتكمن الجمالية والدقة، من قبل العاملين في المجال، في صناعتهم لصناديق تحفظ كل الأشياء المتعلقة باللؤلؤ كصندوق «حفظ الميزان»، والذي يحفر عليه عادة اسم صاحبه، إضافة إلى ما يسمى بـ «المغرفة» وتستخدم لغرف حبات اللؤلؤ، وتصنع عادة من النحاس، حيث يؤهلنا التعرف على مسطرة اللؤلؤ المستخدمة في قياس حجم كل لؤلؤة على حدة، الوعي بما تعنيه تلك التجارة من تنظيم متناهي في السمو وقتها، غير معتمد على العشوائيات، بينما شكلت «الطاسة» المصنفة ضمن أحجام متعددة والمثقوبة ضمن أقطار مختلفة، لغربلة اللؤلؤ، تنوعاً لمفهوم الحرص لدى تجار اللؤلؤ، وصولاً إلى قطعة القماش التي يخصصها الطواش ليبسط عليها أدوات عمله عليها، والتأهب لعرض حبة اللؤلؤ.

كل شيء في الغوص كذلك ارتبط بمفهوم التغني، وصوت الرياح التجارية، أو ما يطلق عليها بالريح الموسمية، وهو الاتجاه الذي كانت تسلكه المراكب نحو المحيط الهندي، حيث حملت الرياح الموسمية الشمالية الشرقية، التي كانت تهب ابتداءً من شهر أكتوبر حتى مارس السفن إلى الموانئ الأفريقية في جيبوتي وبربرة ومقديشو ومومباسا وزنجبار، حاملةً جذوع شجر المانجروف الاستوائي (القرم) لاستخدامها في البناء، وبتلك الرياح انطلقت رقصات أشرعة السفينة، وامتداد عمودية «الدقل» أو (الصاري)، مشكلاً «ميل التفر» وهي مؤخرة السفينة و»السكان» و»بيص»، انسيابية الاتجاه، بينما جاءت «البومية» وهي عنق المركب، بالتوازي مع «ميل الصدر» مقدمة السفينة، جمالية التفصيل المعبر عن قوة المركب وطبيعة محمله. لتوثق «البكرة» في الأخير، من تعلب دور تخفف ثقل رفع الأشرعة، مذكرةً إيانا بتلك البكرة المستخدمة في صناعة الأفلام السينمائية، لتعرض لنا وجوه المجدفين على ظهر السفينة، لتبدأ نهماتهم باطلاعك على كل تلك الأسرار والمعاناة ومراحل الصبر الهائلة في رحلات البحر الطويلة والرئيسية.

حكاية التصوير
توثيق صوت «بكرة» السفينة هنا، يعود بنا إلى الصورة الفوتوغرافية وتجسيدها للمكان، وبحسب كتاب « أوائل المصورين في الإمارات العربية المتحدة» لوليام فيسي وجليليان غرانت، أنه بحلول عام 1900 أصبحت منطقة الخليج نشطة، لذلك واجهت كل أنواع التحدي السياسي من فرنسا وألمانيا وروسيا، والدولة العثمانية في ذلك الوقت (تركيا حاليا) وإيران، لذلك فإنه من البديهي أن يكون أول مصور فوتوغرافي في الإمارات آتياً من تلك الدول، وبحسب الباحثين في الكتاب، فإن الأميركي صامويل م. زويمر كان أول من التقط صورة فوتوغرافية، داخل حدود البلاد التي تعرف اليوم بدولة الإمارات، وكانت صورة لقصر الحصن.

من جهة أخرى يوضح الباحثون حضور أنشطة فوتوغرافية قديمة قبل ذلك التاريخ في المنطقة، قائلين: «توجد ثمة تلميحات مثيرة عن أنشطة فوتوغرافية سبقت ذلك التاريخ في منطقة الخليج، وعلى مقربة منه، فبين عامي 1846 و1848 جمع ربان فرنسي يدعى سي. جيلان كماً ضخماً من المعلومات عن تاريخ وجغرافية وتجارة ساحل شرق أفريقيا تم نشرها نحو عام 1856 مع مجلد من اللوحات الليثوغرافية، اعتمد بعضها على التصوير الدغري، وهو أول أنواع الطباعة الفوتوغرافية، ولم تمض سوى فترة وجيزة على رحلات جيلان الاستكشافية، حتى برز اسم رجل فرنسي آخر ألا وهو الرائد إتش.بان حيث ذكرت مجلة «لالوميير» في عددها الصادر بتاريخ أبريل عام 1857، أنه شارك في رحلة فوتوغرافية إلى منطقة الخليج ذاتها».

ويعتقد الباحثون أن الرائد إتش لم يستطع زيارة المشيخات، نظراً للرقابة الصارمة التي كانت تفرضها بريطانيا على دول الساحل المتصالح. وعرض كتاب «أوائل المصورين في الإمارات العربية المتحدة» مجموعة من الصور لنماذج الكاميرات المستخدمة خلال العقدين الأوليين من القرن العشرين، وهي من مجموعة الكاميرات اليدوية المحمولة، تتضمن كاميرا قابلة للطي بمقاس الجيب وكان هذا الطراز بحسب الباحثين سهل الاستعمال، إضافة إلى حضور الكاميرا الفورية البسيطة، التي استخدمها ضابط البحرية البريطاني الرائد إيه.إن. غولد سميث، التقط عبرها صورة لشاطئ الشارقة في نحو الفترة بين 1907 إلى 1909، والتي شجعت العديد من غير المحترفين لاقتنائها كونها لا تحتاج إلى خبرة مسبقة لاستخدامها.
ومن أجمل الصور التي تم التقاطها إبان حكم الشيخ شخبوط بن سلطان هي بورتريه لأحد الصقارين التابعين لسموه، بجانب قصر الحصن في أبوظبي، مقدماً عبر الفوتوغرافيا مشهد البداوة، والعلاقة التاريخية لممارسة الصيد بالصقور، التي شكلت منظومة متطورة نتاج الاهتمام المستمر الذي أولته دولة الإمارات بهذا الموروث وتحديداً خلال حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وعبر كتاب «فَيضُ البَرَاري» للباحث محمد عبدالله الظريف، يطلع القارئ على المعرفة النوعية حول الصقارة وأنواع الطيور من مثل «الشاهين»، وهي الأكثر شيوعاً في المنطقة والجزيرة العربية ككل، ويذكر الباحث أهم مميزاته بقوله: «عرف عن الشاهين أنه أسرع الطيور قاطبة، إذ تبلغ سرعة انقضاضه نحو 220 كيلو متر في الساعة، وهو سريع الألفة، كثير الصيد سهل التدريب، رغم أنه قليل التحمل، سريع عطب الريش، إلا أنه جيد وفعال إذا ما أحسن تدريبه وتضريته».
وفي موضوعة العلاقة الإنسانية بطائر الصيد وعمقها، يذكر الكتاب تفاصيل كثيرة في الذاكرة والموروث المحلي، ومن بين تلك القصص مرور شاعر بجانب سيارة احتجز صاحبها صقره في قبة السيارة والنوافذ الزجاجية مغلقة عليها وهو يلهث من شدة الحر وساءه ما رأى، فنظم قصيدة يرثي فيها حال الصقر، الذي وقع بيد شخص لا يحسن التعامل مع عُرف الصقارة، في أهمية الاهتمام والاعتناء الصحي بالطائر، قائلاً:

«يا طير ما حدّك نصيبك على خير

وراك مسجون بوسط الغمارة

حسبي على اللي عزروا فيك تعزير
تتفه ويصلاك الحديد بحرارة

ما للغشيم من الولع غير تدمير
دايم عمارة صاير في دمارة

يا ناقلين الطير من غير تبصير
حصليكم منه التعب والخسارة،

أوفوا حقوق الطير وإلا اترك الطير..
لا تظلمونه يا جداد الصقارة».


مياه الشفة
يقول خلف الحبتور في كتابه: «خلف الحبتور السيرة الذاتية»: كنا نحفر بأنفسنا آبار المياه بعمق مترين تقريباً، لنسحب منها مياه الشفة (الشرب). وبالطبع كانت هذه المياه فاترة، وقليلة الملوحة، وعكرة تسبح فيها الديدان، وكنا نشربها بعد أن نصيفّها بواسطة (غتراتنا). أذكر أن مذاقها مريع وحتماً لم تكن تمتّ إلى النظافة بصلة، لكننا لم نكترث لذل ك حين كنا نعود بها إلى المنزل في صفائح السمن الكبيرة. كانت السعادة تغمرنا لمجرّد التفكير في أننا عثرنا على مياه للشرب، بغض النظر عن طبيعتها.

اقرأ أيضا