صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الفراشة التي لم تقل: لو..

أثر الفراشة لا يزول

أثر الفراشة لا يزول

كانت تلك هي المرة الأولى التي حرّكتُ فيها أحد جناحيّ، عندما تسللَ خيطٌ من الضوء ناشرًا المدى على مرأى البصر إلى نصفين، نصفٌ يشتبكُ بي، وآخر يبقيني على مسافة! (1)
«النساء اللاتي يبدين زينتهن في كل المواسم كفراشات الربيع يحترقن أولاً»، تردّد أمي تلك العبارة كترنيمة أسبوعية ألِفَتها أذناي قبل أن تغمسَ جديلتي في زيت الزيتون المخلوط بالكاز متابعة طقسها الأسبوعي بصبرٍ وأناة، داعية الله أن تزورنا «فراشة المنزل»، حاملةً البشرى وزارعة البركة والفرح في جنبات هذا البيت الذي بخِلَ عليها بالولد، لعلهُ يأتيها بالصِّهر. تقفُ ليلاً في صلاة خاشعة ترتقي بها سُلَّماً إلى الجنة، تطمئن على موقعها تحت عرش الرحمن ثم تعودُ باحثةً عن زادها من الحسنات، كأنها تقلِّبُ حساءً أوشك على النضج، تُتمْتِمْ: «بارِك، بارِك يا ربّ»، ثم تمسحُ على رأسي وتلفِّعني ببطانيتها لتنامَ على بَردِ الانتظار.
التقتْ أعيننا، وحدَثَ أن عَصَفَ بنا «أثرُ الفراشة» (2). هل كنتُ أعلمُ أن الفراشات تقطعُ آلاف الأميال بحثا عن الدفء؟! هل حدّثني أحدهم عن شرنقة يودّ لو يدفنني فيها إلى أن تحلّ مواسم تُنبتُ في بطون النساء الخصبَ وبذورَ الرجال؟! سعيدةً بجناحين طريين، لهما حصةٌ وافرة من غبار الجنيات السحري الذي سيحملني بعيداً إلى أرضي أنا لا أرض بيتر بان، حيث أُزَفّ دون حاجة إلى تصريح عبور، وأبدّل في الليلة خمسة أثواب، لكلٍّ منها حكايته وبَرَكته، تحُفّني المهاهاة والزغاريد، تنشرُ في قلبي السكينة وأنا أودّع دارا لأعمِّر أخرى اسمها الوطن:
تستاهلي يا دارنا.... حنّه وحنّي إيديا
ياللي لميّتِ شِمِلنا.... والخَيّ معَ الخيّه
تستاهلي يا دارنا.... حِنّه ونَقشِ جْديدِ
يا اللي لميتِ شمِلنا..... على ليالي العيدِ
تستاهلي يا دارنا.... حنّه وحَنّي بْوَابِك
ياللي لميتِ شملنا.... وأجو عليكِ صْحابك(3)

... ثم يتبخر كل ذلك في لحظة، تنطلق فيها رصاصة رصدت مسارها عينٌ ماكرة، فتشل الذاكرة، وتكبّل الروح.

ساقٌ تعدو.. لا تطير
لعل اسمها كان مريم، سعاد، عائشة، أو ربما هند، زينب، رحمة.. لا، لا أظن أن اسمها كان رحمة، أفكّرُ في اسم مناسب لتجرّع مرارة الحكاية فيما صوت أمي يتسلل إلى أذنيّ في خضوع: «لمحتُ ساقها متدلية من النعش، وقد انحسر عنها الكفن، إذ ذاك صاحت إحدى العجائز: «شوفِنْ! هذا مصير من تمرّغ شرف عائلتها في التراب»، بلعنا ريقنا ثم تابعنا ملء الجرار من (الطرُمبه) (4) متحاشيات النظر إلى بضع رجال يحملون نعشها كمَن يحمل أوزارا». كانت تلك هي قصة الفتاة التي زكمت رائحة فضيحتها أنفي، وما زلتُ أتساءل إلى اليوم عما فعلته، ما الأثر الذي أحدثته وزلزل المخيم من ورائها!
هل يغفر الله لأولئكَ الآثمات اللاتي كفَرنَ بالحائط وشققنَ ظُهورهنّ لتنبتَ لهُنّ أجنحة تحملهُنّ بعيدا؟! دعوتُ لها ليل نهار، غسلتُ ذنوبها بكل أنواع المطهرات، وأضفتُ لها مساحيق الدعوات لعل الله يحمل رماد عظامها إلى الجنة. تتساءل طفلتي: أمي، أعلينا أن نخاف الله كيلا يدخلنا النار؟ أمسّد يدها: ومن أخبرك بذلك؟ صديقي عبدالله! آه، يا حبيبتي.. إنْ أحببنا الله حق محبته فسيدخلنا الجنة، المحبة.. هذا كل ما نحتاجه. أتحبين الله؟ أحبيه.. فتدخليها!
وهي، هل أحبّته! أم خافتْ منه! أولئكَ الذين منعوها عن حريتها، عما هو أكثر من حريتها (5)، احتلّوها، استباحوا جسدها، ثم ألقوه وأهالوا عليه تراب خطاياهم، بصقوا على شاهد قبرها، ومَضَوا، لتعيش أمها تلعنُ فراش الدار وتهشّهُ هشًا عن رأس الباقيات.

الفَراش لا يموت.. بل يحترق
وفي ذلك فرق جوهري، فالموت عام وبديهي لا يكترثُ بالنهايات، يأتيك على أي حال، أما الاحتراق فهو موتٌ منتصر، تستقبله بكل جوارحك، تفتح له جناحيك على اتساعهما، وتطير إليه، مدركا أنك ستموت راضيا، دافئا، رائعا:
«صبوت إليك منذ يقظة وعيي الدويدي الأول، ولم أحلم إلا بك حين كنت شرنقة. وغالبا ما يهلك عشرات الآلاف من أترابي عند تحليقهم نحو ألق ضئيل ينبعث منك. ما هي إلا ساعة أخرى حتى يصبح وجودي الضعيف ملغيا. ولكن لن يكون لجهدي الأخير من هدف آخر، كما هي رغبتي الأولى سوى الاقتراب من مجدك، فإني بعد أن تبيّنت في لحظة من النشوة، بأني سأموت راضية، طالما أنني استطعت ولو مرةً واحدة أن أتأمّل الجمال والحرارة والحياة في روعتكَ الكاملة»(6).

مسحوق الرياح
تسحقُ جناحَي فراشة بيديكَ، فيتناثرُ غبارهما مسافرا على بساط الرياح، آه لو أن سلام اليدين يماثل ذلك! أكنتُ سأبحثُ عن عِناق! التحام بما هو حارق ودافئ ومبدد للسكينة! تغزوك آلاف الذرات من أجنحة الفَراش المسحوق العابر للمسافات، ما يلبث كل ذلك أن يتحول إلى عاصفة، انتقام الطبيعة التي أمعَنْتَ في تعذيب رُسُلها الطيبين ونكلّتَ بجثثهم. وحدها في القبر، ترسل سلاما، تعبثُ بخصلة شعرٍ نسيها عمّال الشرف وهم يكنسون الواقعة. شعرها الطويل كنهر، تغتسل منه صبايا المخيم، تهبّ رياحها عليهنّ، وريحها عليهم. وأنا أسجل كل ذلك، وهي تهز رأسها، أمي تنسى الحكاية، ثم تتذكرها وتأسى: «ضاعتْ الأرض يوم ضيعوهِنّ»، تبحثُ: لعلّ شرنقةً هنا، نظفي زوايا الجدران برفق! سيزوروننا قريبا، أجل، يزورون، تضحكين! يا ويل حالي!» ونرحل، ثم لا نلبثُ أن نحترق، فطين البلاد لم يعد يصلح زينة لخدود المغتربين (7)!

عنقاء أم فَراشة!
تخرجُ العنقاء من تحت الرماد، تمشطُ الأرض وتُغرِقُ كلّ ما يمر عليه جناحاها العظيمان في ظلام دامس، تتباهى بروحها الثائرة، وقدرتها على التحرر، إنها الأسطورية التي ألهمتنا جميعا، لم تكن في حاجة إلى أثر، كبرياؤها جعلها تنسى – في خضم ذلك – كيف وُلد جناحٌ آخر من بقايا الرماد، كانت فراشة!
أمام شمعة مضاءة وكاتبٍ صبور، شعرتْ الفراشة بوحدَةٍ أقل (8)، تحررتْ من أعباء رمادها الأسطوري، وحلّقت بجناحين طريين لا ظلّ لهما، تلوِّنها الحقول وتلعقُ الأزهار أطرافها، فتتكاثر، يُطربها غُوته منشداً: وطالما أنتَ لم تفهم، هذا: «مت، وطر!، فما أنت سوى طين مظلم، على الأرض المعتمة». ويحدث أن تطير البنات – كل البنات – فلا يبقى منهنّ أثر في البلاد التي أعتَمتْ، إلا ظلها، وخيمة.

ولكنه أثري أنا
بطريقة ما، يحدث أن ينسى، أثرا لا يُرى، يخبئ المعنى في معطفه، وهذا البلد لا مطر فيه ولا حقول ولا أسراب فراش. يزوره في المنام طيفها، وقصيدةٌ طويتها في الجيب نسيَ نصفها. أذكّرهُ: اقرأ عليّ ما ألهَمَتهُ لكَ حكايتي، فيقرأ، ثم يبكي، فأرحلُ، لا أصافحُ، بيني وبينه رجال وبنادق، وأرضٌ وخيول، وحربٌ لا يخوضها أحدٌ تعجنها النساء مع خبزٍ لا يحِنّ لهُ أحد:
أَثرُ الفراشة
أَثر الفراشة لا يُرَى
أَثر الفراشة لا يزولُ
***
هو جاذبيّةُ غامضٍ
يستدرج المعنى، ويرحلُ
حين يتَّضحُ السبيلُ
***
هو خفَّةُ الأبديِّ في اليوميّ
أشواقٌ إلى أَعلى
وإشراقٌ جميلُ
***
هو شامَةٌ في الضوء تومئ
حين يرشدنا إلى الكلماتِ
باطننا الدليلُ
*****
هو مثل أُغنية تحاولُ
أن تقول، وتكتفي
بالاقتباس من الظلالِ
ولا تقولُ…
****
أَثرُ الفراشة لا يُرَى
أُثرُ الفراشة لا يزولُ ! (9)

1 - «إننا نعيش مشتبكين تماماً ولكن على مسافة!»، محمد الأشعري، القوس والفراشة.
2- في العالم 1963 قدم عالم الرياضيات الاميركي ادوارد لورنز رسالة دكتوراه بعنوان «تأثير الفراشة» قال فيها إن الفراشة عندما تحرك جناحيها تحرك آلاف الذرات، تلك الذرات تحرك آلافاً أخرى من الذرات ويتتابع تحريك الذرات حتى إن حركة جناحي فراشة في أميركا قد تحدث إعصارا في اليابان. النظرية لم يتبنها العلم حتى منتصف التسعينات. وهي نظرية التأثير الذي ينجم عن حدث أول، قد يكون بسيطاً في حد ذاته، لكنه يولد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية والتي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد.
3- تاريخ ما لم يذكره التاريخ، دراسة ميدانية في التراث الشعبي الفلسطيني، جمال بنوره، مكتبة كل شيء، الطبعة الأولى 2016، ص78.
4- اصطلاح محلي يطلق على صنابير المياه العامة في المخيمات الفلسطينية.
5- «وأعتقد وأؤمن بالحرية وبحق الإنسان أن يصبح هو ذاته، ويقاوم كل أولئك الذين يحاولون أن يمنعوه من ذلك. فالحرية هي أكثر من وجود قمع وحشي. إنها أكثر من الحرية «من»، إنها الحرية «إلى»، الحرية أن يصبح الإنسان مستقلاً، وأن يكون كثيراً بدلاً من أن يملك كثيراً أو يسخر أشياء وبشراً لأغراضه». إيريش فروم، ما وراء الأوهام، دار الحوار.
6- قصيدة «غناء العثّة» يونغ للسيدة ميلر المصابة بالشيزوفرينيا.
7- «من طينة بْلادَك لَيّس عَ خْدادَكْ»، مثل فلسطيني يمدح الزواج من بنت العشيرة الواحدة أو البلد.
8- يقول لشتنبرغ: إن الإنسان بحاجة إلى الصحبة، حتى أنه وهو حالم بعزلته، يشعر بوحدته، أقل، أمام الشمعة المضاءة.
9- أثر الفراشة، محمود درويش.

شرف!
لعل اسمها كان مريم، سعاد، عائشة، أو ربما هند، زينب، رحمة.. لا، لا أظن أن اسمها كان رحمة، أفكّرُ في اسم مناسب لتجرّع مرارة الحكاية فيما صوت أمي يتسلل إلى أذنيّ في خضوع: «لمحتُ ساقها متدلية من النعش، وقد انحسر عنها الكفن، إذ ذاك صاحت إحدى العجائز: «شوفِنْ! هذا مصير من تمرّغ شرف عائلتها في التراب»، بلعنا ريقنا ثم تابعنا ملء الجرار من (الطرُمبة) متحاشيات النظر إلى بضع رجال يحملون نعشها كمَن يحمل أوزارا». كانت تلك هي قصة الفتاة التي زكمت رائحة فضيحتها أنفي، وما زلتُ أتساءل إلى اليوم عما فعلته، ما الأثر الذي أحدثته وزلزل المخيم من ورائها!.