مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

المبنى المهيب..

لقطة من الجو للحصن في خمسينيات القرن الماضي (أرشيفية)

لقطة من الجو للحصن في خمسينيات القرن الماضي (أرشيفية)

لا يمكن للمتفحص والقارئ لتفاصيل البناء الخارجي وتوزيع المرافق الداخلية في قصر الحصن بأبوظبي سوى أن يبتكر مساحة من التأمل والتبصّر القادرة على إضفاء الهيبة والأهمية على هذا المعلم التاريخي ذي الخصوصية البالغة في تجسيد معنى الحماية والاستقرار.

لم تكن الحماية التي يمثلها الحصن ببعديها الوظيفي والسيكولوجي قاصرة على المقيمين داخل أسوار الحصن فقط، بل كانت تشمل أيضا المحيطين بالحصن من أهالي أبوظبي والمناطق التابعة لها قبل أكثر من 250 عاما من الآن، إنها الحماية الممتدة من منظور عشائري وقبلي، ويعززها حسّ الولاء والانتماء لنواة وطن كان يتشكّل مثل جزيرة خضراء وزاهية وسط عواصف وتقلبات الزمن والأحداث في العام 1760 كتاريخ تقريبي رجحته الوثائق المختلفة وكتابات الرحالة والمستشرقين.

من هنا فإن التصور المعماري الأولي لهذا المبنى المهيب جاء كترجمة لرغبة الحاكم الأول للإمارة آنذاك، الشيخ ذياب بن عيسى بأن يتحول مكان الحصن من خلال شكله التمهيدي المتمثل في القلعة الدائرية إلى ما يشبه المركز أو البؤرة لتمثل نقطة جذب والتقاء وتجمع في ما يشبه الحاضرة الجديدة المطلة على البحر، وعلى طبيعة الحياة الجديدة والممارسات اليومية للسكان والمهنيين من صيادين وتجار و»غاصة» باحثين عن ذهبهم الأبيض النفيس أو «اللؤلؤ» في مواسمه المعروفة، وذلك بعد خبرة طويلة ومعمقة في التعامل مع أجواء الصحراء والواحات في مناطق شغلها شيوخ آل بوفلاح طويلاً كما في منطقتي ليوا والعين.

القلعة العالية

ساهمت القلعة أيضا من خلال علوها المتجاوز لبيوت الطين المتناثرة وعرشان «البرستي» المحاذية للبحر، في منح المراقب من على سطحها نظرة بانورامية شاملة للساحل بما يحويه من سفن شراعية ومن حراك للغرباء والمقيمين من صيادين وغواصين ومسافرين، ومن الجهة المقابلة كانت القلعة تكشف للمراقب حركة الركبان والقوافل المغادرة، وتلك القادمة من الصحراء والمناطق الداخلية التابعة لأبوظبي، بالإضافة إلى أن اختيار الشيخ ذياب الأول لهذه البقعة بالذات جاء بعد اكتشافه لنبع متدفق بمياهه العذبة والنادرة، وكان هذا النبع أو البئر بمثابة هبه إلهية وكنز طبيعي لا يمكن التفريط به، خصوصا أنه يقع وسط امتداد جغرافي قاحل وتربة مالحة لا تهيئ فرصا مثاليا لتكوين مجتمع مستقر وقابل للامتداد والتوسّع.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود من تشييد القلعة وبالتحديد في العام 1793 تكفّل الشيخ شخبوط بن ذياب ببناء حصن منيع وبمساحة كبيرة ضمت على أطرافها قلاعا إضافية وبتصميم هندسي أقرب إلى الشكل المستطيل، ويتوسّطه باب خشبي سميك وعال يسمح بدخول الضيوف والزوار والوفود القادمة إلى الحصن.
وخلال أكثر من مائتي عام تناوب حكام أبوظبي بعد فترة حكم الشيخ شخبوط بن ذياب في توسيع مرافق الحصن من غرف واستراحات ونقاط حراسة ومراكز إدارية، تبعا للتطورات السياسية والاقتصادية والمعيشية في المنطقة والتي أفرزها التنافس الشرس بين القوى الدولية الكبرى آنذاك وعلى رأسها بريطانيا من أجل الهيمنة على طرق وخطوط الملاحة البحرية في الخليج العربي، وعقد اتفاقات وتحالفات مع شيوخ المنطقة لتأمين هذه الخطوط التجارية والعسكرية الهامة.

حصن داخل حصن
تحول المبنى في العام 1939 وعلى يد الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه إلى ما يشبه الحصن داخل الحصن، حيث تمت إضافة أسوار وقلاع خارجية جديدة، أمّنت للمبنى دفاعا مزدوجا ومساحة أكبر، وجاءت هذه التوسعات وخصوصا في الأجنحة الجنوبية والشرقية بعد توقيع الشيخ شخبوط على امتياز التنقيب الجيولوجي واستغلال النفط في الإمارات المتصالحة، على إثر الانتكاسات الاقتصادية التي عانى منها سكان أبوظبي والمنطقة عموما في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وزاد من أثر هذه الانتكاسة ضمور تجارة اللؤلؤ الطبيعي بعد اكتشاف تقنية زراعة اللؤلؤ في اليابان.

ورغم تأثر شكل البناء والتصميم العام للحصن، بالمواصفات الهندسية والمعمارية القديمة للصروح التاريخية في المناطق المجاورة، كنتيجة لتراكم معرفي استفادت منه الحضارة الإسلامية، وخرجت بتصميمات زخرفية تغلب عليها البساطة والتجريد، إلاّ أن الملاحظ على المقر الذي احتضن الأسر الحاكمة في إمارة أبوظبي، أنه جمع بين مسمى «القصر» و»الحصن»، وذلك بعد اكتمال شكله النهائي في أواسط القرن العشرين، وقبل أن يقرر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، في العام 1966 تحويل القصر إلى مقر سياسي فقط ثم إلى مركز للبحوث والوثائق.
أما قبل ذلك فإن اختيار مسمى القصر جاء لحفظ الخصوصية العائلية للأسرة الحاكمة في المبني الأصلي، بينما جاءت التوسعات الجديدة التي اقترحها الشيخ شخبوط بن سلطان لتحتفظ بالقيمة السياسية والعسكرية للمبنى، وهذا المزج بين البناء الخاص وبين البناء العمومي، كان من المميزات الفريدة التي تمتع بها قصر الحصن، ومن هنا أيضا تنوعت شكل القلاع على السور الخارجي والداخلي معا، فوجدنا القلاع الدائرية مشيدة من الطين والحجر القاسي الذي يرجح نقله من المناطق الجبلية البعيدة أو بوسائط نقل بحرية، بينما اعتمدت القلاع المربعة على الحجارة اللدنة المنقولة من قاع البحر ومن الساحل القريب، وهي حجارة مساميّة تمنح القلعة نوعا من البرودة في مواسم الصيف، ولذلك يمكن ملاحظة إحدى القلاع في زاوية الحصن والتي تبدو أقرب في تصميمها المعماري من البناء التراثي التقليدي المعروف بـ»البارجيل» والذي يسمح بمرور الهواء من خلال ملاقط علوية خاصة يستظل تحتها الضيوف وسكان الحصن.
ويرتبط هذا الشكل الجمالي للقلاع في قصر الحصن بما ذكره ابن منظور في كتابه لسان العرب عندما عرّف «القلعة» بأنها: الحصن الممتنع في جبل، بينما يرد تعريف «الحصن» مستقلا في المعاجم التاريخية على أنه أكبر عمائر الاستحكامات الحربية، وهو كل بناء يحيط بمساحة من الأرض ليحميها ويحصنها، ضد أي اعتداء من داخل البلاد أو من خارجها، ومن ثم فإن أسوار المدن كانت تعرف في العصور الوسطى باسم (الحصون)، مثل: أسوار بغداد والقيروان والمدينة المنورة ودمشق، والدرعية وغيرها من المدن.

تميز معماري
يتمتّع قصر الحصن بأبوظبي بتفاصيل معمارية مميزة، تجعله واحدا من أهم الحصون في الدولة، من حيث اتساعه وثراء الأبعاد الهندسية فيه بالمقارنة مع باحته الكبيرة وتعدد المباني الفرعية في داخله، ما يحقق له الأهمية من حيث قيمته ومكانته الرئيسية مقارنة بالحصون الأخرى على طول الساحل الإماراتي.

وكما تشير الباحثة فراوكه هيرد باي التي عملت في قسم الوثائق بالحصن في العام 1969 فإن النوافذ الداخلية للمبنى كانت مصممة بطريقة خاصة يستفيد منها الشخص الجالس على الأرض، لأنها تسمح بمرور الضوء والهواء في المناطق القريبة من الحوائط الداخلية التي يتكئ عليها الشخص الجالس عموما.
ويوضح ناصر العبودي الباحث في شؤون التراث والآثار، أن قصر الحصن ومن خلال دراسته لتاريخ الحصون في الإمارات، يفصح عن استقلاليته المعمارية وهندسته الفريدة، وأنه استشف هذه الفرادة مقارنة بالمواد الأساسية التي قام عليها هذه البناء، والذي رأى أنه بني في فترة متقاربة ومتزامنة مع فترة بناء برج المقطع في أبوظبي، لأنه بناء اعتمد على الصخور البحرية المرجانية، وعلى المقالع الحجرية القريبة من الحصن، ويرى العبودي أن قصر الحصن بني على مراحل متفاوتة، حيث تكوّن أولاً من برج واحد وبنمط معماري خاص، ثم أضيفت له أبراج أخرى اسطوانية الشكل في أطرافه وتم وصلها بجدران عالية حتى تحول إلى حصن ثم إلى قصر ومقر لحكام وشيوخ أبوظبي الذين تعاقبوا على إدارته خلال الفترات التاريخية الماضية.
ويشير العبّودي إلى أن اتساع وتطوير الحصن لاحقاً، جاء موازيا للاتساع الذي شهدته مدينة أبوظبي وازدياد عدد سكانها، وتحولها إلى نقطة استيطان واستقطاب، ومركز جذب وثقل إداري وسياسي تتبعه الحواضر والمدن البعيدة، كالعين والمناطق الغربية والمناطق الساحلية الشهيرة بصيد السمك والبحث عن اللؤلؤ والمتصلة بالإمارة وبكيانها الإداري المتمثل في الحاكم ومساعديه من المستشارين في شؤون الأمن والقضاء والنواحي الاجتماعية الأخرى.


نوافذ
الضوء
النوافذ الداخلية للمبنى مصممة بطريقة خاصة يستفيد منها الشخص الجالس على الأرض لأنها تسمح بمرور الضوء والهواء في المناطق القريبة من الحوائط الداخلية.

فراوكه هيرد باي


استقلالية معمارية
قصر الحصن يفصح عن استقلاليته المعمارية وهندسته الفريدة وقد بدأ برجاً واحداً ثم أضيفت له أبراج أخرى اسطوانية الشكل في أطرافه وتم وصلها بجدران عالية حتى تحول إلى حصن.

ناصر العبودي


حصن منيع
يرتبط الشكل الجمالي للقلاع في قصر الحصن بما ذكره ابن منظور في كتابه لسان العرب عندما عرّف «القلعة» بأنها: الحصن الممتنع في جبل، وجمعها قِلاعٌ وقِلَعٌ وقَلُوعٌ؛ والقلْعة بسكون اللام هي الحصن المشرف، وقد جاء تعريفها في الموسوعة العربية العالمية بأنها: حصن منيع يشيد في موقع يصعب الوصول إليه، وغالباً ما يكون مشيداً على قمة جبل أو مشرفاً على بحر، وقد وجد بعضها قائماً على أرض منبسطة، وكانت القلاع والحصون عند العرب وغيرهم تؤدي دور البيت، بما تحتوي عليه من غذاء وماء ومستلزمات العيش والدفاع لساكنيها.


بؤرة
إن التصور المعماري الأولي لهذا المبنى المهيب جاء ترجمة لرغبة الحاكم الأول للإمارة آنذاك، الشيخ ذياب بن عيسى بأن يتحول مكان الحصن من خلال شكله التمهيدي المتمثل في القلعة الدائرية إلى ما يشبه المركز أو البؤرة لتمثل نقطة جذب والتقاء وتجمع في ما يشبه الحاضرة الجديدة المطلة على البحر، وعلى طبيعة الحياة الجديدة والممارسات اليومية للسكان.

اقرأ أيضا