مهرجان قصر الحصن

الاتحاد

المجمع الثقافي.. عودة الروح

المجمع الثقافي.. أيقونة ثقافية

المجمع الثقافي.. أيقونة ثقافية

يمثل المجمع الثقافي بالنسبة للمبدعين الإماراتيين مرحلة ثقافية جميلة تحتل مكانة واسعة لها في ذاكرتهم وذاكرة أبوظبي خاصة والإمارات عامة. بل إن للمجمع حضوراً عربياً وعالمياً في سياق مشروعات ثقافية كان في وقته رائداً فيها، وسباقاً إليها، أو شريكاً فاعلاً في إنجازها مع مؤسسات ثقافية أخرى. كان المجمع الثقافي حاضنة ثقافية، إبداعية، لكل المبدعين الإماراتيين والعرب والأجانب، وكان منفتحاً على أشكال الإبداع كلها، وفي أجندته مكان لكل فئات المجتمع وشرائحه رجالاً ونساء وأطفالاً، وربما لهذا السبب تمكن من استقطاب الفاعليات المجتمعية، وترك أثراً واضحاً في ذاكرة الجميع.


اليوم، يعود المجمع الثقافي، مع مهرجان قصر الحصن، ليمارس دوره الثقافي المهم، ويسهم بنصيبه في الحياة الثقافية، لا سيما أن المكان كله بات يعج بالنشاط الثقافي والفعاليات المتنوعة التي ينطوي عليها المهرجان.

وتعمل «هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة» حالياً على ترميم وصيانة مبنى المجمع الثقافي، مع التركيز بشكل أساسي على إعادة إحياء الذاكرة التاريخية الجماعية المرتبطة به... فهل يعيد مهرجان قصر الحصن الحياة من جديد لهذا الصرح والمركز الثقافي المهم الذي طالما مثل منارة ثقافية ونقطة إشعاع مهمة ألقت بظلالها على المشهد الثقافي؟
عن المجمع الثقافي وما قدمه للمشهد محلياً وعربياً ودولياً وما ينتظر منه في المستقبل كان هذا الاستطلاع مع مبدعين ومثقفين إماراتيين وعرب.

ميسون القاسمي:

تجربة جديرة بالتقدير

الروائية والشاعرة الإماراتية ميسون صقر القاسمي كانت لها تجربة مهمة مع المجمع الثقافي من خلال العمل فيه لسنوات، تقول: إن أي عمل ثقافي مهم وجاد هو عمل تنويري ضد ظلامية الأفكار ومحاولة أن تنهض الأمة من غفوة تجرها للعنف والاستبداد. نحن بحاجة ماسة لكل عمل يصب في محاولة انتشالنا من هوة ما نحن – كعرب – فيه، وأن نلحق بما هو قادر على خروجنا من أزمات العنف.

وأضافت القاسمي: كانت تجربة المجمع السابقة تجربة جديرة بالنظر إليها من موضع التقدير والاهتمام نظراً لما تركته في عقول وقلوب وذاكرات من عايشوها خاصة من الأطفال. نحن نعلم بأن السينما، مثلاً، نشأت في أحضان المجمع الثقافي، في الوقت الذي كانت فيه بضع من دور للسينما في المدينة تعرض أفلاما هندية ولا يذهب إليها إلا قليل من المقيمين.. كما كان لمهرجان الأطفال اثره خاصة مع خروجه من نمط المركزية داخل جدران المكان إلى فساحته وتماهيه في فكرة أعمق وأكبر للمكان ولحركتهم وتفاعلهم معه.
وكما كان مهرجان السينما وإنتاج الكتب وإنشاء جماعات المسرح والفن والقراءة وما يدور حول كل ذلك من نقاش وحركة وتفاعل، فإن ذلك يجعل انخراط كل منا في فكرة النهوض لا الانكفاء وفكرة التطور لا الانغماس في التقوقع، أقصد بذلك أن ما هو قابل للتفاعل مع المجتمع خارجه وما يؤثر فيه من قيم أساسية منفتحة، لكن حين يعود إلينا لا بد أن يكون على قدر من التفاعل والتنافس مع كثير من الأنشطة والمهرجانات والأنشطة القائمة من أماكن أخرى كثيرة، وأن يكون في حسبان من يعملون عليه أن الزمن مختلف والرؤية مختلفة، وأن عليهم أن يكونوا بحجم ذلك التنافس فالوقت مختلف ونسبة التطور والتفاعل مختلفة. ما يهم جذب الانتباه وخلق ما هو تنافسي مع الأنشطة القائمة بالفعل وأن لا ينغلق على جدرانه فقط بل يخرج من فكرة الأنشطة إلى فكرة خلق ومساندة الأنشطة الأخرى للعمل والتشارك فيه.
وخلصت إلى القول: كمثقفة يهمني أن تنشأ بؤر كثيرة وعميقة في كل أرجاء المكان هنا، وكمحبة للمجمع يهمني أن يعود لا كسابق عهده فقط ولكن كما لو أنه مؤثر قوي في وجدان المثقفين والمجتمع والأطفال كي ننشئ بهم مجتمعاً قادراً على مواجهة ما يتستر وراء أفكار العنف والتشتت والتشرذم والانقسام. نحن بحاجة لكل شبر وكل لحظة وكل فكرة نستطيع بها أن نعبر من هذا المضيق.

السعد المنهالي: مكوّن رئيس
وتعلق الكاتبة السعد المنهالي: «هذا المبنى مكون ثقافي رئيس لجيلنا، لماذا لا يظل مكتبة وطنية ومسرحاً؟ لقد كان طوال العقود الماضية صرحاً ثقافياً وحضارياً لكل أهل الإمارة وزوارها، ومن حق الأجيال أن يبقى لهم شاهداً على من سبقهم».

من ناحيته، يقول الإعلامي محمد المرزوقي، إن مدينة أبوظبي تتقدم وبخطوات ضخمة في مجال الثقافة، فالنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها أبوظبي من إنشاء متاحف وجامعات وحركة ثقافية وفنية متميزة تؤكد الاهتمام بالشأن الثقافي.

حبيب غلوم: فضاء إبداعي
يؤكد المسرحي حبيب غلوم مدير الشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أن المجمع الثقافي وصل إلى مرحلة نضج فكري وفني، وكان فضاء للمبدعين الإماراتيين والمقيمين ومن الضيوف من كل مكان من العالم، وكان فيه خاصية عجيبة، فهو مكان يشعرك بهالة من الأمان والاطمئنان، وكنا نسعى للمشاركة في فعالياته بكل حب وشغف، وكانت مكتبته العامة تعج بالقراء والباحثين، كما لم يحصل في مكتبة أخرى بالإمارات.

من وقف على خشبة مسرح المجمع من المبدعين والفنانين والشعراء والباحثين لا بد أن يشعر بنور المكان، وإننا جد مبتهجين لخبر عودته إلى النشاط من جديد، ونتمنى أن يعود مع إضافات مهمة من شأنها أن ترسخ إشعاع أبوظبي كعاصمة ثقافية متميزة، وأنصح بإيجاد خطة خمسية ودراسة شاملة من خلال فعاليات مختلفة، واستضافة أسماء مرموقة في حقول الإبداع كافة لتعيد للمكان أمجاده، فهذا المكان كان حكاية جميلة.

حارب الظاهري: إنجاز ثمين
المجمع الثقافي حقق الكثير من المنجز الثقافي ليس لأبوظبي وحسب، وإنما لدولة الإمارات. ولا يمكن إلا أن يثمن المرء دوره ونشاطه في الحياة الثقافية لما يقارب عقدين من الزمن.. وحين توقف منذ سنوات توقفت معه أنشطة كثيرة مهمة. أتصور أن عودة المجمع الثقافي بحاجة إلى مثقف حقيقي أولاً يضع ملامح الفترة القادمة، وأن يستقطب من المثقفين من هم على دراية بالعمل الثقافي.

أبوالريش: منارة ثقافية
علي أبو الريش الكاتب والإعلامي الإماراتي، قال: المجمع الثقافي يمثل منارة ثقافية في الإمارات، واستطاع طوال سنوات نشاطه أن يحمل صوت الإمارات إلى العالم ثقافياً، حيث كان وعاء جيداً لالتفاف جل المبدعين والمثقفين في الوطن العربي، وائتلفت في قاعاته كوكبة من كبار المبدعين العرب والعالميين؛ لذلك ينتظر اليوم من هذا المجمع مضاعفة الجهد الثقافي ليواكب حركة التطور التي تشهدها الإمارات على جميع الصعد.

مريم الساعدي: عودة جميلة
الكاتبة والإعلامية مريم الساعدي ترى أن عودة المجمع الثقافي ليمارس دوره السابق كبقعة تنوير، فكرة جميلة جداً، يجب أن يكون لكل مدينة راقيه وحضارية وتهتم بتغذية الجانب الحضاري للمجتمع مركز ثقافي محدد وواضح ومتكامل تدار فيه أنشطة وفعاليات ثقافية مختلفه، فيجد الفرد وجهة دائمة يتجه إليها كلما عنّ له الخروج لإحياء خلايا فكره، ويجد الزائر والسائح مكاناً يرى فيه المدينة في بُعدها الثقافي الأمثل، فيدرك أن لهذه المدينة توجه إنساني وخطاب حضاري تحدد به هويتها وتتوجه به إلى العالم. نحن في أمس الحاجة في هذه الفترة من الزمن لإيجاد منافذ جديده وإحياء المنافذ القديمة لكل ما من شأنه أن يبرز دور الفن والأدب والثقافة بمفهومها الشامل. نحن بالتأكيد بحاجة لوجهة ثقافية حيويه ثريه قوية تنشط على مدار العام فتكون رئة المدينة ومتنفس الإنسان يتذكر في أرجائها أن الإنسان أصله «مفكر»، وأن للروح أماكن تستعيد فيها السكينة والسلام.

ومثلما تهتم المدن بتوفير مصابيح الشوارع لإضاءة المكان يجب الاهتمام بإحياء منابر الثقافة فهي مصابيح إنارة أيضاً.

إيمان محمد: رئتنا الثقافية
إيمان محمد الإعلامية والشاعرة الإماراتية أكدت أن هناك قصة حب قديمة بين سكان أبوظبي وهذا المجمع الثقافي، فهذا البناء القديم الواقع في وسط المدينة قدم وعلى مر السنين خدمته للفنانين والمثقفين والمفكرين والمبدعين، وتجلى ذلك في دورات في الخط العربي والرسم والقراءة، واستضاف العديد من المعارض الفنية لمشاهير الفن والثقافة، كما كان ينظم دورياً مسرحيات وعروضاً سينمائية لأشهر الأعمال العالمية وأمسيات شعرية مميزة، وعروضاً موسيقية رائعة ومعارض فخمة للتصوير، وكان يضم وحدة متخصصة بثقافة الطفل.

وكان يتيح لمحبي القراءة مكتبات ضخمة تحوي كل ما يبحثون عنه، ووفر لمحبي الأبحاث غرفاً مخصصاً لهم، ليقوموا بأبحاثهم في هدوء، وكان يضم أرشيفاً وطنياً يعد الأضخم والأهم في الدولة، بل إن المجمع الثقافي كان من أوائل الجهات التي وفرت الإنترنت لسكان المدينة عن طريق أجهزة الحاسوب فيه، وكان يوفر كل هذه الخدمات مجاناً أو بأسعار مخفضة شجعت الكثير منا على التوجه إلى هذا المكان وقضاء أوقات جميلة فيه.

وخلصت إلى القول: نحن في أمس الحاجة إليه، ليت رئتنا الثقافية تعود، لنتنفس من جديد حباً وثقافة وإبداعاً بلا حدود.

الهنوف محمد: مكسب مهم
الهنوف محمد الشاعرة الإماراتية، ترى أن التواصل المباشر مع المبدع الإماراتي كان ظاهراً للعيان في رؤية المجمع الثقافي، وهو أمر نفتقده اليوم من بعض المؤسسات والهيئات، وعودة هذه المؤسسة الرائدة في الفعل الثقافي في دولة الإمارات والمنطقة العربية والعالم مكسب مهم يضاف إلى جهود عدد من المؤسسات التي تحرص على إبراز أعمال المبدعين وتنظيم ندوات من الحجم الكبير، وهذا ما عشناه أيام كان هذا الفضاء ملتقى عالمياً، واليوم في ظل الحرص على التأسيس لمتاحف عالمية وفضاءات مفتوحة على أكثر من أفق ننتظر أن يستعيد المجمع الثقافي بريقه المعتاد ويشع في سماء أبوظبي والإمارات والعالم بلا حدود.

طلال الجنيبي: مركز إشعاع
الشاعر الدكتور طلال الجنيبي سعيد بخبر إعادة النشاط لمركز ثقافي مثل نقطة إشعاع عالمي لإمارة أبوظبي، حيث قدم الكثير في الإبداعات كافة، ولم يقتصر نشاطه طوال مدة وجوده على مجال ثقافي معين، بل كان محطة للعديد من الإبداعات التي وجدت المكان الذي يؤمن إشعاعها وحضورها الفاعل، واليوم والتفكير في عودة هذا الصرح لا بد أن نبارك هذه الخطوة، وأن ننتظر من المجمع الكثير ليستعيد سالف تميزه.

صالح كرامة: أجمل خبر
صالح كرامة المسرحي والسينمائي الإماراتي، يؤكد أنه أحد أبنائه، وأن عودته هي عودة الحياة والذكريات والمكتبة الأكبر التي طالما احتضنت الكثير من أبناء أبوظبي والإمارات، العودة تؤكد أن هذا المرفق الثقافي يجمع ولا يفرق، لا بد أن نراجع مسألة التشتت الثقافي لتعود الثقافة إلى منبعها الأصلي، وقد نبهنا سابقاً مراراً وتكراراً إلى هذه المسألة، فتوزع المراكز الثقافية في كل مكان يضعفها ويجعل المريدين في حيرة؛ لأن للمكان ذاكرة وجاذبية والتصاقاً مع المثقفين، للمكان ألفة خاصة وبديعة، وخبر عودته هو أبرز خبر.

المزغني: قطب ثقافي
الشاعر التونسي منصف المزغني يذهب إلى القول، إن المجمع الثقافي في أبوظبي، هو هذه المؤسسة التي ترعاها الدولة، وتفتح حضنها للثقافة في أبعادها الوطنية والقومية والعالمية، حيث كان أذناً تصغي إلى النبض الثقافي والفني والفكري في العالم وتسعى إلى مواكبته، وكان عيناً مفتوحة على ما يجعل إيقاع العالم الثقافي يحيا في العاصمة أبوظبي، إذ كان يدعو كبار المحاضرين ونجوم الفكر والشعر والأدب في الوطن العربي وفي العالم، وذلك وفق خطة مدروسة، لمناقشة هؤلاء نقاشاً مباشراً في قضايا الساعة الثقافية والفكرية والسياسية. كان المجمّع الثقافي ينشر بمفرده، ويساهم بالاشتراك مع دور نشر أخرى في نشر مؤلفات ومصنفات ويسهم في ترجمة كتب لا يرغب فيها الناشر التاجر، حيث كان ينهض بدور جدير بالقطاع العام، وهذا ما جعل منه قطبا إعلاميا وثقافيا شديد الخصوصية، ويملأ فراغاً في مجال لا يكفّ عن طلب المزيد من التنمية والعناية.

وكان المجمع مفتوحاً على السمعيّ البصريّ، وهو قطاعٌ لا يخلو من أهمية، لأنه يوثق بالصوت والصورة لملامح الحياة الاجتماعية للإمارات ولغيرها من دول الخليج، وأظن أن المجمع بدأ شغلاً. كان من الممكن أن يتمّه في المجال للتوثيق بالصوت والصورة لعديد الأنشطة الثقافية والفكرية، ولعله يتدارك الموضوع في هذه الفترة القادمة، وهو يتجه نحو المستقبل مرة أخرى، حيث لا ثقافة ولا حضور لمن لا صورة له.

وأظن أن الخطى التي مشاها المجمع في البداية تحتاج إلى إعادة النظر لا بالمحو، ولكن بالمراجعة والتصحيح، فالعمل الثقافي زرعٌ لا يؤتي أكله سريعاً، وما ينتظر المجمع الثقافي هو أن يصير مركزاً لا يكتفي باستهلاك المعرفة، ولكن بإنتاجها وترويجها، وبيعها.
وعند النظر إلى عودة هذا المجمع، يجب مراعاة العنصر الثقافي في حياة الناس، فالغرس لا بد أن يكون سريعاً، أما الإثمار، فإنه يبطئ ويكون خيراً على الإنسان الإماراتي أولاً، في هذا الزمن العربي الصعب الذي جعل أغلب العرب يحكمون دون أن يولوا الثقافة ما تستحقه من كريم الميزانية، وأن يولوا التثقيف الجماهيري عناية قصوى، فلا شيء أغلى من بناء الإنسان ودعمه بالثقافة.

أنور الخطيب: بيتنا الثقافي
أنور الخطيب، الشاعر والروائي الفلسطيني المقيم في الإمارات، يقول:

إلى أين أنت ذاهبٌ؟ إلى المجمع الثقافي..
من أين أنت قادمٌ؟ من المجمع الثقافي..
أسئلة وإجابات سكان أبوظبي الجميلة على مدى عقدين من الزمان، حيث كانت تجتمع الثقافة الوطنية إلى ثقافات العالم منذ شروق الشمس حتى غروبها. ذلك هو المجمع الثقافي، البيت الذي ترعرعنا في صالاته وزواياها وساحاته وحدائقه، واحة الأصدقاء والنقاء والجمال والإبداع والأحاديث الثقافية، المجمع الثقافي التجمعات الدافئة والقلب الذي احتوى جميع المبدعين، شعراء وقصاصين وروائيين ورسامين ومسرحيين، كباراً وصغاراً، عودة هذا المجمع تشكل فرحة مجبولة بالشوق لأيام نأمل بتجدّدها، ليعود قلب المدينة النابض بالحب والتجدد والإبداع والحوارات المدهشة، نجد فيه ذواتنا الحقيقية، بأصولها وتراثها وابتكاراتها وحداثتها وتجاوزاتها ومستقبلها.
ومع الخبرة الجديدة التي اكتسبها العاملون فيه، في تنظيم معارض الكتب ومهرجانات السينما، والجوائز العظيمة، ومسابقات الشعر الفصيح والشعبي، ومعارض التشكيل والفن الحديث، ومشاريع الترجمة، ومبادرات التأليف والنشر، والصدى العالمي الذي يتردد في ثقافة الخبرة، سيكون المجمع قد جمع جهات العالم في قلب أبوظبي، وإمارات الدولة كلها، ليقدّم ذاته بأناقة معرفية جديدة، ورشاقة اللغة المتجددة.
نحن في انتظار الدخول مجدداً إلى عالم تتوق إليه أفئدتنا، لنستحضر ذكريات عزيزة على أصواتنا، ونعانق فيه أشخاصاً مروا وآخرين يقيمون في جمال اللحظة، آملين أن يكون المجمع الحضن الدافئ للمؤسسات والاتحادات الثقافية كلها، وباختصار، أن يكون مدينة ثقافية بكل ما تحمله العراقة من معنى. إعادة افتتاح «المجمع الثقافي» هو عودة إلى أيقونة ثقافية ثمينة.

رسول رسول: المكان الأيقونة
د. رسول محمد رسول الروائي والناقد العراقي، قال في هذا الإطار: عرفتُ «المجمع الثقافي» في أبوظبي منذ عام 2001، يومها كنت متشوقاً للاطلاع على المكتبة العامرة فيه، ومنذ ذلك التاريخ كنت ارتاده بحثاً عن كنوزه المعرفية، بل وحضور كل الفعاليات الثقافية والفنية التي تقام فيه حتى إغلاقه الذي أثر سلباً في حركة التفاعل الثقافي، ولولا المشروعات الثقافية التي انطلقت منذ عام 2006 لماتت الحركة الثقافية في أبوظبي بسبب غياب المكان الأيقونة في تاريخ أبوظبي الحديث.

في «المجمع الثقافي» تعرفت إلى أغلب مثقفي أبوظبي من الإماراتيين، وكذلك العشرات من المثقفين العرب، بل المئات منهم يوم كانت أيام معرض أبوظبي الدولي للكتاب تقام هناك.
بين عامي 2001 وحتى غلقه، كتبت سبعة من مؤلفاتي في «المجمع الثقافي»، وكانت مكتبته ذخيرة حية لجميع بحوثي ودراساتي الفكرية والأدبية والنقدية.
كان «المجمع الثقافي» ملتقى ثقافياً حقيقياً، حيث الحوارات الثقافية والفنية والجمالية والأدبية تمنح المثقف الزائر والمقيم مساحة من اللقاء الغني بالعطاء. إن إعادة افتتاح «المجمع الثقافي» هي عودة إلى أيقونة ثقافية ثمينة لها ألقها في نفوس سكان العاصمة أبوظبي، وفي نفوس المثقفين الإماراتيين والعرب الزائرين والمقيمين؛ لذلك تجدني متفائلاً بهذا الحدث الثقافي ليس الإماراتي ولا العربي فقط إنما العالمي أيضاً.

شاكر نوري: الغذاء الروحي
شاكر نوري الإعلامي والروائي العراقي: المجمع الثقافي في أبوظبي كان له تأثير فعّال على الجمهور؛ لأنه تحوّل إلى مكان للالتقاء والتواصل والتخاطب، وبؤرة للتفاعل مع المعارض الفنية وعروض المسرح وقراءة الكتب: هذا الغذاء الروحي، اللوحة والمسرح والكتاب. كلها انتعشت في هذا المكان الذي تحوّل نفسه إلى مكان يجمع التماثيل والنصب الفنية. لم يتمكن أي مكان آخر أن يحّل محله في مجال الثقافة، وظلت المدينة بحاجة إلى هذا البعد الذي افتقدته كثيراً؛ لذا فإن انبعاثه من جديد فكرة ممتازة من أجل الترويج للثقافة بأفضل أشكالها وجعلها في متناول اليد خاصة عندما يكون موقعه في قلب المدينة.

ويؤكد شارك نوري: المجمع كان بالفعل المكان الذي ينتج الثقافة الشاملة للإنسان، بعيداً عن أي فكرة مسبقة. ولا بد من الإشارة إلى أن ثقافة الطفل انتعشت في هذا المكان من خلال تفعيل العروض التي تسترعي مشاغله، خاصة أن المجمع قام بدورات تدريبية ناجحة للأطفال وتنشيط أذهان النشء الجديد وجعلهم يتفاعلون مع الثقافة. هذه النافذة يجب أن تبقى مفتوحة على الدوام؛ لأنها تتيح الفرصة بلقاء الجمهور بالشخصيات الفنية والأدبية التي كانت تزور المجمع وتتفاعل مع الجمهور. كما ربّى المجمع التذوق الموسيقي من الحفلات الموسيقية المتواصلة؛ لذا يمكن اعتباره شبيهاً بالمراكز الثقافية في العالم مثل: مركز بومبيدو الثقافي أو معهد العالم العربي أو المكتبة الوطنية في باريس.. لكثير من المثقفين ذكريات جميلة مع هذا المجمع. يُضاف إلى ذلك كله، إنه من خلال هذا الصرح الثقافي انطلقت جميع المشاريع الثقافية والأفكار الخلاقة.

نبيل سليمان: كواكب الثقافة
خمس وعشرون سنة انطوت مثل رفة جفن، لتعيدني إلى ذلك الضحى الربيعي الدافئ الذي رماني لأول مرة في حضن أبو ظبي. آنئذٍ، رأيت فيما يرى الحالم أن غوطة دمشق قد بدلت مطارحها، فإذا بها هاهنا على شاطئ أبوظبي، وملء الأمداء أنى توجهت أراها، ترفل في الغبطة. قبل أن تمتلئ روحي بغوطة أبو ظبي، كان ذلك المساء الربيعي الدافئ قد رماني لأول مرة في حضن المجمع الثقافي، فلم أغادره من بعد، حتى لو غبت عنه سنة أو سنوات. وفي الدورة الأولى لمعرض الكتاب كنت إذن، وكانت دار الحوار التي أسستها عام 1982، ولم تغب عن المعرض من بعد، بينما غادرتها إلى نعماء القراءة والكتابة. وفي سويداء هذه النعماء، هو ذا المجمع الثقافي مقيم دائماً: هي ذي المكتبة الوطنية قبل خمس وعشرين سنة، وطوال خمسٍ وعشرين سنة، هو ذا سعادة جمعة القبيسي يحمل الشعلة، هو ذا النادي السينمائي والكراريس وهذه المحاضرة لك، وهذا الذي يشبه مجرة ثقافية: كوكب لمشروع كلمة، كوكب لمشروع كتاب، كوكب لجائزة الشيخ زايد، كوكب للبوكر العربية.. والكواكب جميعاً تعلن أنها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وفي سويداء هذه النعماء هو ذا معرض الكتاب في يوبيله الفضي يمور، ناشرين وقراء ومحاضرين وحوارات وجوائز ورؤى تعانق المستقبل، على الرغم من كل هذا الكلح والموات الذي يضرب في أعماقنا قبل وبعد أن يضرب في فضاءاتنا. وإنها لضرورة الثقافة إذن، من المجمع إلى الهيئة إلى المستقبل.


بيت التنوع الثقافي
أنشئ المجمع الثقافي في أبوظبي عام 1982، واستطاع، خلال مسيرته أن يستقطب كبار الكتاب والشعراء والمبدعين العرب والأجانب، وكان معرضاً مفتوحاً أمام العديد من الألوان الفنية التي وجدت فيه مجالاً حيوياً لإبراز تنوعها، بالإضافة إلى الدورات الفنية المتخصصة التي يقع تنظيمها بشكل دوري، وفي هذا الفضاء المفتوح على تعدد الإبداعات كانت المناسبات الثقافية لا تقتصر على مجال دون آخر، بل كان مركزاً ثقافياً للسينما والمسرح والشعر والفكر والفن والتشكيل وغيرها من الإبداعات، التي جعلت منه نقطة استقطاب وإشعاع متميزة خرجت من محيطها الضيق لتنير في أكثر من فضاء، وتفتح أكثر من نافذة مشرعة على الحوار والتقارب الحضاري والتبادل الثقافي، الأمر الذي أكسب العاصمة الإماراتية أبوظبي صفة العاصمة الثقافية الرائدة.


لئلا ننسى
يستعيد مهرجان قصر الحصن في أبوظبي المجمع الثقافي ويعمل على إحياء حضوره في المشهد الثقافي، وسيفتح المجمع أبوابه لسلسلة من العروض الثقافية في مسرحه المفتوح، إلى جانب ورش عمل للفنون والحرف اليدوية ومعرض مُصمم خصيصاً ليقدم تجربة ثقافية معاصرة للزوار، بالإضافة إلى معرض «لئلا ننسى: معالم خالدة في ذاكرة الإمارات» الذي شارك ضمن جناح الإمارات في بينالي البندقية الرابع عشر. وسيضم هذا المعرض الذي تُشرف عليه مؤسسة سلامة بنت حمدان آل نهيان، نتائج مبادرة «لئلا ننسى» التي تسعى لتوثيق تاريخ التطور المعماري والحضاري في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال القرن الماضي.

اقرأ أيضا