الاتحاد

تقارير

عراقيل سياسية أمام إصلاح الرعاية الصحية

مهما كان المصير التشريعي لخطة الإصلاح الصحي في الولايات المتحدة، والتي هي الآن في يد مجموعة من "الديمقراطيين" المحاصرين في مجلس النواب، فإن المدافعين عن الإصلاح فشلوا في توضيح أفكارهم والتعبير عنها بشكل مقنع للآخرين، ذلك أن المقترح الذي تقدموا به لم يسهم سوى في تقسيم "الديمقراطيين" أنفسهم، وفي الوقت نفسه توحيد "الجمهوريين" الذين التفوا في مناهضتهم لإصلاح الرعاية الصحية.
كما ساهم "الديمقراطيون" أيضاً في إعادة السياسة الأميركية إلى الاصطفافات الأيديولوجية القديمة واستخدام تكتيكات تشريعية يشتم منها رائحة الفساد، فضلاً عن هدر مكانة الرئيس أمام الرأي العام والنيل من نظرة الجمهور إلى الكونجرس، والطريقة التي يعمل بها دون أن ننسى إهمال القضايا الأخرى، التي تراجعت في سلم الأولويات بسبب التركيز شبه الحصري على مسألة الإصلاح الصحي، وهو ما أدى في النهاية إلى تناسل العديد من الأسئلة المقلقة حول مدى القدرة على ممارسة الحكم في واشنطن، من دون عرقلة وتعطيل إلى درجة دفعت كبير موظفي البيت الأبيض إلى النأي بنفسه عن طموحات الرئيس وتطلعاته، وبالنسبة لأوباما الذي اندفع وراء مشروعه الإصلاحي لا بد أنه فوجئ بحجم المعارضة، التي بدأت تتسرب إلى صفوف الحزب "الديمقراطي".
ولا بد هنا من الإشارة إلى بدايات المشروع الإصلاحي الذي سعى أوباما إلى تطبيقه في القطاع الصحي، فقد سعى "الديمقراطيون" إلى توحيد نظام الدفع بحيث تكون هيئة وحيدة هي "ميدكير" مسؤولة عن توفير التغطية الصحية للأميركيين كافة، وبعدما تعقدت الأمور تراجعوا قليلًا، ليقترحوا ما بات يعرف بالخيار الحكومي الذي سينافس شركات التأمين الخاصة الموجودة في السوق، معتقدين أن الخيار الحكومي سيتفوق في الأخير بعدما تثبت جدارته. لكن أوباما رفض نظام توحيد الدفع، كما لمح في البداية إلى إمكانية التخلي أيضاً عن الخيار الحكومي في محاولة منه لتبديد مخاوف "الجمهوريين" وتطمين الرأي العام المتوجس من التدخل الحكومي، بل إن أوباما رفض أيضاً اقتراحاً للإصلاح الصحي اقترحه السيناتور "رون وايدن" وزميله في المجلس "بوب بينيت" كان يضفي مسحة من التعاون الحزبي يقوم على إنهاء نظام توفير الرعاية الصحية للأميركيين من قبل المشغل والشركات والسماح للأفراد من خلال تشجيعات مالية على اختيار شركة التأمين المناسبة لهم ضمن قائمة من المؤسسات الخاصة المعنية بتقديم خدمة الرعاية الصحية، وهو ما دفع السيناتور "وايدن" الذي يبدو أنه كان يستشعر المشاكل التي سيمر بها مشروع الإصلاح الصحي إلى التحذير قائلًا: "لو فرضت خطة الإصلاح كما هي الآن على الكونجرس وأرغمتم الجمهوريين على قبولها فإن النتيجة ستكون انقلاب الرأي العام عليها ما أن يجف حبرها لتظهر رغبة ملحة في إلغائها".
وبدلًا من الخيارات المطروحة بين الإصرار على الخطة الأصلية، أو تبني الموقف "الجمهوري" فضل أوباما مقاربة معقدة لإصلاح النظام الصحي، لأنها في رأيه بدت أقل راديكالية من الخطط المطروحة، وقد استلهمت في جزء منها من خطة الإصلاح الصحي التي طُبقت في ولاية ماساتشوستس، ووقع عليها السيناتور "الجمهوري" "ميت رومني" ليبدو الأمر بالنسبة للرئيس والرأي العام أيضاً كنوع من التعاون الحزبي.
لكن ما سبب هذا التعثر في إقرار خطة واضحة للإصلاح الصحي تحظى بحد أدنى من الإجماع؟ يرى البعض أن السبب يعود إلى تنامي المعارضة الحزبية، غير أن التفاف الحزب "الجمهوري" حول أجندة محافظة بشكل متزايد لا يخفي رغبة أوباما المتنامية في توسيع دور الحكومة في وقت تتصاعد فيه الشكوك إزاء الدور الحكومي، ومع أن خطته للإصلاح الصحي قد تبدو معتدلة داخل الكونجرس، إلا أن إصرار أوباما على استحداث استحقاق جديد للطبقة الوسطى يثير العديد من التساؤلات حول النفقات التي ستغطي مثل هذا الاستحقاق والالتزامات المالية المترتبة عليه، والتي سيدفعها المواطن الأميركي في شكل ضرائب.
والحقيقة أن هذه العراقيل البنيوية التي تحول دون تمرير خطة إصلاح النظام الصحي تفاقم منها الحسابات الخاطئة التي أجراها أوباما من الناحية الاستراتيجية، فقد اعتقد الرئيس أن الانخراط الحكومي المفيد في قطاع من القطاعات سينسحب بالضرورة على الباقي ويجند وراءه الرأي العام، لذا لجأ أوباما إلى الحيل الخطابية كأن يقرن بين إنقاذ الاقتصاد وتعافيه وبين إقرار الإصلاح الصحي، وفرض قيود على انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وهي الفكرة التي لم يقتنع بها أحد، بل بالعكس زادت عملية إنقاذ المؤسسات المالية المتعثرة والتدخل الحكومي لإنعاش الاقتصاد من تشكك شرائح واسعة من الرأي العام كما أججت مخاوف الكونجرس من مغبة الزيادة في الإنفاق الحكومي.
أما السبب الأخير لعدم نجاح أوباما لحد الآن في تمرير خطته لإصلاح النظام الصحي فمرتبط بالجانب النفسي، إذ في الوقت الذي تصاعدت فيه شدة المعارضة لخطة أوباما واجه هذا الأخير خياراً صعباً حول طبيعة رئاسته، فهو إما عليه أن يتراجع قليلا منتهجاً أسلوب التدرج، وإما الإصرار على التغيير ولحد الآن مازال أوباما يراوح مكانه ومازال يمسك العصا من الوسط مترنحا بين المرونة والصرامة على حساب شعبيته وحسمه للقضايا الأساسية.


مايكل جيرسون
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا