الاتحاد

تقارير

بكين وواشنطن... تقاطعات السياسة والتجارة

يوم الأحد الماضي، وجه رئيس الوزراء الصيني، وين جيابو، انتقادات لاذعة إلى الولايات المتحدة رافضاً ضغوطها المتواصلة على بكين لرفع عملتها مقارنة بالدولار في مسعى لدعم الصادرات الأميركية، ناصحاً الولايات المتحدة بالعمل أكثر لتحسين عمل نظامها المالي، وموجهاً في الوقت نفسه بضرورة تغيير أميركا لسياستها الخارجية من أجل علاقات أفضل مع الصين.
ويبدو أن تصريحات رئيس الوزراء الصيني القاسية، التي جاءت ضمن مؤتمر صحفي استمر لساعتين وربع الساعة عقب الانتهاء من انعقاد الدورة السنوية للبرلمان الصيني غير المنتخب، تؤشر إلى أن الصين مازالت تنتهج خطاً متشدداً في علاقاتها مع الولايات المتحدة.
ويرى كثير من المحللين أن هذه التصريحات أكدت ثقة الصين المتزايدة في نفسها بعد نجاحها في التأقلم مع الأزمة المالية، وقدرتها على الخروج منها بأقل الخسائر خلافاً للاقتصاد الأميركي واقتصادات الدول الغربية. لكن "وين" تطرق أيضاً إلى القضايا الداخلية والتحديات التي تواجهها الصين، داعياً إلى الحذر من التعامل مع الأحداث المحلية، ومعبراً في الوقت نفسه عن قلقه من "النمو غير المستقر وغير المنسق للاقتصاد الصيني". ومع أن الصين حققت نمواً اقتصادياً في السنة الماضية بلغت نسبته 7.8 في المئة ليكون الاقتصاد الأسرع نمواً في العالم، إلا أن ذلك جاء نتيجة خطة إنعاش الاقتصاد المكلفة.
وأضاف "وين" خلال المؤتمر الصحفي أن الاقتصاد الصيني يواجه العديد من التحديات بما فيها احتمال الانتكاس والانزلاق مجدداً نحو الركود، لا سيما إذا لم يتعاف الاقتصاد العالمي بالسرعة المطلوبة وخرج التضخم عن السيطرة.
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء الصيني حول موضوع العملة لتستبعد أي إمكانية لإقدام الصين على رفع قيمة عملتها مقارنة بالدولار في أي وقت قريب.
وكان الرئيس أوباما قد كشف يوم الخميس الماضي عن خطة لدعم الصادرات الأميركية ودعا الصين إلى تبني "سعر صرف أكثر انسجاماً مع آليات السوق لإعادة التوازن إلى التجارة الدولية". لكن "وين" رد بأن العملة الصينية، "اليوان"، ليست مخفضة كما تعتقد الولايات المتحدة وبأن محاولتها لتوسيع رقعة صادرتها من خلال التدخل في سعر صرف العملة الصينية يعد نوعاً من الحمائية التي بدأت واشنطن تهدد بانتهاجها.
وأوضح "وين" قائلا "أفهم أن تسعى بعض الدول إلى الرفع من قيمة صادراتها، لكني لا أفهم كيف تلجأ تلك الدول إلى خفض قيمة عملتها وفي نفس الوقت مطالبة الآخرين برفع عملتها"، وأضاف رئيس الوزراء الصيني في إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة "أعتقد أن هذه الضغوط تدخل في إطار الحمائية".
وتجدر الإشارة إلى أن الصين عمدت إلى ربط عملتها، "اليوان"، بالدولار منذ أواسط العام 2008 بعدما سمحت لعملتها بالارتفاع بنسبة 21 في المئة خلال السنوات الثلاث السابقة، ومن الناحية النظرية سيؤدي رفع الصين لعملتها مقارنة بالدولار إلى خفض كلفة الصادرات الأميركية وجعلها أكثر حضوراً وانتشاراً في السوق الصينية، كما أن ذلك سيساهم في رفع سعر البضائع الصينية، ما قد يساعد في الحد من العجز التجاري الأميركي الذي يقدر بحوالي225 مليار دولار، وقد عبر المسؤولون الأميركيون عن أملهم في أن تلجأ الصين إلى رفع قيمة عملتها قبل 15 أبريل القادم، وهو التاريخ، الذي حددته وزارة الخزانة الأميركية لإصدار تقريرها حول الممارسات الدولية في مجال العملات.
وفي حال أشار التقرير إلى تلاعب الصين بقيمة عملتها من خلال إبقائها منخفضة مقارنة بالدولار، فإن ذلك قد يشجع الكونجرس على فرض رسوم على الصادرات الصينية إلى السوق الأميركية، فقد صرح السيناتور "تشارلز شومر" يوم الجمعة الماضي بأنه ينوي طرح مشروع قانون يسير في هذا الاتجاه، مفسراً خطوته تلك بقوله إن دفع الصين إلى إعادة النظر في قيمة عملتها ورفعها مقارنة بمستواها الحالي المتدني "هو الخطوة الأهم لخلق الوظائف في الولايات المتحدة، لا سيما في المجال الصناعي".
وكان السيناتور "شومر" قد شارك قبل بضع سنوات في طرح مشروع قانون مشابه يفرض رسوماً على البضائع الصينية بسبب سياستها النقدية ليسحب القانون لاحقاً. لكن رئيس الوزراء الصيني حذر من جهته أن سياسة الضغوط لن تجدي نفعاً مع الصين قائلا "نحن نعارض تبادل الاتهامات بين الدول وإلقاء اللوم على بعضنا بعضا، أو اتخاذ إجراءات قوية لحمل الآخرين على تغيير سياستهم النقدية".
وفي المقابل وجه "وين" الولايات المتحدة بـ"اتخاذ خطوات ملموسة" لإصلاح نظامها المالي وحماية الاستثمارات الصينية في سندات الخزانة الأميركية، لا سيما وأن الصين تستثمر مئات المليارات من الدولارات في تلك السندات إلى درجة أن الصين تعتبر الممول الأول للدين الأميركي ويطلق عليها "بنك أميركا"، ولم يفت رئيس الوزراء الصيني التأكيد على رغبة بلاده في الحفاظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة دون أن ينسى القضايا العالقة بين البلدين وانتقاده لبعض ممارسات إدارة أوباما مثل لقاء الرئيس الأميركي بزعيم التبت، الدلاي لاما، وبيع أسلحة تقدر قيمتها بمليار دولار إلى تايوان.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا