الاتحاد

رأي الناس

حماقة الإعجاب بالنفس

في كتابه «نقطة زرقاء مضيئة» يتحدث لنا عالم الفضاء كارل ساغان 1934-1996 كيف أنه وفي العام 1990 وبطلب منه، أن يقوم المسبار الفضائي فويجر-2 وبعد أن أكمل مهمته في الفضاء، بالتقاط صورة لكوكب الأرض من مسافة قدرت بستة مليارات كيلومتر، وكانت هذه المهمة تتطلب جهوداً مادية وفنية كبيرة وزمناً لتحقيقها وقد كان.
تظهر هذه الصورة الفريدة الأرض كنقطة مضيئة زرقاء، في محيط الفضاء الشاسع والظلام الكوني، المقاطع التالية مقتبسة من كتابه مع بعض التصرف.
تلك النقطة هي نحن، إنها الوطن، عليها يعيش كل من نحبه ونعرفه، فيها جميع أفراحنا ومعاناتنا، مختلف الأديان والعقائد، كل مبدع أو مدمر للحضارة، كل أم وأب وكل طفل واعد، كل مخترع أو مستكشف، كل معلم للأخلاق وقائد وزعيم ومصلح، ترك آثاره على الإنسانية والحضارة وخلده التاريخ في عقول ووجدان الناس، وكل سياسي فاسد كان عدواً للخير والبشرية، وكل قديس أو آثم ساهم في تدمير الحياة. كل هؤلاء وغيرهم وعبر تاريخ الجنس البشري قد عاشوا هنا، على ذرة من غبار معلقة في شعاع الشمس.
كوكب الأرض هو مسرح صغير جداً في ساحة كونية شاسعة، تأمل الأعمال الوحشية التي حدثت على كسرة وجيزة من هذه النقطة نتيجة البغض والكراهية وتضارب المصالح.
في وسط هذا الاتساع لا توجد إشارة إلى أن مساعدة ستأتي من مكان ما لتنقذنا من أنفسنا (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) سورة الرعد.
الأرض هي العالم الوحيد المعروف حتى الآن كمأوى للحياة، لا يوجد أي مكان آخر يمكن لجنسنا أن يهاجر إليه في المستقبل القريب، شئنا أم أبينا، فكوكب الأرض هو مقامنا. ربما لا يوجد إثبات لحماقة الإعجاب بالنفس عند الإنسان أفضل من هذه الصورة المأخوذة عن بعد لعالمنا الصغير..
هذه الصورة تؤكد مسؤوليتنا في التعامل بعضنا مع بعض بود ومحبة، وفي حماية النقطة الزرقاء الباهتة والاعتزاز بها، فهي الوطن الوحيد الذي عرفناه.
إنها حقيقة بسيطة ومؤثرة جداً، رسالة إلى كل من غاب عندهم الضمير، ليجعلوا البقعة التي يعيشون عليها جحيماً كنتيجة حتمية لتعاظم الأنا في نفوسهم ومحيطهم، إنها دعوة للصحوة ومراجعة النفس وما أكثرها من دعوات.. وللتوقف برهة من الزمن لينظروا من حولهم إن لم يكن لديهم القدرة لقراءة التاريخ واستقراء ظلاله وتداعياته على مر العصور.
ولينظروا وبتمعن وروية، إلى روَّاد من ذوي البصائر والألباب عاشوا ويعيشون بيننا، ممن لا يثنيهم الجدل ولا تثيرهم أهواء النفس ويأخذون بالنصيحة والمشورة والأسباب، متواصين بالحق وبالصبر ومتواصلين مع الناس، رجالاً مبصرين بمآلات الأمور، قادرين على درء الفتن واحتوائها وامتصاصها وإطفاء نيرانها متجاوزين ظواهرها وأعراضها منطلقين لجوهرها، بما لديهم من حكمة وأفق واسع ووعي حاضر، وفوق كل هذا ضمير حي ويقظ يميز ويوازن بين الأمور.
الأرض والحياة هبة من الله سبحانه وتعالى تنمو وتزدهر حين تغلب القيم الإنسانية وتطغى لتعلو على كل المصالح والشرور لتكسر شوكة الأنا والأنانية.. وهي كلها مجرد أمنيات ودعوات للعمل من أجل التراحم والعيش بسلام، فقد تحقق منها الكثير وضاع منها الكثير والحياة دوماً تسير.
مؤيد رشيد

اقرأ أيضا