الاتحاد

تقارير

علماء الدين الأتراك··· زيادة الطلب على الإسلام العصري

يعد المشروع محاولة من الحزب الحاكم لترسيخ جذوره في العالم الإسلامي

يعد المشروع محاولة من الحزب الحاكم لترسيخ جذوره في العالم الإسلامي

لقرون طويلة، كانت أقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هي التي تهدي المسلمين في حياتهم اليومية، وتتخذ أساسا للإفتاء الذي يهديهم إلى الطريق القويم، في كافة الأمور بدءا من الصحة وحتى الحرب·
وعلى الرغم من أن الأحاديث النبوية الشريفة تتعلق بأمور حدثت منذ 1400 عام على وجه التقريب، إلا أن هناك في الوقت الراهن مشروعا تركيا طموحا يهدف إلى إعادة تفسير تلك الأحاديث، بطريقة تتواءم مع ظروف الحياة الحديثة من ناحية، وتخلصها من بقايا الكثير من التفسيرات، التي تتناقض مع نصوص القرآن الكريم وتعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما يقول علماء الدين· هذا المشروع جزء من مجهود متصل تقوم به شريحة متنامية من المجتمع التركي بغرض التوفيق بين الإيمان والحداثة، وإيجاد نهاية للصراع المحتدم بينهما في أوســاط المسلمين في مختلــف بقــاع الأرض·
يذهب بعض علماء المسلمين إلى أن هناك أحاديث مختلقة نسبت زورا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الكثير من تفسيرات تلك الأحاديث قد تمت في العصور الإسلامية المبكرة بما يتماشى مع الظروف السائدة في تلك العصور، وخصوصا المتعلق منها بالمرأة، وعلاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وبالتالي فإنها تستحق من علماء الدين المسلمين نظــــرة جديــــدة؛ وتعليقــــا على ذلــــك يقول ''إسماعيل حقي أونال'' -رئيس قسم الحديث بكلية الدراسات الدينية بجامعة أنقرة- التي انطلق منها برنامج إعادة تفسير الأحاديث الدينية، والتي تعتبر من معاقل التفكير الإسلامي المستنير: ''هناك أشياء يقول البعض إن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد قام بها، أو قالها، على الرغم من أنها تتعارض مع القرآن الكريم، لذلك فإننا سنتخذ من القرآن الكريم مرشدا لنا وهاديا في برنامجنا بحيث يتم حذف أي شيء يتعارض معه''، ويشير ''حقي'' إلى وجود بعض تفسيرات الأحاديث التي تقول إن النساء ناقصات عقل ودين فيقول: ''إن مسألة أن النساء ناقصات عقل ودين كانت تُقبل في الماضي بدون مناقشة، أما الآن فإن الظروف والأحوال قد تغيرت، وهذه التفاسير وما يشابهها هي ما سنعمل على إعادة النظر فيه، وإظهار أنه يتنافى مع الطريقة التي كان الرسول يعيش بها، ويتعامل من خلالها مع النساء، كما يتنافى مع القرآن الكريم ذاته ''·
وكما يتصور المشرفون على البرنامج، فإن المجموعة الجديدة من الأحاديث المُراجعة أو المعاد تفسيرها، ستكون قادرة على تقديم الإجابات على الكثير من الأسئلة المعاصرة، أو الأسئلة التي تتعلق بجوانب معينة من الحياة العصرية مثل: كيف تتصرف وأنت وراء مقود القيادة (نسبة حوادث السيارات في تركيا تعتبر من ضمن الأعلى في العالم)؟، وكيف يجب أن تكون طبيعة الاستجابة الإسلامية للتغيرات المناخية؟؛ وعندما سألت الدكتور''محمد جورميز'' -نائب رئيس مديرية الشؤون الدينية التركية- عما إذا ما كان المشروع الجديد لإعادة تفسير الأحاديث، يمكن أن يؤدي إلى تغييرات في الطريقة التي يتم بها النظر إلى المرأة في العالم الإسلامي في الوقت الراهن، رد عليّ بالقول إنه لا شيء في الدين يمكن أن يبرر ما يصفونه اليوم في العالم الإسلامي بـ''حوادث الشرف'' أو رجم المرأة الزانية حتى الموت، وأننا لو بحثنا في تاريخ الإمبراطورية العثمانية، فإننا قد لا نجد واقعة واحدة تم فيها رجم امرأة لأنها زنت، أو قطعت فيها يد رجل لأنه سرق''·
على الرغم من أنه يشار إلى تركيا عادة باعتبارها دولة علمانية، إلا أن الحقيقة هي أنها تولي اهتماما كبيرا للدين، وهو ما يتبين لنا إذا ما عرفنا أن ميزانية وزارة الشؤون الدينية في تركيا هي الأكبر بعد ميزانية الجيش وميزانية التعليم؛ فهذه الوزارة مسؤولة عن إدارة 78000 مسجد تقريبا، وعن الإشراف على الخطب الدينية التي يلقيها الأئمـــة، وتحديد ما المسموح لهم بقوله أو الدعوة إليه، وما تحاول الوزارة القيام به في الوقت الراهن هو خلق فهم صحي للإسلام، ولأقوال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال مشروع إعادة تفسير الأحاديث·
ويؤكد علماء الدين في كلية الدراسات الدينية في جامعة أنقرة على أنهم لا يحاولون تغيير الإسلام، وإنما يحاولون فقط استبعاد الأقوال والممارسات الاجتماعية التي كانت سائدة أيام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، على الرغم من حقيقة أنه لا يوجد لها جذور حقيقية في هذا الدين، وتم إلصاقها بالإســلام، وفـــي السيـاق التركي، يجــب النظــر إلى برنامج الحديث، ليس على أنه محاولة لإعادة تفسير الأحاديث فحسب، وإنما على أنه يمثل جزءا من المحاولات الدائبة التي تبذلها الحكومة التركية القائمة التي يقودهــا حزب ''العدالــــة والتنميـــة'' -الإسلامي الليبرالي-، من أجل ترسيخ جذوره كحزب قوي في العالم الإسلامي، يعلق ''مصطفى أكيول'' -الكاتب التركي المختص في الشؤون الدينية- على ذلك بقوله: إن تركيا تأمل في التحول إلى دولة إسلامية نموذجية، من خلال السياسات التي تتبعها، ومن خلال الطريقة التي تفهم بها الدين، خصوصا وأنه يوجد بها في الوقت الراهن طبقة وسطى متنامية، تتحول تدريجيا إلى تبني القيم العصرية في العديد من الشؤون، بيد أنها ترغب في نفس الوقت في الاستمرار في التمسك بتعاليم الدين، وأن ذلك تحديدا هو سبب زيادة الطلب على الإسلام العصري، وزيادة الطلب على تفسيرات حديثة للمصادر الإسلامية الأصلية''·

يجال شلايفر- أنقرة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا