الاتحاد

تقارير

جنوب السودان... وتحديات استغلال النفط

في ولاية الوحدة بجنوب السودان، وتحديداً في منطقة "بنيتو"، يمكن رؤية بركة كبيرة مليئة بسائل أسود يتدفق إليها من شاحنات تحمل النفط من الحقول القريبة التي تزخر بها المنطقة، وعلى بعد ميل تقريباً من البركة تظهر أعلام دول عديدة مثل الصين وماليزيا والهند والسودان وهي ترفرف عاليّاً في إشارة إلى البلدان المشرفة على استخراج النفط والشركات التابعة لها التي تنشط في جنوب السودان.
وهذه الشركات تثير مخاوف وزارة البيئة في الجنوب من التداعيات البيئية لأنشطتها، ولاسيما البركة التي استحدثت للتخلص من النفايات، حيث تتخوف السلطات من احتمال تسرب المواد السائلة إلى التربة ومن ثم وصولها إلى المياه التي تعتمد عليها القرى المجاورة في معيشتها اليومية سواء لسقي الزراعة، أو لتلبية احتياجاتها من ماء الشرب.
وقد عبر عن هذه المخاوف، "جيمس جاتلوك"، المدير العام بوزارة البيئة في جنوب السودان قائلاً: "إننا ما زلنا في طور التأسيس كوزارة ولا نتوفر على الإمكانات الضرورية لمراقبة ما يجري"، مضيفاً أن الوزارة تفتقر إلى التمويل الكافي، كما لا يتجاوز عدد الموظفين فيها اثنين.
والحقيقة أن العديد من السودانيين الجنوبيين يعلقون آمالاً عريضة على ثروتهم النفطية لانتشالهم من حالة الفقر التي يعيشونها، ولإعادة بناء بلدهم الذي دمرته حرب أهلية طويلة مع الشمال دامت لعقود عدة قبل أن تضع أوزارها بعد التوقيع على اتفاق السلام في نيفاشا عام 2005.
ومن المعروف أن السودان هو ثالث أكبر منتج للنفط في أفريقيا جنوب الصحراء، ويحظى الجنوب بثمانين في المئة من إجمالي ما تزخر به البلاد من ثروة نفطية.
ولكن، حسب الخبراء ستكون عملية تنظيم إنتاج النفط وتصديرها أحد أكبر التحديات التي ستواجه حكومة جنوب السودان، مما يثير العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت عائدات النفط في واحدة من أفقر المناطق في العالم ستعم مكاسبها جميع السكان، أم أنه ستحظى بها فقط قلة قليلة من المحظوظين كما هو الحال في العديد من الدول الإفريقية.
ومنذ التوقيع على اتفاق السـلام الذي أنهى الحرب الطويلة مع الشمال تلقت منطقة الجنوب، التي تتمتع بحكم ذاتي، أكثر من ثمانية مليارات دولار من عائدات النفط. ولكن التعامل الفعلي مع الشركات التي تستخرج النفط لن يتم إلا بحلول شهر يوليو المقبل الذي سيعلن فيه رسميّاً قيام دولة جديدة.
ومع أن الطريقة التي سيتم بها التعامل مع العقود القائمة مع الشركات لم تعُرف بعد، إلا أن وزير البيئة في الجنوب، "ويليام قرنق جينج"، يرى في الاستقلال فرصة جديدة لوزارته لاكتساب المزيد من الموارد لحماية البيئة وضمان عدم تلويثها من قبل الشركات النفطية العاملة في البلاد.
ولكن "ريس وران"، الخبير في الموارد الطبيعية الذي يعمل بإحدى المنظمات العالمية الناشطة في جنوب السودان، يحذر من "التباينات الكبيرة في المعرفة والتجربة والقوة" التي تفصل بين شركات النفط والحكومة الوليدة، وهو ما يُعقد عملية مراقبة الشركات وتطبيق المعايير البيئية اللازمة.
والحقيقة أن النفط في الجنوب ارتبط دائماً بالقتل والتهجير، ففي تسعينيات القرن الماضي أقدمت ميلشيات تردد أن الحكومة في الخرطوم تدعمها على تطهير المنطقة من الأهالي ودفعهم بعيداً لاستغلال النفط واستخراجه، وما زال النفط في المنطقة يطرح مشاكل عديدة وإن كانت من نوع مختلف عما كان في السابق.
وهذه المشاكل عبرت عنها "نياكوانا كول"، المرأة المسنة التي تعيش في إحدى القرى الجنوبية قائلة: "نحن لا نعرف شيئاً عن النفط غير أننا نعاني من المياه الملوثة"!
ويقر وزير البيئة بمشكلة التلوث التي تطال مياه الشرب وتضر بالأهالي، وقد حاول "جينج" عندما تولى وزارة البيئة في شهر يوليو الماضي التعامل مع المشكلة من خلال الزيارات التي كان يؤديها إلى الخرطوم للاجتماع بممثلي الشركات العاملة في الجنوب، مشيراً إلى أن الشركات كانت دائماً تتعهد بحل معضلة تلوث الماء ولكنها لم تلتزم بجدول زمني معين.
وفي بريد إلكتروني تلقته وزارة البيئة من متحدث باسم مجمع الشركات المشرف على استخراج النفط من حقل الوحدة في الجنوب يتعهد فيه "بسحب النفط المتراكم في البركة وترميم المنطقة في غضون عامين"، مضيفاً أن الشركة "حريصة على تطبيق أعلى المعايير... لإزالة وتقليل المخاطر المحدقة بالبيئة".
ويأمل الجنوبيون في عودة الشركات الأميركية للعمل في قطاع النفط والاستثمار في الجنوب بعدما مُنعت من العمل إثر العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على السودان، والموقف من هذا الأمر يؤكده نائب رئيس جنوب السودان، "ريك مشار" بقوله: "نريد استقدام الشركات الأميركية إلى المنطقة لأننا نسعى إلى الحصول على تكنولوجيات متطورة وتعظيم الأرباح".
ويعتقد المسؤولون في جنوب السودان أن القوانين الأميركية وجماعات الدفاع عن البيئة ستضمن احترام الشركات الأميركية للبيئة وباقي الانشغالات المحلية أكثر من نظيرتها الصينية.
ولكن مع ذلك ترى "أنجيلينا تيري"، السياسية الجنوبية التي ترأس لجنة مسؤولة عن فحص العقود النفطية مع الشركات الأجنبية، أنه لابد لحكومة الجنوب من أن تولي زمام الأمور بنفسها والعمل على تنظيم القطاع بحيث لا ينعكس الاستغلال المكثف للنفط على البيئة وحياة الأهالي.


ربيكا هاملتون
جنوب السودان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا