الاتحاد

دنيا

اتجاهات خاطئة··وأوهـام زائـفة


تحقيق ـ خورشيد حرفوش:
عكس تباين واختلاف الآراء والاتجاهات حول مشروع قانون تنظيم زواج مواطني الدولة من أجنبيات في استطلاع 'الاتحاد' الذي نشر في الثالث والرابع والخامس والسادس من شهر ابريل الماضي أهمية رأب الخلل الموجود في البنية الاجتماعية والتركيبة السكانية، وتزايد الحاجة الماسة إلى استراتيجية وطنية وشاملة لتدارك الأخطار والسلبيات الحاصلة والمحتملة من جراء الزواج من أجنبيات·
وإذا كان عدد كبيرمن الشباب والفتيات التي شملهم استطلاع الرأي قد أكدوا أهمية إعلاء الحس الوطني، فقد فرض التساؤل: 'لماذا يتزوج المواطن من أجنبية ؟ '، فان استقصاء يهدف إلى سبر أغوار الإجابة على مثل هذا التساؤل، يضع الباحث أمام تساؤلات أخرى عديدة ترتبط دون شك بالأبعاد الاجتماعية، والقيمية، والتربوية، والأخلاقية، والثقافية التي تشكل إلى حد كبير موجهات 'الاختيار' الذي يراه الكثيرون 'انحرافا' أو 'نشازا' عن قيم وثقافة مجتمع الإمارات الأصلية·
تناولنا في الحلقة الأولى أمس الافتراضات الخمسة الرئيسية التي تمثل محاور تنطوي في إطارها الأسباب التي تدفع الشباب إلى الزواج من أجنبية من خلال عينة قوامها 500 حالة من الجنسين قسمت بينهما بالتساوي، وتم تحليل الافتراض الأول الذي يرتبط بالعوامل الاجتماعية السائدة التي تؤثر بشكل مباشر في عملية اختيار الزوجة، والافتراض الثاني المتعلق بالجانب الشخصي والذاتي، والثالث المرتبط بالأفكار والاتجاهات العامة للجنسين·
ونتناول هنا مناقشة بعض الأفكار والاتجاهات العامة لدى بعض الشباب، والتي يرجح لها أن تكون سبباً رئيسياً أو مساعداً للزواج من أجنبية، إلى جانب عامل نقص الوعي وتأثيره في هذا الاتجاه، من خلال عينة الاستطلاع، مع الاشارة إلى عدد من الآراء حول التساؤل الرئيسي الذي حمله استطلاع الرأي·
ففي المحور الرابع الخاص بالأفكار والاتجاهات الخاطئة، نجد أن الفكرة السلبية (الإماراتية غير قادرة على استيعاب الحياة العصرية) لم يوافق عليها سوى (4 في المائة فقط من الذكور، في مقابل ارتفاعها نسبياً لدى الاناث بنسبة 15,2 في المائة)، والتفسير المحتمل لارتفاع هذا المؤشر لدى الاناث، هو افتقاد كثير من الاناث لمعرفة الأسباب الحقيقية، والدوافع الموضوعية لعزوف بعض الشباب عن الزواج من مواطنة، والهروب بالزواج من أجنبية، بينما ضاق هذا الفارق كثيراً، ولم يتعد أكثر من (4 في المائة) بالنسبة لاعتقاد الجنسين في أن الزواج من مواطنة يفرض المزيد من القيود والالتزامات والمسؤوليات الاجتماعية التي لا يحبذها هؤلاء الشباب، ويفتقدون القدرة على تغييرها بشكل ايجابي لكونها ترتبط بالقيم والعادات والتقاليد السائدة، فقد أيدها (42 في المائة من الذكور في مقابل 82 في المائة من الاناث)· وكما هي مؤشرات الاستطلاع نلاحظ ارتفاعها لدى الاناث لكونها الفئة الأكثر تضرراً·
أما فيما يتعلق بتوهم بعض الشباب بأن الفتاة الإماراتية الملتزمة والمحتشمة غير قادرة على إشباع رغباته، فقد أيدها30 في المائة فقط من الذكور، في مقابل 31,2 في المائة من الاناث)، وان كادت تتطابق النسبة بين الجنسين، فإنما تعكس ثبات العامل الثقافي لدى أبناء المجتمع الواحد، وتقارب ثقافتهم الجنسية مما انعكس على ثبات وتقارب الاتجاهات الخاطئة، أو الأفكار المغلوطة، وهي في مجملها نسبة تعد مرتفعة نسبياً إذ تمثل حوالي ثلث اتجاهات العينة، فالقدرة على إشباع الغرائز والاحتياجات الجنسية لا يرتبط بأي صورة من الصور بالاتجاهات الدينية أو الروحية أو العقائدية· أو بمدى التقيد بالقيم والأعراف والتقاليد، ولا بمظاهر سفور أو تبرج المرأة في أي مجتمع من المجتمعات· وهناك كثير من الدراسات والأبحاث التي أكدت عكس هذا المفهوم تماماً·
نقص الوعي
على خلاف ما كان متوقعاً، جاء عامل نقص الوعي لدى الشباب الذين يبحثون عن الزواج من أجنبية من وجهة نظر الذكور، أعلى منه عند الإناث، كما هو الحال بالنسبة لافتراض 'الإماراتية غير قادرة على استيعاب الحياة العصرية' الذي جاء لدى الاناث أعلى من الذكور، وعكس ما كان متوقعاً، وكأن الشباب الذكور من أفراد العينة أرادوا أن يمارسوا عملية النقد الذاتي على أنفسهم، واستهجنوا ورفضوا هذه الظاهرة، وأرجعوها إلى سبب 'نقص الوعي'، فقد أيد 90 في المائة منهم هذا السبب في مقابل 83,2 في المائة لدى الاناث)·
وإذا قارنا محصلة المحور الخاص بالأفكار والاتجاهات الخاطئة مجتمعة سنجد أن (22 في المائة من الذكور أيدوا هذا العامل في مقابل 62 في المائة لدى الاناث)، وهذا الفارق (4 في المائة) ظل ثابتاً تقريباً في معظم المحاور الرئيسية، وهو في حد ذاته عامل ايجابي يؤشر على ثبات الآراء، وصدق الإجابات بين أفراد العينة·
آراء
يشير صالح حسين، إعلامي إلى عامل التربية والتنشئة الاجتماعية وتأثيراتها في تكوين الاتجاهات الايجابية لدى الشباب، وبناء روح المسؤولية الوطنية، والحس الوطني، والوعي، وتقدير النتائج السلبية الناجمة عن الزواج من أجنبية وخطورتها على الفرد والأسرة وبنية المجتمع بأسره، بينما يؤكد (مانع الفندي المز روعي)، و(سيف خميس النقبي) عامل ارتفاع المهور والمغالاة في تكاليف الزواج التي ترهق الشباب إلى جانب إحساس الشاب الذي يقبل على الزواج من أجنبية بإمكانية تغيير الزوجة الأجنبية بسهولة، وإن كان يميل الثاني إلى الموافقة على أن الزواج من أجنبية يتيح قدرا أكبر من الحرية والانطلاق، والحرية الشخصية، وعدم تدخل الأجنبية في شؤون البيت والأسرة، وهي عوامل تساعد على أن تجعل من بعض الشباب يفكرون في الزواج منها، وهي نفس الأسباب التي يؤكدها (محمد الكتبي) الذي يقول إن هناك كثيرا من الشباب يريدون للزوجة أن تكون عنصرا تابعا فقط وغير مؤثر في حياتهم الاجتماعية نتيجة نظرة قاصرة إلى الزواج كمؤسسة اجتماعية، أو إلى دور المرأة الثانوي في الحياة في نظر هذه الفئة، بينما يرجع (طلال غانم) السبب إلى ارتفاع المهور إلى جانب عدم إغفال عامل الهروب من اختيارات الأهل، أو فرضها دون مراعاة لرغبة الشاب أو الفتاة، والهروب من الالتزامات الاجتماعية والقيود التي لا تمكن الطرفين من التعارف المتبادل خلال مرحلة الخطوبة فضلاً عن نقص الوعي لدى هؤلاء الشباب بشكل عام·
ومن جانبه يقول سعيد محمد سعيد، إلى جانب ارتفاع المهور وتكاليف الزواج، هناك أسباب لا ينبغي إهمالها أو تجاهلها عند تحليل الأسباب الموضوعية منها، أن هؤلاء الشباب يبهرون أو ينجرون وراء مظاهر شكلية زائفة، ويستسهلون الزواج من أجنبية وكأنهم يقتنون سيارة فارهة آخر موديل، ويتوهمون أنها أكثر جاذبية وإغراء نتيجة تبرجها، أو المغالاة في إظهار نفسها ومفاتنها وجمالها، أو الظن في أنها تتمتع بثقافة جنسية أفضل، ومثل هؤلاء الشباب ينقصهم الوعي والخبرة والحكمة أيضاً·
ويضيف، إن البعض يهرب من عادات المجتمع وتقاليده، ويبحث عن شريكة له تشاركه حياة الاستهتار، والحرية التي يتصورها، وغالبا ما تحقق له الأجنبية هذا الجانب بسهولة في مقابل حلمها وأمانيها بتحقيق مصالح معينة بالزواج من مواطن كالحصول على الإقامة، أو تحقيق مكسب مادي أو أي هدف أو منفعة أخرى، إلى جانب هروب الشباب من المسؤوليات والالتزامات والقيود التي يفرضها المجتمع وأهمها عدم إتاحة فرص الاختيار والتعارف قبل الزواج·
من جانبها تؤكد آمال قاسم أن العامل المادي يمثل أكبر عقبة أمام زواج الشباب سواء إذا كانت تتمثل في أعباء المهر أو تكاليف الزواج، وأن المنح التي يمنحها صندوق الزواج لا تصرف إلا بعد سنتين أو ثلاث من الزواج، يكون الشاب قد اقترض فيها مبالغ كبيرة من البنوك، وبفوائد ضخمة ترهق كاهله وتدخله في دوامة الديون، ويتساءل: لماذا لا نبحث عن مصادر لتمويل إمكانية وميزانية صندوق الزواج حتى يستوعب احتياجات الشباب، ويقترح مساهمة رجال الأعمال، والبنوك والشركات الوطنية، وفرض رسوم أو اشتراكات إجبارية شهرية في حدود خمسين إلى مائة درهم من كافة موظفي الدولة لتمويل ميزانية الصندوق أو التفكير في مصادر مالية أخرى تفعِّل قدرة صندوق الزواج على الايفاء بالتزاماته تجاه الشباب المقبل على الزواج·
أما مهرة عبدا لله اليعقوبي الطالبة الجامعية فتقول: بلا شك أن ارتفاع المهور وتكاليف الزواج هي أسباب ظاهرة، ومؤثرة ولكن علينا أن نتفهم، ونعترف بوجود أسباب أخرى تتمثل في نقص الوعي لدى كثير من الشباب، ولجوء البعض إلى التهرب من فرض اختيارات الأهل للزواج من فتاة من نفس العائلة أو من الأقارب في وقت يتجه فيه العالم كله إلى الحرية، والانفتاح، ولم تعد مثل هذه القيود مقبولة لدى كثير من الشباب الذي يبحث عن الحرية ويجد من هذا الزواج طريقاً له، وتوهم البعض أن الأجنبية لا تتدخل كثيراً في شؤون البيت، وسهولة اتمام هذا الزواج في السر غالباً، إلى جانب اعتباره وسيلة من وسائل الترف والوجاهة الزائفة، ووجود كثير من الأفكار الخاطئة عن الفتاة الإماراتية عند مقارنتها بالأجنبية·
وتضيف هلا سعيد ورشا بشير بجامعة زايد، سبب توهم كثير من الشباب بأن الفتاة الملتزمة أو المحتشمة غير قادرة على إشباع رغباته، أو أنها لا تصلح لأن تكون زوجة، وهو فهم قاصر وخاطئ، إلى جانب ميل كثير من الشباب إلى وجوب التعارف الجيد على الطرف الآخر قبل الزواج خشية أن يكتشف ما يخالف طبائعه وميوله بعد الزواج، وهو ما لا يتيسر للكثيرين منهم، فيلجأ إلى الزواج من أجنبية عادة في السر، أو أن يتزوج من مواطنة إرضاءً للأهل والأسرة، ومن ثم يتزوج من أجنبية لتكون له حياته الأخرى معها بعيداً عن أنظار المجتمع·

اقرأ أيضا