الاتحاد

دنيا

مزارع «الليف» في لبنان تبحث عن فرص اقتصادية

تعريض الليف للشمس

تعريض الليف للشمس

مزارعو «الليف» يقولون عن هذه المهنة، إنها تحتاج إلى مهارة ودقة عالية، لأن مراحل العمل فيها تتضمن التحضير والتجفيف و»التقشير» والنقع لإكسابه الليونة والطراوة،تلي ذلك مرحلة تزيين المحصول وتسويقه أو تصديره، كونه من المهن التقليدية التي أخذت تنحصر في عدد من المناطق اللبنانية، وتشكل جانباً من التراث الشعبي.

تعد زراعة «الليف»، إحدى الزراعات اليدوية التقليدية، حيث تتموضع بعض المساحات المتناثرة، في حارات المدن والأرياف والأحياء الشعبية، الأمر الذي يستوجب إعطاء هذه المهنة التقليدية، المزيد من الاهتمام والمتابعة، للحفاظ على بقائها على قيد الحياة، ومنعها من الاندثار باعتبارها من الموروثات الشعبية بالإضافة إلى أهميتها في الاقتصاد إذا أحسن استخدامها.

زراعة الليف
في العامية، يسمونها «الليفة» او «الليف»، وبالفصحى يطلقون عليها اسم «اللوف»، وفي كلا الحالتين هي نبتة ترش بذورها «شتلات» تنمو وتتسلق الجدران، وصولاً إلى سطوح المنازل، بعد أن تربط بخيوط رفيعة، من اجل التماسك والتمدد بسرعة قياسية، فيصل في بعض الأحيان طولها إلى أمتار عدة. و»الليف» نبات نشيط يتجاوب مع البيئة والمناخ، ويتميز باستخدامات كثيرة من أهمها، تنظيف الجسد عند الاستحمام، وصنع الحبال، وجلي الأواني. أما ثماره فيقال إنها تصلح للأكل حين تكون صغيرة، بعد أن تغلى على درجة حرارة معينة، لكن عندما تنضج وتكبر تصبح قاسية. ويقال إن أوراق «الليف» (الليفة) عند طحنها، تطرد الحشرات والجراثيم نظراً لرائحتها التي تمجها هذه «الميكروبات» الصغيرة.
المزارع سعيد سرحال يعمل في هذه المهنة منذ أكثر من ثلاثين سنة، وشكلت بالنسبة لديه جانباً مهماً على صعيد حياته الاجتماعية والحرفية، كونه اكتسبها من والده وأجداده منذ عشرات السنين، مشيراً إلى أن العمل بها يحتاج إلى مهارة فقط؛ فنبتة الليفة تزرع بسهولة في الأرض، وتنمو وتكبر بسرعة، وتربط ساقها من أجل أن تمتد، وهي تفضل المناخ الحار ويستحسن أن يكون موقعها في مكان مغطى لدرء أشعة الشمس، خصوصاً إذا كانت محرقة، والنبتة بحاجة إلى ري وفير وماء غزير في المراحل الأولى، أما المناطق التي تشهد صقيعاً فيجب زراعتها في أوعية وأحواض، على أن تنقل فيما بعد أي في فصل الربيع إلى الحدائق والبساتين، لاسيما وأن البذور تنمو بسرعة ومن الأفضل نقعها في المياه لمدة 48 ساعة قبل الزرع لمساعدتها على مجابهة الطقس السيئ، وموجات الصقيع والثلوج.
ويوضح سرحال أن نبات الليف يظهر من شهر يونيو حتى شهر سبتمبر، ويمتاز بثمار اسطوانية الشكل عليها خطوط طويلة، يظهر منها تجعدات لونها أخضر، مشيرا إلى أن «الليف» محصول اقتصادي جيد المردود متى عرف استغلاله في الزراعة، وله قيمة تجارية في الأسواق.

تحديات «الليف»
التاجر ماجد بيضون يتعاطى مهنة بيع «الليف»، ويقول عن هذه المهنة التي ورثها عن والده، وهي مستمرة حتى الآن ولو بصعوبة نظراً للعقبات وللتحديات، «لم أرغب في تعليم أولادي المهنة، بسبب صعوبتها ومردودها الذي هو أقل من الاحتياجات اليومية، وكما قلت إن الإيراد المالي يجعلنا غير متمسكين بها لنحاول توريثها، خصوصاً بعد ظهور عدة أنواع حديثة من الليف، فاقتصر بيع المنتوجات على من يقدر هذه السلعة في عملية إزالة الأوساخ والتنظيف والاستحمام».
وحول مراحل نموها والآليات التي تمر بها، يقول بيضون إن الشتلة تكبر ببطء عندما تكون صغيرة، لكن حالما تستقر جذورها في التربة تتبدّل، وبعد حوالي ثلاثة أشهر من الزرع، تزهر «الشتلات» وتبدأ ثمار «الليف» بالظهور، وتحصل عملية البروز بشكل متوالي مرة تلو اخرى، وتعتمد أزهار «الليف» على النحل، لكي تتم عملية التلقيح، حيث تذبل بعضها وتتساقط عن النبتة، وهذا شيء طبيعي وتبقى الأخرى لتكوّن ثمار «الليف». وعند التكوين يكون الشكل شبيه بحبة «الخيار»، لكن بعدها يصبح الحجم مضاعفاً عدة مرات، وعندما يتحول لون الثمار من الأخضر إلى الأصفر، وعند يباس القشرة، فإن موعد القطاف يكون قد حان، ومن المستحسن في هذا المجال عدم الاعتماد على مسألة اللون فقط لدى هذه المرحلة، لأن ثمار «الليف» عندما تكون خفيفة، فهذا يعني أنها نضجت. ويضيف «قد نرى ثماراً كبيرة الحجم والوزن لكن عملية النضوج لم تكتمل وأخرى صغيرة وناضجة».
ويضيف بيضون أن الثمار تقطف وتصبح جاهزة لـ»التقشير»، وإذا قطفت في وقت مبكر فيجب وضعها في مكان جاف ومشمس وهي معلقة في الهواء، حتى تصبح عملية تقشيرها سهلة، ومن الممكن نقعها في الماء لمدة يوم واحد فهذا يسهّل من نزع الثمار عنها. أما البذور السوداء الصغيرة التي نراها داخل قشرة «الليفة»، فيمكن الاستفادة منها عبر زرعها من جديد لإنتاج جيل آخر من «الليف».

التربة الصالحة
يعتبر «الليف» من المحاصيل الزراعية المطلوبة كثيراً، وذات القيمة التجارية في لبنان والخارج، وأهميته لا تنحصر في التنظيف والاستحمام فقط، بل أن فوائده انتقلت إلى «حشو» مقاعد السيارات وأثاث المنازل، وأيضاً باتت تستخدم في المصافي الخاصة بالبواخر والزيوت والمياه، إلى جانب استعمالاته كبطانة للأحذية، وكطبقة تمتص العرق. ويزرع «الليف» في جميع الأراضي الخالية من الملوحة، وفي الأراضي الرملية، وتبدأ زراعته في شهر فبراير وتحرث ارضه مرتين حتى تنعم التربة. أما طريقة الزرع فتتم عبر جمع 6 أو 7 عيدان من الغاب، بعد إقامة أعمدة موصولة ببعضها، حيث تجهز القوائم من خشب يسمى «السنط» أو «الكازولينا»، الذي يدهن بعضه بالقار، لحمايته من التآكل، ويختلف الوضع بالنسبة للمساحات الكبيرة والواسعة، التي يفضل فيها تقسيم الحقل إلى عدة أقسام مع ممرات بينها، بحيث تصبح أسلاك كل قسم منفصلة عن الآخر لتفادي أي ضرر من ميل إحدى القوائم. وهنا يأتي دور البذور التي تخلط مع التربة الزراعية والسماد، وتزود بالري كل يوم أو يومين حتى يتم نقلها إلى المكان المستديم، حسب مصطلح الزرع، وبعد 40 يوماً يصبح طول النبتة (20 سم تقريباً)، وتبدأ بحمل «تكاعيب» شبيهة بتكاعيب العنف. وتختلف تربة الأرض في هذه الحالة، فهناك تربة صفراء تسقى بالماء كل ثلاثة أيام، ورملية تروى كل يومين حتى بلوغ النبتة طول الـ80 سم، عندئذ يجب الري كل ثمانية أيام في الأراضي الثقيلة، وستة أيام في الأراضي الصفراء، وأربعة أيام في الأراضي الرملية، حتى يتم نضوج المحاصيل، وبعدها تأتي عملية الفرز النهائية من اجل الجمع ونزع «القشرة» وإعداد النتاج إلى الأسواق في عملية بيع وشراء المحاصيل والاستعداد لموسم آخر من زراعة «الليف».

اقرأ أيضا