الاتحاد

تقارير

الديون الأميركية··· في قلب الأزمة المالية

الديون الأميركية··· في قلب الأزمة المالية

الديون الأميركية··· في قلب الأزمة المالية

في سعيها لمواجهة الأزمة المالية، منحت الولايات المتحدة ثقتها، وتسهيلاتها الائتمانية، لشريحة تزداد اتساعاً على الدوام في القطاع الخاص بدأت بملاك البيوت، ثم البنوك، والآن شركات السيارات، وعما قريب سوف يضطر الرئيس الأميركي المنتخب لاستخدام بطاقة الحكومة الائتمانية، ومعها حزمة حوافز مالية ضخمة لتعزيز الاقتصاد· وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوات، فإنها تثير مخاوف وتساؤلات مثل: هل تستطيع الولايات المتحدة سداد هذه الديون؟
المعنى الذي يوحي به هذا السؤال قد يبدو في نظر البعض عصياً على التصديق· فالعجز عن سداد الديون أمر قد يحدث من جانب جمهورية من جمهوريات الموز ، أو دولة فقيرة من دول أفريقيا· أما أن يحدث من جانب الولايات المتحدة، التي تملك أكبر وأغنى اقتصاد في العالم، كما تمتلك نظاماً قانونياً مستقراً، وسياسات اقتصادية مسؤولة، وتحظى بتقييم ائتماني عالٍ، وتوصف سندات خزينتها دائما بأنها ''خالية من المخاطرة'' علاوة على أنها تتمتع بميزة الاقتراض بعملتها ''الدولار''، الذي تفضل معظم دول العالم المحافظة على احتياطياتها النقدية به· اتفق مع كل هذه، ومع أن عجز أميركا عن سداد ديونها أمر غير محتمل، ولكن ما أود لفت النظر إليه هو أن هذه الفكرة لم تعد ''غير قابلة للتفكير فيها'' مثلما كان عليه الحال في السابق· فبفضل ظهور ما يعرف بالمشتقات الائتمانية (عقود مالية تسمح للمستثمرين بالمضاربة على، أو التحوط من المخاطر المالية ومنها العجز عن سداد الدين)، أصبح بمقدورنا إدراك الطريقة التي ينظر بها العالم إلى أميركا، ومعرفة توقعاته بشأن احتمال عدم قدرتها على الوفاء بديونها· ففي الأسبوع الماضي على سبيل المثال، حدد خبراء في الأسواق المختلفة أن نسبة عجز الولايات المتحدة عن سداد ديونها سوف تصل إلى 6 في المـئة خلال السنوات العشر القادمة، مقارنة بواحد في المئة فقط منذ عام واحد· لأسبـــــاب فنيــــة بحتـــــة، لا يمكننا اعتبار أن ذلك يمثل قراءة دقيقة لرؤى المستثمرين، غير أن الاتجاه حقيقي، ويتجسد في النهاية في مخاوف جوهرية·
أهم تلك المخاوف هي الزيادة الكبيرة المتوقعة في الدين الفيدرالي: كان هذا الدين يدور حول 41 % من الناتج القومي الإجمالي في المتوسط منذ العام 1965حتى الآن· ومن المتوقع له أن يصعد وفقاً لبيانات الجهات الإحصائية الفيدرالية إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول ،2010 وهي أكبر نسبة تصل إليها خدمة الديون منذ خمسين عاما، وتحديداً عندما كان الاقتصاد الأميركي برمته يعمل من أجل خدمة الديون التي تراكمت بسبب الإنفاق الهائل على تكاليف الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية·
السبب الثاني الرئيسي المثير للقلق، هو أن الحكومة الفيدرالية قد اضطلعت بمسؤولية عدد ضخم مما يعرف بـ'' الالتزامات الطارئة''(قروض وضمانات لا تصبح حقيقية إلا عندما يعجز المقترض عن السداد وحينها تصبح الحكومة الفيدرالية هي الملزمة بالسداد بالنيابة عن المقترض المتعثر)، والمشكلة بالنسبة لتلك الالتزامات الطارئة هو أنه كلما ازدادت حالة الاقتصاد سوءا، كلما زاد احتمال تحول بعض من تلك الالتزامات إلى التزامات دائمة·
أليست هناك حالات سابقة في التاريخ عجزت فيها الولايات المتحدة عن السداد؟ لم يسبق لأميركا أن عجزت عن سداد دين في تاريخها، ولكنها قامت مرتين من قبل بتغيير شروط سداد الدين وذلك حسب دراسة أعدها كل من ''كارمن إم· رينهارت'' من جامعة ميريلاند، و''كينيث إس· روجوف'' من جامعة هارفارد· كانت المرة الأولى عام 1790 عندما وجد الشعب الأميركي نفسه يتحمل الديون التي تراكمت على الدولة إبان الحقبة الكولونيالية مما اضطره إلى تأخير سداد الفوائد لمدة 10 سنوات· أما المرة الثانية، فقد حدثت أيام ''فرانكلين دي· روزفلت'' إبان الكساد الكبير عام ،1933 حيث قامت الحكومة الفيدرالية ـ بسبب عجزها عن سداد ديونها ـ بتخفيض قيمة الدولار بنسبة 41% مقابل الـذهب·
وترى''رينهارت'' أن هذين النموذجين يدلان في حد ذاتهما على أن هناك صوراً أخرى للإخفاق في السداد غير الصورة الصريحة المباشرة، وأنه من غير المرجح إلى حد كبير أن تعجز الولايات المتحدة عن سداد قيمة سندات الخزينة المستحقة عليها· ولكن ذلك العجز وارد على مستوى ''الهامش'' كأن تعجز حكومة ولاية صغيرة أو كيان مدعوم فيدرالياً عن السداد· ويقول خبراء الاقتصاد إن مستوى الديون ليس هو فقط العامل الوحيد الذي يؤثر على مصداقية الدولة وقدرتها على سداد الديون المستحقة عليها، وإنما أيضاً أداء الاقتصاد وحجمه اللذين يحددان الموارد التي يمكن أن تلجأ إليها الحكومة لسداد الديون المستحقة عليها·
كما يـُشار هنا أيضاً إلى أن النمو الاقتصادي كان هو العنصر الحاسم في خفض نسبة الدين الأميركي مقارنة بالناتج القومي الإجمالي، وذلك بعد ان كانت هذه النسبة قد وصلت إلى 109% عام 1946 بسبب نفقات الحرب العالمية الثانية الهائلة ثم انخفضت تدريجياً وباضطراد بسبب الازدهار الاقتصادي الذي تلا هذه الفترة جراء التخلص من الأعباء العسكرية· أما المرة الثانية التي وصلت فيها تلك النسبة إلى ذروة عالية فكانت خلال الفترة من 1981 و،1993 وذلك عندما ارتفعت من 26% إلى 49% ثم انخفضت بعد ذلك بسبب انتهاء الحرب الباردة التي كانت تكلف الولايات المتحدة نفقات باهظة ثم فترة الزيادات الضريبية، والازدهار الاقتصادي طويل الأمد في عهد الرئيس بيل كلينتون·
من المتوقع أن يتكرر ذلك بالطبع، ولكننا يجب أن نعرف إنه إذا تكرر فسوف يكون على نحو أسوأ مما كان عليه· وفي ورقة أخرى ذهب كل من ''رينهارت'' و''روجوف'' أن الأزمات المصرفية التي تقع في مختلف أنحاء العالم عادة ما تكون مسبوقة بارتفاع في حجم الديون لمستويات قياسية·
ما المغزى الذي نخرج به من ذلك؟ المغزى هو أن إدارة أوباما القادمة يجب ألا تركز على تخفيض الديون في الوقت الراهن، لأنها لو فعلت ذلك فسوف تقوض احتمالات تعافي الاقتصاد الحقيقي· ففي الوقت الراهن حيث تحاول الأسر والمشروعات الأميركية على حد سواء تقليص إنفاقها، وزيادة مدخراتها فإن الحكومة الفيدرالية يجب أن تفعل العكس تماما، أي أن تنفق أكثر، وتوفر أقل·
خلاصة القول، إن احتمالات عجز الولايات المتحدة عن سداد الديون المستحقة عليها تبقى بعيدة الاحتمال للغاية· ولكن كونها كذلك، لا يعني أنها مستحيلة وهو ما يدفعنا بالتالي للقول إن أفضل طريقة لإبقاء هذا الاحتمال بعيداً قدر الإمكان هو أن يتعهد صناع السياسة بتخفيض العجز، بمجرد أن تنتهي حالة الركود، وأن يلتزموا بعهدهم هذا بعد ذلك·

جريج إب
المحرر الإقتصادي في مجلة الإيكونوموست
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس وواشنطن بوست

اقرأ أيضا