الاتحاد

دنيا

العرب ينفقون المليارات على توجـيه الإعلام لا تطويره

القاهرة ـ محمد عز العرب:
النظرة الجزئية للأمور مشكلة كبيرة في فكر كثير من المثقفين العرب فعندما يعقدون ندوة حول دور الإعلام في الاصلاح يرددون نفس المقولات حول ضرورة فتح الباب لاصدار مزيد من الصحف وتدريب الكوادر الإعلامية في الإذاعة والتليفزيون وتغيير القوانين والتشريعات واصدار مواثيق الشرف ومراعاة الضمير المهني الإعلامي·· وكلها مثاليات مطلقة واقوال مرسلة يرددها العامة على المقاهي·· وينسى هؤلاء المثقفون وقادة الرأي دائما ان المسألة صفقة كاملة نقبلها كلها أو نرفضها كلها وان الحال المائل ينبغي اصلاحه كله لا بالقطعة·· وان الظل لا يمكن ان يستقيم والعود أعوج·· لذلك فان كل الجهود المبذولة لإقامة الظل وجعله مستقيما مجرد عبث وجنون بلا جدوى·
وحول دور الاعلام في الاصلاح أكد الكاتب الصحفي عبداللطيف المناوي أن الاعلام عندما يكون قادرا على توصيل مشاعر المجتمع ونقل همومه وآلامه وطموحاته الى متخذي القرار سوف تتغير الاحوال ويقتنع المسؤولون بأهمية الاصلاح وذلك لن يحدث إلا لو حصل الاعلام على قدر كبير من الاستقلالية وتخلى عن النفاق والدوران في فلك الحكومة·
وقال ان الاعلام الان يعاني عزلة دائمة عن المجتمع ويسير حسب اهواء وميول وتوجهات البعض والصحف القومية المصرية مثلا تفتقد الروح والرغبة في التطوير والتغيير والاستفادة من الكفاءات ويرجع ذلك الى البيروقراطية التي تحكم نظام العمل بالمؤسسات الصحفية القومية·
واوضح ان المشكلة الاساسية للصحافة الحزبية تتمثل في الولاء الاعمى وصارت بعض الصحف بوقا لقيادات الحزب والصحف المستقلة هي الجزء الحي والفاعل في الصحافة المصرية لكنها تبحث عن التوزيع وتستخدم الاثارة والابتزاز·
وطالب بتنشيط دور نقابة الصحفيين والتفريق بين الاعلانات والتحرير وحماية الصحف من السلطة وحماية المواطن من الصحافة وإعمال ميثاق الشرف الصحفي وتعديل القوانين المقيدة للحريات بحيث تكون حامية للصحف وحامية للأفراد من الصحف·
وأكد ان التليفزيون المصري لا يخلو من الكفاءات وهو أحد اضخم المؤسسات الاعلامية في العالم العربي والبداية الحقيقية للاصلاح في التليفزيون ان يضع القائمون عليه مصلحة المواطن أولا·
وقال ان الأمال كانت معلقة على القنوات التليفزيونية الخاصة في تحريك المياه الراكدة لكنها لم تستطع ان تتعامل مع متطلبات المجتمع وبقيت في عزلة عن المواطنين ومشاكلهم وهمومهم وصارت نسخا مشوهة للتليفزيون الحكومي·
وأكد ان بداية الاصلاح تتمثل في النقد الذاتي وان يمارس الاعلام دوره في الاصلاح بشكل عام الى جانب اصلاحات داخلية في الاعلام نفسه·
لاإعلام بلا حرية
وقالت د· ليلى عبدالمجيد -استاذ الاعلام بجامعة القاهرة- ان الاعلام لكي يقوم بدوره في خلق المناخ الملائم لعملية الاصلاح لابد ان يكون حرا بلا فرض لارادة السلطة السياسية والاقتصادية أو الثقافية أو سيطرة قيم وتقاليد متخلفة مشيرة إلى ان الاعلام الوطني فاقد للمصداقية ولا يعبر عن رغبات المشاهدين ولابد ان يعبر عن القوى السياسية والاجتماعية داخل المجتمع وان يكون مسؤولا ولا ينصرف الى تحقيق الارباح وان يبتعد عن حملات التشويه والافتراء·واكدت على ان الصحافة الحرة هي صمام الامان للديمقراطية واساس عمل الاعلام الحر هو النقاش والنقد البناء وإدارة حوار حول كافة القضايا بين المجتمع والحكومة أو المعارضة والحكومة وقبول الاختلاف وتأكيد حق المواطن في المعرفة وذلك يتطلب ان تكون هناك حرية في تداول المعلومات وتوفيرها ونقلها الى الرأي العام·
واوضحت ان الاعلام الصحيح هو المباشر غير الدعائي ولا التابع للحكومة أو للقطاع الخاص وان يكون مبادرا لطرح المشاكل واقتراح الحلول وان يسهم في ترتيب اجندة اولويات المجتمع وتحديد الاهتمامات الحقيقية بما يتفق مع ضرورات التغيير·
وقالت ان الاعلام المصري تغلب عليه برامج التسلية والترفيه والدراما أصبحت مستفزة فالمسلسلات تصور في فيلات فاخرة ويرتدي الممثلون ملابس لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا رغبة في تحقيق الارباح وجلب مزيد من الاعلانات الى جانب تغليب الاثارة على حساب الاهتمام بالقيم الاجتماعية· كما ان هناك تنميطا في الإعلام سواء في صورة الرجل والمرأة مما لا يساعد في الاصلاح او يبرز الحوار بين فئات المجتمع ولم يعد التليفزيون يقدم القدوة للشباب والاسرة وحوَّل بعض النماذج الشاذة الى نماذج مشرفة·واتهمت الإعلام المصري بالوقع في فخ الاستسهال وعدم ادراك بعض الاعلاميين لما يقومون به من رسالة سامية الى جانب وجود حالات من الابتزاز التي لا تتناسب مع شرف المهنة· مؤكدة ان هناك تحديا للاعلام الوطني في عصر العولمة والحفاظ على الهوية الثقافية والذاتية الوطنية بدلا من ترسيخ النموذج الغربي والثقافة المغايرة للثقافة العربية والاسلامية وتقديم نماذج فكرية وثقافية من خلال الاعلام للشباب·
وقالت د· ليلى عبدالمجيد: لقد وقعنا ضحية لخطاب إعلامي انفعالي غير منضبط من خلال الفضائيات العربية يضحى احيانا بالمبدأ من أجل كسب الشارع حيث تحولت بعض الفضائيات إلى حلبة مزايدات شارك فيها الجميع وغاب عنها الصدق والموضوعية، فالإعلام العربي يتجه إلى تعبئة الشارع ثم يعود لينقل ما يحدث في الشارع فالأخطر من نفاق الحاكم نفاق الشعوب·
طريق الخصخصة
وقال رجل الأعمال نجيب ساويرس أن الإعلام المصري سوف تتم خصخصته، إن آجلا أو عاجلا، والحكومة رفضت في الماضي خصخصة الاتصالات بحجة انها مسألة أمن قومي، وتغير هذا المفهوم، وبالمثل سوف يتغير مفهوم خصخصة وسائل الإعلام خاصة واننا نعيش عصر السماوات المفتوحة، مشيرا إلى انه أول من طرح على وزارة الإعلام المصرية خصخصة عدد من القنوات التابعة للتليفزيون المصري عن طريق طرحها في ممارسة عامة مع وضع شروط لمن يريد تملكها، كأن توضع محاذير بعدم التعرض للأديان، أو إذاعة مواد جنسية، وألا تكون لمن يشتري القناة سوابق جنائية أو علاقات خارجية مشبوهة·
وأضاف ان وزارة الإعلام فتحت مناقشات معه في هذا الشأن، ولكن هذه المناقشات اثارت الكثيرين ممن لهم مصالح بعينها داخل التليفزيون المصري موضحا ان القنوات المحلية من الثالثة حتى الثامنة تخسر سنويا 200 مليون جنيه في حين انها يمكن ان تحقق أرباحا معقولة، لأن هذه احدى سمات اقتصاد السوق الحرة التي تختلف عن النظام الاشتراكي· ففي حين يتدنى المستوى لدى القطاع العام باعتبار ان الرواتب ثابتة فان القطاع الخاص لديه مصلحة في ان ينمو مشروعه·
وطالب بان يكون هناك فكر جديد يضع ضوابط لتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية وانهاء احتكار الحكومة لقطاع الإعلام·
وحول اهتمام رجال الاعمال بقضية تطور وسائل الإعلام باعتبارها نوعا من الوجاهة الاجتماعية أوضح ساويرس ان فكر رجال الأعمال يتعدى هذه المفاهيم وينظرون إلى المسألة من منطلق المكسب والخسارة ولابد ان تكون هناك ضوابط معينة لاعطاء رخص لقنوات تليفزيونية·
مشكلات رقابية
وأشار عبدالوهاب بدرخان -نائب رئيس تحرير جريدة 'الحياة' اللندنية- إلى الدور والضعيف الذي يلعبه الإعلام حيث لم يكن يحسب للرأي العام العربي حسابا ولم يعطه أي اهتمام لكن الاوضاع تغيرت في السنوات الأخيرة بسبب الحروب بين وسائل الإعلام العربية والغربية·
وأكد انه لا يمكن ان نتخيل حريات صحفية دون تحرك مواز في كافة القطاعات، مطالبا الإعلاميين بمراجعة ما يقدمونه واخذ الدروس والعبر منه والاستفادة من المشكلات التي يواجهونها حتى يتحسن الاداء المهني ونقترب من الإعلام الحقيقي الذي يعتمد على الموضوعية والمهنية والدقة لان الإعلام الرسمي يعتمد على البيانات الحكومية فقط·وقال الكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني ان الصحافة العربية سواء التي يتم التحكم فيها عن طريق 'ريموت كنترول' أو تلك التي يتم التحكم فيها من المنبع أي مكان صدورها، تعاني مشكلات عديدة، مشيرا إلى ان الهواجس التي كانت سائدة في الثمانينات من القرن الماضي ماتزال مطروحة حتى الآن، وهناك قضايا بالغة الحساسية تمنع الاقتراب من الدين والجنس والسياسة والحاكم·
وأوضح ان الأنظمة العربية اتسمت بالذكاء حينما نقلت الرقابة المفروضة على المؤسسات الصحفية إلى رئيس تحرير الصحيفة التي تصدر عن هذه المؤسسة أو تلك·وأكد ان احدى المشكلات الاساسية في عالمنا العربي هي صرف مليارت الدولارات على توجيه الإعلام وليس تطويره، حيث ينفق القليل على الخدمات الاساسية، وتلك مأساة·وقال جمال الشاعر -رئيس قناة النيل الثقافية- ان هناك مثلث رعب يتمثل في الأموال والحرية والأدمغة، وهو المثلث الذي يحكم الإعلام في، معبرا عن اعتقاده بان اقتصاد السوق يجعل القنوات التليفزيونية التي يمولها رجال أعمال ليست بالضرورة ايجابية مثلما يكون رأس المال وطنيا خالصا يتحرك مدفوعا بمسؤولية اجتماعية تحرك القناة أو الإعلام·
وأشاد بهامش الحرية المتاح على الشاشات الفضائيات العربية وما اثارته من حوارات ثقافية ومجادلات فكرية تعرض وجهات النظر المختلفة والمتعارضة وتنقل الرأي والرأي الآخر·
وأشار إلى عزوف المثقفين والمفكرين العرب عن المشاركة في الإعلام، لانه لا يعبر عن طموح العالم العربي، داعيا إلى استثمار الأدمغة والنخب العربية في طرح أفكار اصلاحية بشأن الثقافة والإعلام، لاسيما وان المعركة الخارجية شرسة في ظل سيطرة الصهاينة على وسائل الإعلام العالمية وقدوتهم على رسم صور مخالفة للواقع وهو ما يفرض علينا التحرك مباشرة وتوصيل رسائل محددة من خلال برامج اخبارية وتحليلات سياسية وأفلام تسجيلية وعروض سينمائية للعالم، حتى لا نترك الساحة لآخرين·

اقرأ أيضا