الاتحاد

دنيا

خالد الحوسني يهزم المرض ويحلم بأن يصبح معلماً

 والدة الحوسني تتحدث عن تجربتها مع مرض ابنها

والدة الحوسني تتحدث عن تجربتها مع مرض ابنها

بالحب والعطاء والإرادة المجبولة بالإيمان، استطاعت أم خالد أن تطبّق البيت الشعري الشهير: الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق. فأعدت ابنها خالد وواصلت تعليمه حتى أخرجته من ثوب المرض و”التوحد” وألبسته رداء العافية والتفوّق، ليصبح ندا وشبيها برفاقه الأسوياء في كلّ سلوكياته وتصرفاته. أضحت أم خالد الحوسني مثالا مشرفا للأم الصابرة المتفائلة التي تعمل بدأب من أجل تحدّي المرض الذي رافق ابنها مع الولادة، لتثبت أن للأهل والأسرة ولا سيما الأم دورا عظيما في مساعدة المرضى والمعاقين والأخذ بيدهم لإخراجهم من ظلمات المرض إلى نور الصحة والعافية.

سنوات كثيرة من عمرها، أفنتها أم خالد في العمل واصطحاب ابنها إلى المراكز المتخصصة، وهي موقنة ومؤمنة بأن الله يسمع دعائها ويرى سعيها في سبيل ابنها، وأنه سوف يحقّق مرادها بتغيير حال خالد إلى الأفضل، وهو ما تحقّق أخيرا بالحب والإرادة وبالإيمان الكبير.
قلق وخوف
عن تجربتها كأم مع مرض ابنها خالد ومعاناتها مع مرض “التوحد” الذي ولد معه تتحدث أم خالد، قائلة: “بدأت ملامح ومؤشرات مرض التوحد تظهر على خالد في سن مبكرة، فكان يعاني من مشاكل صحية كثيرة وصعوبة في النطق والتخاطب والتواصل مع الآخرين، ما أصابنا بالقلق والخوف والتوجس فقد كانت تجربة جديدة بالنسبة لي مع المرض، فضلا عن أن دمج شخص مصاب بالتوحد هو مهمة صعبة على المتخصصين فما بالك بالأشخاص العاديين الذين ليس لهم دراية أو إلمام بالأمر مثلي، هذا بالإضافة إلى صعوبة التجربة على الأم بشكل خاص”.
وتواصل القول: “لقد تعرضنا للعديد من الصعوبات والتحديات في موضوع المرض، لكنها كلّها تحطمت على صخرة الإرادة والإيمان، واستطاعت أمواج الحب والعواطف الجياشة أن تقذفها إلى شاطئ الأمان أخيرا، إذ ألحقنا خالد بالمراكز المتخصصة في علاج التوحد منذ وقت مبكر، حيث كان ما يزال في سن السابعة من عمره، فكان من أوائل الطلبة الذين خضعوا لعملية الدمج المجتمعي، وكان الدمج وقتئذ يمثل المرحلة الأولى ثم تلتها مرحلة الدمج الأكاديمي بالمدارس، وبفضل ذلك أصبح خالد شعلة من الحياة ومشروعا قابلا للعطاء، فقرّت عيني وأنا أراه يخطو خطوة خطوة على طريق التفاعل والتواصل مع أقرانه ومحيطه الحيوي”.
نبوغ وتفوّق
وتواصل أم خالد القول بأن ابنها أصبح طالبا متفوقا ليس على أقرانه المتوحدين فحسب، بل وكذلك على زملائه الأسوياء، وقد ظهر هذا التميّز والنبوغ منذ اللحظات الأولى لدمجه في فصول وزارة التربية والتعليم، حيث استطاع أن يحقق نتائج مبهرة في المجال الأكاديمي، وهو لا يكتفي بذلك إنما يسعى لتأكيد حضوره من خلال مشاركاته العديدة في جميع الأنشطة المدرسية مثل الإذاعة المدرسية الصباحية والرحلات والأولمبياد على مستوى المنطقة.
أما على صعيد حياته الاجتماعية – تواصل أم خالد القول: “الحمد لله رب العالمين، فقد استطاع خالد أن يعزز صداقاته مع المحيط، وتمكن من إنشاء صداقة خاصة مع أحد الطلاب، منذ كان في الصف الثالث الابتدائي، حيث يتعاونان على كل شيء ويهتمان بشؤون بعضهما البعض، كما أن خالد يستطيع التجول في المراكز التجارية وحده وهو قادر على دخول مراكز الترفيه والاستمتاع بها دون مساعدة أحد، كما أنه قادر على التسوق وشراء ما يحتاجه ودفع النقود وتمييز الأشياء بكل ثقة، إلى ذلك فإن جميع تصرفاته تدلّ على أنه شاب سوي عادي لا يختلف عن أقرانه أبدا، وهو يزاول حياته بشكل طبيعي وينتقي بنفسه ما يريد أن يتناوله من الأطعمة”.
وعن الدور الذي لعبته المدرسة والمجتمع في تأهيل خالد ومساعدته ليتخطى حاجز التوحد، تتحدث أم خالد بالقول: “الحقيقة أن جميع من كان لهم علاقة مباشرة بخالد سواء على صعيد المدرسين والمسؤولين أو في محيطه المجتمعي كانوا آية في العطاء والتعاون، ومثالا مشرفا على تآزر وتكاتف مجتمعنا وقدّموا، جزاهم الله خيرا، كل مساعدة ودعم ممكنين، وأنا أرجع هذه الوقفات المشرفة إلى تنامي الوعي والثقافة المجتمعية بشأن التعاطي مع المعاقين حيث ارتفع منسوب الاهتمام بهذه الفئة، وذلك نابع من إيمان المجتمع بأهمية دمج هذه الفئة وإحياء قدراتها، حيث تخلّص المعاقون من نظرات الشفقة والعطف المجتمعي وأصبحوا يحظون بمعاملة علمية منهجية قائمة على مبدأ الحق في الحياة وفي مشاركة المجتمع والتفاعل مع مكوناته.
كما تحولت مفاهيم الشفقة إلى مبادئ الفخر والاعتزاز بما حققه أبناؤنا المعاقون بفضل الله أولا وبرعاية قيادتنا ومؤسساتنا المتخصصة وفي مقدمتها مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة”.
مشروع للحياة
من خلال تجربتها مع ابنها، تقدم أم خالد مجموعة نصائح توجهها لكل أم لديها ابن معاق، تقول فيها: “كلّما ارتفع مستوى إيمانك برسالتك كأم، وكفرد مهم في المجتمع كلّما كانت النتائج التي تحققينها عظيمة، فعليكِ أن تتحلّي بالإيمان والصبر والإرادة، وأن يكون لديك مشروع للحياة، يجب أن تصنعي بيديك مركب النجاة من اليأس وأن تمخري عباب المستحيل لأن شاطئ الأمان والنجاح موجود، ومهما كانت إعاقة ابنك يجب أن ترتقي بحس المسؤولية والرعاية والمتابعة المنهجية الهادفة لتنمية قدراته، فما دام الإنسان يتنفس فليس هناك عجز مطلق، وقد تعلمت من تجربتي أن الموت الحقيقي هو أن تنظر إلى نفسك وإلى غيرك على أنهم خارج خارطة الحياة وهم أحياء بالفعل، وخاصة أولئك المصابين بمرض التوحد، فهؤلاء يمتلكون قدرات عقلية أكبر مما نتوقع لكنهم يحتاجون إلى شعلة لإيقادها من جديد”.
تتابع قائلة: “أنصح كل أم وأب وأخ وأخت بأن لا يخجلوا من إعاقة أبنائهم لأن الناس ليسوا أصحاب القرار في أن يكونوا أسوياء أو معاقين، وإنما هي إرادة الله، لذلك عليكم ألا تفوتوا أي فرصة لاصطحاب أطفالكم المتوحدين إلى الأماكن العامة فهذا يساعدهم على التواصل الحقيقي مع محيطهم الحيوي والمجتمعي، لا سيما وأن الدراسات أثبتت أن أكثر من 90% من المصابين بالتوحد لديهم القدرة على الشفاء التام من هذا الداء.


فضل المعلم

تشير أم خالد إلى أن ابنها يمارس حياته مثل أي طفل عادي داخل محيط الأسرة، وهو دائم الانشغال بإخوته ويسأل عنها وعن أبيه في حال غيابهما، كما يشتاق لإخوته عندما يسافرون، وهو يفيض حبا وحنانا وعلاقته وطيدة بكل أفراد الأسرة.
إلى ذلك يمارس خالد العديد من الهوايات مثل كرة السلة والكاراتيه و”الجوجيتسو” ويجيد اللعب بالألعاب الإلكترونية، أما عن أمنياته وطموحاته فقال خالد إنه يحب مهنة التدريس، يتمنى أن يصبح معلماً في المستقبل، وذلك بسبب حبه الكبير لمعلمه محمد لطفي الذي أغدق عليه الحب والرعاية وله فضل كبير في تحصيله العلمي.

اقرأ أيضا