الاتحاد

الاقتصادي

توقعات مستقبلية سلبية للاقتصاد المصري خلال 2011

أصحاب جمال في منطقة الأهرامات التي هجرها السياح الأجانب بسبب الاضطرابات الأخيرة

أصحاب جمال في منطقة الأهرامات التي هجرها السياح الأجانب بسبب الاضطرابات الأخيرة

يخوض الاقتصاد المصري امتحاناً عسيراً خلال الأشهر المقبلة وحتى نهاية العام، حيث تشير المؤشرات كافة وتوقعات دوائر الأعمال إلى أن حجم الفاتورة التي سيتعين على معظم القطاعات الاقتصادية سدادها بسبب الأحداث الأخيرة سيكون كبيراً إلى الحد الذي سوف يعرقل خطط النمو في الاقتصاد الكلي.
وعلى الرغم من صدور إشارات وتقارير مبدئية عن مؤسسات عاملة في السوق المصرية سواء كانت هذه المؤسسات بنوك استثمار أو مجموعات استثمارية كبرى تحدد معدلات التراجع المتوقعة إلا أن دوائر الأعمال تجمع على أن المخاطر المستقبلية الكامنة سوف تفوق كثيراً هذه الإشارات. فقد توقع تقرير صادر عن بنك “كريدي أجريكول” أن يتراجع معدل النمو الاقتصادي العام بمصر من 5,3%، مقابل 6% توقعات حكومية، إلى ما دون 3,7%. ويأتي التراجع المتوقع في متوسط النمو من مصادر متعددة، في مقدمتها قطاعات السياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر.
فعلى صعيد السياحة، التي حققت نحو 12 مليار دولار عوائد إجمالية العام الماضي واجتذبت 14 مليون سائح، من المتوقع أن تخسر 30% من مواردها، خاصة أن الموسم السياحي الشتوي في مصر ينتهي في شهر أبريل من كل عام. وتستند هذه التوقعات إلى مغادرة نحو مليون سائح خلال الأسبوع الأول من التظاهرات وإلغاء 90 بالمئة من حجوزات الأفواج القادمة.
وعلى صعيد الصادرات، فقد أكدت إحصاءات وزارة التجارة تراجع إجمالي الصادرات المصرية إلى الأسواق العالمية بمعدل 6% خلال شهر يناير الماضي، وهو معدل مرشح للارتفاع إلى أكثر من 20% خلال شهر فبراير الجاري.
ويعزز هذا التراجع تزامن هذه الأحداث مع عدم وجود موسم تصديري للحاصلات الزراعية التقليدية المصرية التي كان يتم تصديرها خلال هذه الفترة مثل البطاطس والبرتقال والأرز وبعض المحاصيل الأخرى، إلى جانب الزهور والفراولة وبعض أنواع الخضروات.
وحسب إحصاءات وزارة التجارة، فإن قطاعات تصديرية عديدة مرشحة للتأثر سلبياً خلال الأشهر المقبلة، وفي مقدمتها الصادرات الصناعية وبعض أنواع المواد الخام التي كان يجرى تصديرها في السابق، الأمر الذي من شأنه عرقلة خطط الوصول بإجمالي الصادرات إلى 200 مليار جنيه، وهو الهدف الذي كانت تسعى وزارة التجارة لتحقيقه خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وتبدي بيوت الاستثمار المحلية والإقليمية العاملة في السوق المصرية مخاوف شديدة من أن ثمة تراجعاً كبيراً في معدل الاستثمارات الأجنبية الواردة لمصر خلال العام الجاري بل ربما يحدث العكس أي أن ترتفع التدفقات الاستثمارية الخارجة من البلاد اثر قيام مستثمرين أجانب من ذوي الوزن الثقيل بتصفية استثماراتهم سواء كانت مباشرة في شكل شركات ومصانع وفنادق قائمة أو كانت غير مباشرة في بورصة الأوراق المالية.
وإذا كانت مصر قد اجتذبت، حسب أرقام البنك المركزي المصري، نحو 6,9 مليار دولار استثماراً أجنبياً مباشراً خلال العام الماضي 2010 فإن هذا المعدل مرشح للتراجع في حدود 25% ليصبح في حدود تتراوح بين 4 إلى 5 مليارات دولار على أكثر تقدير وما يزيد من وطأة غياب الاستثمار الأجنبي ما ذكره المركزي المصري إبان الأزمة من أن مبلغاً يدور حول ثمانية مليارات دولار مرشحه للخروج من البلاد في الأسابيع القليلة المقبلة.
وعلى الرغم من أن بيان البنك المركزي قلل من التأثير الكبير لهذا الخروج سواء على حجم احتياطي مصر من العملات الصعبة (البالغة 36 مليار دولار) أو على معدل سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، حيث أشار إلى أن مصر شهدت خروج 17 مليار دولار خلال شهري سبتمبر وأكتوبر من العام 2008 اثر اندلاع الأزمة المالية العالمية إلا أن هذه التطمينات لا تجد صدى لدى الخبراء الماليين الذين يتوقعون تراجع الجنيه بنحو 7 بالمئة من قيمته ليدور حول 630 قرشاً خلال أقل من ثلاثة أشهر من الآن لأسباب عديدة، أبرزها تراجع موارد البلاد من العملات الحرة بسبب تأثر السياحة والصادرات.
هذا التأثر السلبي في القطاعات الرئيسية المحورية سوف ينعكس، حسب بعض الخبراء الاقتصاديين، على قضيتي التشغيل والتضخم.
فعلى صعيد التشغيل، تتوقع تقارير مؤسسات مالية تنامي معدل البطالة بحدود نصف بالمئة خلال هذا العام لتكسر حاجز العشرة بالمئة، حيث ستضطر العديد من الشركات والمصانع، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وتراجع التصدير، إلى تسريح جانب من العمالة لديها.
وعلى صعيد التضخم، فإن تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار سوف يؤدي من دون شك إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة سواء كانت سلعا للمستهلك النهائي أو سلعا وسيطة تدخل في إنتاج سلع نهائية أخرى ومن ثم سوف يساهم ذلك في توفير سبب إضافي لموجة تضخم بدأت بالفعل في السوق المصرية منذ مطلع العام الجاري.
ويرى الخبير الاقتصادي حازم مدني، العضو المنتدب لإحدى شركات التمويل، أن الاقتصاد المصري سوف يواجه أياما صعبة خلال الأشهر المقبلة. ويستند في رؤيته إلى العديد من العوامل، في مقدمتها سبب بارز، لم يلتفت إليه الكثيرون، وهو أن معظم المؤسسات العاملة في السوق المصرية كانت تبني خططها الربحية للعام الحالي على الحصول على نسبة من عوائد مشروعات البنية الأساسية التي كانت تعتزم الحكومة طرحها للتنفيذ بنظام المشاركة بين القطاعين العام والخاص، فالبنوك كانت تأمل في تمويل هذه المشروعات وتحقيق أرباح وشركات المقاولات على اختلاف فئاتها ومستوياتها كانت ترغب في الحصول على عقود تنفيذ وشركات الحديد والأسمنت والبويات والسيراميك والدهانات ومواد العزل وغيرها كانت تأمل في مبيعات قوية وبكميات كبيرة لهذه المشاريع كل هؤلاء سوف يخسرون لأن مشروعات البنية الأساسية الحكومية سوف تتوقف على الأقل خلال هذا العام ومن ثم سوف تتضاعف خسائر هذه الشركات.
ويوضح مدني أن صندوق التعويضات الذي أقرته الحكومة والبالغ قوامه نحو 5 مليارات جنيه لن يكون مفيداً بالقدر الكافي لمساعدة الاقتصاد الكلي على تجاوز أزمته فالمبلغ يعد صغيراً، مقارنة بحجم الخسائر الفعلية التي حدثت للعديد من القطاعات والمنشآت.
إن تمويل الصندوق أيضاً سوف يكون عبر مزيد من عجز الموازنة العامة للدولة لاسيما وأن هذا العجز مرشح لمزيد من الارتفاع في ظل تراجع الموارد السيادية من ضرائب وجمارك وغيرها من أنواع الرسوم كافة.
ويرى الخبير المصرفي حافظ الغندور أن الأمر في حاجه لحزمة من الإجراءات التحفيزية غير التقليدية نظراً للتأثير الكبير لهذه الأحداث على الأوضاع الاقتصادية بالبلاد حالياً ومستقبلاً، وهذه الحزمة التحفيزية يجب ألا تعتمد في جزء كبير منها على موارد الخزانة العامة لأن هذه الموارد سوف تتأثر مقابل مطالب جماهيرية بتحسين جودة الخدمات التي تقدمها الأجهزة الحكومية للمواطنين لاسيما على صعيد التعليم والصحة وإنما يجب أن تستند هذه الحزمة على مبادرات مؤسسات التمويل المحلية، وفي مقدمتها البنوك التي يجب أن تساهم في توفير التمويل للقطاع الخاص بالقدر الكافي وألا تتبع سياسة ائتمانية متحفظة لأن مثل هذه السياسة في هذه الظروف سوف تكون لها اثار مدمرة على أداء معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية التي لن تجد من يساعدها على مواجهة الأزمة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تعميق الأزمة وزيادة اثارها.

اقرأ أيضا

النفط ينخفض بعد خطاب ترامب