الاتحاد

الإمارات

إحجام الطلبة المواطنين عن «العلمي» ظاهرة تعرقل التوطين والانطلاق نحو الاقتصاد المعرفي

طلبة ثانوية خلال تأديتهم أحد الامتحانات

طلبة ثانوية خلال تأديتهم أحد الامتحانات

ظاهرة عزوف الطلبة المواطنين عن الالتحاق بالقسم العلمي صارت بمرور الوقت من التحديات الكبيرة التي تعترض خطط وبرامج التوطين في القطاعات المهنية والتقنية والصناعية التي تقوم عليها الرؤى والاستراتيجيات الحكومية المستقبلية الرامية إلى إيجاد قاعدة من الكوادر الوطنية المؤهلة للانطلاق بثقة وثبات نحو الاقتصاد المعرفي.
وعلى الرغم من الانعكاسات السلبية العديدة لهذه الظاهرة القديمة المتجددة، إلا أنها لم تلق حتى الآن الاهتمام اللازم الذي يتناسب مع حجم تداعياتها الراهنة والمتوقعة في ظل تركيز خطط ومشاريع التنمية على القطاعات الصناعية والهندسية وغيرها من القطاعات ذات الطابعين المهني والتقني.
وتعكس الأرقام والإحصائيات حجم الخلل، فقد بلغ إجمالي عدد طلبة الثاني عشر بالمدارس الحكومية بمدارس “أبوظبي للتعليم” للعام الدراسي الحالي 2010/ 2011 ما مجموعه 11 ألفاً، 242 طالباً وطالبة، منهم 8361 طالباً وطالبة بالقسم الأدبي بنسبة 74,4% مقابل 2881 طالباً وطالبة في القسم العلمي بنسبة 25,6% فقط.
وأكد سالم الكثيري مدير منطقة العين التعليمية أن مجلس أبوظبي للتعليم يولي ومنذ انطلاقته هذه الظاهرة اهتماماً كبيراً وجعلها تدخل في صلب خطط وبرامج تطوير التعليم التي يتبناها في ضوء الرؤية الحكيمة للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وأضاف مدير منطقة العين التعليمية أن جهود العلاج والتطوير التي دخلت حيز التنفيذ منذ فترة غير قصيرة ترتكز على إعادة صياغة المنظومة التعليمية انطلاقاً منذ المرحلة التأسيسية من خلال تطوير المناهج الدراسية، وتعدد وتنوع مصادر المعرفة، وعدم التركيز كلية على الكتاب المدرسي مصدراً وحيداً، والتركيز على تطوير أساليب التقويم والامتحانات.
ولفت الكثيري إلى أن المرتكزات الجديدة للتطوير تتضمن كذلك الخروج عن دائرة الحفظ والاستذكار إلى أساليب البحث والتفكير والاستنتاج، وتلك تعد ركيزة أساسية من ركائز تطوير التعليم وتحقيق الرؤية المستقبلية لحكومة أبوظبي خاصة فيما يتعلق بإعداد الكوادر المواطنة المؤهلة تاهيلاً عالياً بمختلف التخصصات العلمية والتقنية.
وشدد الكثيري على أن المشاركة الفاعلة لأولياء الأمور ووجود الخبرات التربوية المتميزة في الميدان ساهمت إلى حدٍ كبيرٍ في تبديد الكثير من المخاوف لدى الطلبة وأولياء الأمور من تبعات التطوير مثل تغيير المناهج، ونظام التقويم، وحاجز اللغة، الذي تلاشى تماماً بعد أن أصبح طلبة رياض الأطفال يتقنون بمهارة اللغتين العربية والإنجليزية على حدٍ سواء.
مناهج بعيدة عن التعقيد
وترى دلال محمد أديب مديرة إحدى المدارس الخاصة في العين أن الخلل يعود في الأساس إلى عدم وجود تأسيس للطالب منذ المراحل الدراسية المبكرة، وكثرة عدد وصعوبة المواد العلمية في القسم العلمي بالمقارنة مع الأدبي، فهناك 9 مواد دراسية منها: الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، وغيرها وهي مواد تراكمية بطبعها بحاجة إلى تأسيس.
وتضيف أديب: وبناء عليه، فلا بد من التركيز على الطالب منذ البداية، وإعداد مناهج شائقة وجاذبة وخالية من التعقيد، والارتقاء بمستوى كفاءة القائمين على تدريس هذه المناهج، بحيث يكونوا قادرين على توصيل المعلومة بطريقة سهلة وسلسة، مع التركيز على الجانب التطبيقي والعملي في التدريس، وبتوظيف التكنولوجيا الحديثة، والبعد عن الطرق التقليدية التي تقوم على الحفظ والتلقين.
وتؤكد لطيفة سيف الريامي، مديرة إحدى المدارس في العين، أهمية اكتشاف الميول الحقيقية لدى الطالب منذ المراحل الدراسية المبكرة، والعمل على تنميتها وصقلها، وتوجيهها بما يحقق مصلحة الطالب ويساعده على الاختيار السليم الذي يتماشى مع قدراته ومهاراته، مشددة في هذا الصدد على الدور الكبير الذي يمكن أن تقوم به الأندية العلمية والأدبية والأنشطة والمسابقات الموجهة التي تفجر في الطالب روح الابتكار والإبداع في المجال الذي يعشقه.
ويرى خالد إبراهيم محمد، معلم رياضيات بالمرحلة الثانوية، أن الطالب يفضل المواد الأدبية ذات الطابع النظري عن المواد العلمية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء؛ لأنها ذات طبيعة تراكمية بحاجة إلى تأسيس؛ لذا فإن هذه المواد يرى الطالب أنها تنطوي على صعوبة؛ لأن الأساس لديه في هذه المواد غير موجود، لافتاً إلى أنه وعلى الرغم من أن غالبية الطلبة المواطنين يتمتعون بذكاء لافت، إلا أنهم يفضلون القسم الأدبي على العلمي.
ويعتقد إبراهيم أن الإجراءات الأخيرة التي اتخذها مجلس أبوظبي للتعليم من شأنها أن تخفف من حدة الأعباء الواقعة على الطالب، وتدفعه إلى الاتجاه العلمي، فالاهتمام بالطالب بداية من المراحل التأسيسية والتركيز على تحفيزه على حب المواد العلمية من خلال المسابقات والبرامج التي تركز بشكل كبير على المواد العلمية، كفيلة بإيجاد التوازن المنشود بين العلمي والأدبي.
حاجز الخوف وسقف الطموح
وتباينت آراء شريحة من الطلبة المواطنين بالصف الثاني عشر القسم الأدبي حول دوافعهم الحقيقية نحو تفضيل هذا الاتجاه والتي تراوحت بين الاستسهال والخوف من صعوبة العلمي بالمقارنة بالأدبي، بالإضافة إلى تأثير الزملاء والأصدقاء وسقف طموحاتهم خاصة الطلاب الذين يخطط فريق كبير منهم للعمل مستقبلاً بالشرطة أو القوات المسلحة. وقالت الطالبة العنود بطي الشامسي: درجاتي تتراوح دائماً بين 80، و90%، ولكنني أميل بطبعي إلى القسم الأدبي رغم امتلاكي قدرة كبيرة على الفهم، إلا أن طموحي في دراسة الإعلام جعلني اتجه للدراسة الأدبية طالما كانت كفيلة بتحقيق طموحاتي.
وقالت الطالبة ريم راشد النقبي: عندما كنت في مرحلة العاشر كانت درجاتي مرتفعة إلا أنني لا أميل للعلمي بطبعي، فأنا لا أرغب في دراسة الطب أو الهندسة إنما طموحي ينصب على دراسة إدارة الأعمال والاتجاه الأدبي كفيل بأن يضمن لي تحقيق ذلك، ولكن ذلك لا يعني أنني لا أعترف بحقيقة هروب الكثيرين من القسم العلمي اعتقاداً بصعوبته.
أما الطالبة اليازية أحمد العامري، فقالت: لدي رهبة من العلمي خاصة الجيولوجيا والكيمياء، يضاف إلى ذلك أن أخواتي جميعهن يفضلن الأدبي لسهولته نسبياً واتجهت 5 من شقيقاتي لدراسة القانون ورغم تشجيع والدي لي للالتحاق بالعلمي، إلا أنني أتخوف منه كثيراً خاصة أنني أعرف الكثيرات ممن التحقن بالعلمي “ردوا” للأدبي؛ لذا فإن أفضل أن أستمر على نهج أخواتي.
وأشارت الطالبة منى بسام حداد إلى أنها وبطبعها تميل إلى الدراسة الأدبية، ومنذ المرحلة الإعدادية ورغم تفوقها وتحقيقها لمعدلات مرتفعة في القسم الأدبي، إلا أنها تعترف بأن كرهها للكيمياء وخشيتها منها جعلاها تنحي ومن الأساس بالقسم العلمي جانباً.
وقال الطالب سعيد أحمد سالم: أجيد الحفظ والعلمي معقد، وهناك فرق كبير من وجهة نظري بين العلمي والأدبي وبناء عليه، فأنا أعتقد أن “الاستسهال”، هو ما يؤدي دائماً إلى تفضيل الطلبة المواطنين القسم الأدبي على القسم العلمي خاصة أن الكثيرين منهم يتجهون للالتحاق بالقوات المسلحة، وأنا منهم.
ويرى الطالب على عوض الكعبي أن الدراسة في القسم العلمي تعتمد على الفهم عكس الأدبي الذي يقوم على الحفظ أكثر من الفهم، حيث تعتمد المناهج العلمية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء على قدرٍ كبيرٍ من الفهم ما يدفع الطلبة إلى هجرها.
الطالب زايد سلطان قال: “الأدبي بحاجة إلى حفظ عكس العلمي، حيث الرياضيات والفيزياء، وكذلك الكيمياء وجميعها مناهج بحاجة إلى قدرٍ كبيرٍ من التركيز والفهم ما يجعلني أنصرف عن العلمي وأتجه للأدبي الذي يمنحني الفرصة لحصول على الدرجات التي تكفيني للالتحاق بالشرطة”.
ولا يبعد الطالب أحمد على الكعبي كثيراً عن زملائه في القسم الأدبي الذين أشاروا إلى أن خوفهم من القسم العلمي واستسهالهم للأدبي هو الفيصل الذي حكم الاختيار، فبعد أن درس أسبوعين في “العلمي” تركه إلى “الأدبي” خوفاً من الكيمياء التي تشكل بالنسبة لي مشكلة كبيرة -على حد قوله- خاصة أن “الأدبي” لن يحول دون التحاقه بالشرطة.


الاختيار وتحفيز الطلبة
يشير عبدالمنعم زيدان، معلم فيزياء بالمرحلة الثانوية، إلى أن اعتقاد الطالب بصعوبة المناهج العلمية وبسهولة الأدبية يرجح لديه دوماً كفة تلك الأخيرة، فالطالب أكثر ميلاً إلى السهولة وإلى البعد عن مناهج ومواد يراها مركبة ومعقدة تحتاج منه إلى بذل جهدٍ أكبر خاصة أن الأسرة غالباً ما تترك للطالب حرية الاختيار.
ويوصى زيدان بضرورة تشجيع الطلبة على الدخول في العلمي وتحفيزهم، لافتاً إلى أن الخطوات والإجراءات التي اتخذها مجلس أبوظبي للتعليم وحرصه على الإفادة من الخبرات الأجنبية المتميزة أمر من شأنه أن يبسط كثيراً المسألة للطلبة ويسهم في القضاء على هذه الظاهرة إلى حدٍ كبيرٍ.

اقرأ أيضا

حاكم رأس الخيمة يفتتح جامع الشيخ سلطان بن صقر القاسمي