الاتحاد

تقارير

الاستراتيجية الأميركية وتبديد الأساطير الأفغانية

دخلت الحرب في أفغانستان سنتها التاسعة ومع ذلك يعترف المسؤولون، بمن فيهم الذين ساندوا الحرب، بالتحديات المتبقية في أفغانستان، وهو ما كان قد عبر عنه وزير الدفاع، روبرت جيتس، بقوله "على الناس أن يفهموا أنه مازالت تنتظرنا عمليات قتالية صعبة، وأيام شاقة"، لكن رغم ذلك مايزال هناك متسع من الأمل، كما أن الحرب ليست بلا نهاية.
وإذا أردنا وضع تقديرات موضوعية حول الحرب ومآلاتها القادمة علينا أولا تبديد مجموعة من الأساطير السائدة على نطاق واسع، كانت قد اقترنت بالحرب في أفغانستان سواء تعلق الأمر بالأفغان أنفسهم، أو بالأعداء الذين نقاتلهم هناك، أو حتى بمدى الالتزام الأميركي تجاه دعم الاستقرار في أفغانستان، وأول تلك الأساطير التي تحتاج إلى تبديد تلك التي تقول إن الأفغان شعب يكره دائماً الغزاة ويهزمونهم، فقد أخرج الأفغان الإمبراطورية البريطانية من بلادهم خلال القرن التاسع عشر، وفعلوا الشيء نفسه بالقوات السوفييتية في القرن العشرين، وهم أيضاً مقاتلون أشداء بشهادة القوات الأميركية التي عملت في العراق وأفغانستان واعترفت بأن الأفغان أقوى وهم مقاتلون بالفطرة، لكن ذلك لا يعني أن الشعب الأفغاني يحتقر الأجانب. فرغم الاتجاهات السلبية نحو التواجد الأجنبي في مزاج الرأي العام الأفغاني خلال السنوات الأخيرة، يبقى الأفغان أكثر تقبلًا للتواجد الدولي على أرضهم من العراقيين الذين لم تتعد نسبة موافقتهم على الحضور الأميركي في بلدهم خلال السنوات الأولى للحرب 15 إلى 30 في المئة، فيما تصل تلك النسبة في أفغانستان حسب استطلاعات الرأي إلى 50 في المئة، فضلًا عن أن جميع الاستبيانات التي أجرتها جهات مرموقة مثل "إيه. بي. سي" و"بي. بي. سي" و"المعهد الدولي الجمهوري" أشارت إلى أن ثلثي الأفغان يقرون بحاجتهم إلى الدعم الأجنبي.
وقبل إضفاء أي بعد أسطوري على التمرد الأفغاني علينا الرجوع قليلاً إلى التاريخ، ففي الثمانينيات من القرن الماضي وقفت الولايات المتحدة والسعودية وباقي الحكومات إلى جانب المقاومة الأفغانية للغزو السوفييتي، وقدموا لها الدعم المالي والعسكري الذي انتهى في الأخير بدحر القوات السوفييتية وإخراجها من البلاد، وفي تلك الفترة وصل عدد المقاومين إلى 250 ألف مقاتل أفغاني، لكن اليوم لا تتلقى "طالبان" وباقي الجماعات المتمردة سوى مساعدات قليلة من بعض الجهات في باكستان، كما أن عدد المتمردين لا يتعدى 25 ألف مقاتل، وأخيراً لا يمكن مقارنة التواجد الأميركي الحالي في أفغانستان، الذي جاء بعد الإطاحة بنظام "طالبان" غداة هجمات 11 سبتمبر بالغزو السوفييتي الكاسح للبلاد، ذلك أن القوات الأجنبية المنتشرة في أفغانستان، جاءت بدعوة من الحكومة التي يعتبرها ثلثا الشعب الأفغاني شرعية، وإن كان يشوبها بعض الفساد. وعن الأسطورة الثانية، فإن بعض المراقبين يذهبون إلى أن أفغانستان، هي أصعب بكثير من العراق.
والحقيقة أن الهدف في البلدين يكاد يكون هو نفسه متمثلاً في تحقيق الأمن وإرساء الحكم الجيد، ونقل كامل للسلطة إلى الجهات المحلية، وهي أمور تبدو بالفعل أصعب في أفغانستان منها في العراق بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لأفغانستان، وما تمتاز به من كثرة القبائل وضعف الاقتصاد وانتشار الأمية وعدم وجود مؤسسات قوية مثل القضاء والشرطة وغيرهما، لكن من جهة أخرى يجعل هذا الواقع الأفغاني من الشعب أكثر واقعية في انتظاراته المستقبلية، فهم ممتنون لأقل قدر من التقدم كما تُظهر ذلك استطلاعات الرأي، ومن علامات ذلك التقدم ارتفاع نسبة التحاق الأطفال بالمدارس إلى سبعة ملايين طفل فيما لم يكن يتجاوز هذا الرقم في عهد "طالبان" مليون طفل، كما أن عدد الأفغان الذين يملكون هاتفاً محمولا يصل اليوم إلى ثمانية ملايين أفغاني في حين كانت الهواتف المحمولة منعدمة تماما خلال حكم "طالبان".
والأسطورة الثالثة التي يتعين تبديدها تتعلق بالمقولة التي تشدد على الدور القتالي للجيش الأميركي بدل مشاركته في البناء وإعادة الإعمار، فقد كانت تلك عقيدة إدارة بوش حتى تحول هذا الأخير إلى أكثر الرؤساء الأميركيين انخراطاً في عملية إعادة البناء منذ الرئيس هاري ترومان، غير أن الواقع يشير إلى وجود إجماع بين القادة والمسؤولين الأميركيين على دور إعادة البناء في إحلال الاستقرار بأفغانستان وعدم كفاية العمليات القتالية لوحدها، وهو ما كان قد عبر عنه وزير الدفاع السابق، دونالد رامسفيلد، الذي كتب عام 2005 مذكرة قال فيها "تمثل عمليات تعزيز الاستقرار جزءاً أساسياً من المهمة الأميركية التي يتعين على وزارة الدفاع الاستعداد لتنفيذها"، مضيفاً أن هذه العمليات ستحتل "الأولوية مقارنة بالعمليات القتالية".
أما الأسطورة الرابعة، فهي تلك المرتبطة بمسألة التفاوض مع "طالبان"، وهي سياسة لا يعيبها شيء إذا أظهرت "طالبان" رغبة في نبذ العنف وقبول سلطة الحكومة المركزية بالإضافة إلى الوجود المؤقت للقوات الدولية، وفي هذه الحالة يمكن السماح لهم بالعودة إلى المجتمع ولمَ لا تقلد مناصب حكومية، لكنه من غير المرجح التوصل إلى صفقة كبرى مع قيادة "طالبان" لأن هذه الأخيرة ليست من النوع الذي يمكن الاتفاق معه لطبيعتها الأيديولوجية المنغلقة وتفسيراتها الدينية المتطرفة. وأخيراً يتعين تبديد الأسطورة الخامسة التي تقول إن أميركا متورطة في أفغانستان ولا تملك استراتيجية واضحة للخروج، وهو كلام يجانب الصواب لأنه في حال طُبقت استراتيجية الجنرال ستانلي ماكريستال فإننا سنشهد تقليصاً للقوات الأجنبية في أفغانستان بحلول نهاية العام 2010 و2011، وهو ما سيمهد الطريق لتخفيضات أكبر في عديد القوات الأميركية في العام 2012.


مايكل أوهالون - باحث في معهد بروكينجز الأميركي
حسينة شيرجان - رئيسة منظمة «مساعدة أفغانستان من أجل التعليم»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا