الاتحاد

تقارير

وفيات الأمهات في جنوب السودان

ماجي فيك
جنوب السودان

تنتظر جنوب السودان قائمة طويلة وصعبة من الأمور التي ينبغي القيام بها في وقت يستعد فيه ليصبح أحدثَ دولة في العالم في يوليو المقبل بعد استفتاء تقرير المصير فيه، والذي بينت نتائجه مؤخراً أن أغلبية ساحقة من سكان هذا الإقليم يريدون الانفصال عن السودان وإقامة دولة مستقلة. وتشمل هذه القائمة تشكيل الحكومة الأولى في ظل الاستقلال، وبناء الطرق الطويلة، وإنشاء آلاف المدارس الابتدائية والثانوية والجامعات. غير أنه من بين المطالب الشعبية الأكثر إلحاحاً والتي تتصدر هذه القائمة في هذا الإقليم الذي طواه الإهمال والنسيان لفترة طويلة، تحسين وتطوير خدمات الرعاية الصحية. وفي هذا السياق، تقول سوزان فاين، التي تترأس برامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في جنوب السودان، إن "ثمة توقعات ضخمة بخصوص تقديم الخدمات هنا، وذلك لأن الناس يتوقعون أن يروا تغييرات سريعة تحدث في ظل الاستقلال".
والجدير بالذكر هنا أن لدى جنوب السودان واحداً من أعلى معدلات وفيات الأمهات في العالم، حيث يقول مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في جوبا، عاصمة الجنوب، إن امرأة من بين كل سبع نساء حوامل "يمتن على الأرجح جراء أسباب تتعلق بالحمل".
غير أن برينيثا بلاي، المديرة الطبية لإحدى المصحات التي تديرها منظمة "أطباء بلا حدود" في ولاية واراب في جنوب السودان، ترى أن "هذا الرقم يمكن أن يكون دون الواقع بكثير". وفي هذا الإطار، تقول الدكتورة بلاي: "إن معالجة مشكلة وفيات الأمهات في جنوب السودان تمثل تحديا أكبر سيحتاج إلى مقاربة مختلفة من أجل مواجهته"، مشيرة في هذا الخصوص إلى أن مجرد الاكتفاء بزيادة عدد عنابر الولادة والخدمات المقدمة للنساء الحوامل، على سبيل المثال، لن يقي النساء من الموت أثناء الولادة بأعداد كبيرة في جنوب السودان.
ماري أبوك نجور امرأة من جنوب السودان عاشت كل أنواع المشاكل هذه. وتقوم نجور بمساعدة مولدة إيطالية على إدارة عنبر الولادة في مستشفى "أطباء بلا حدود" في منطقة نائية من ولاية واراب، بالقرب من الحدود بين شمال السودان وجنوبه. وذات يوم قبل نحو أسبوعين تقريباً، امتلأ العنبر الذي يتسع لعشرة أسرة في خيمة بلاستيكية مؤقتة عن آخره، مما أرغم القائمين على المستشفى على نصب خيمة أخرى من أجل الاعتناء بالمرضى الإضافيين، في وقت كانت فيه ثلاث نسوة أخريات في مرحلة المخاض، وجميعهن يعشن تجربة ولادة أطفالهن في المستشفى لأول مرة.
وتقول نجور، وهي تقوم بوصل أنابيب محاليل التغذية بمعصم المرأة التي ولدت طفلا ميتا الليلة الماضية: "لقد أخبرتني هذه السيدة بأنها تعاني كثيراً لأنه حسب تقاليد الدينكا (المجموعة الإثنية التي تنتمي إليها)، يقول الرجال: "لقد قدمنا لك الكثير من الأبقار (كمهر)، ولذلك عليك أن تمنحيني الكثير من الأطفال"، مضيفة "تلك هي المشكلة: إن الرجال يجبرون النساء على الاستمرار في إنجاب المزيد من الأطفال".
والواقع أن نجور لديها تجربة مهنية وشخصية ثرية في هذا الموضوع. فقد أكملت ما يعادل المستوى الإعدادي في النظام التعليمي في جنوب السودان قبل أن تتزوج بجندي متقدم في السن لديه 25 زوجة أخرى. وقد توفي بعد الزواج بفترة قصيرة؛ وأجبرت نجور على "الزواج" بأحد أشقاء زوجها، وهي ممارسة مألوفة في هذه المنطقة. وتتذكر تجربتها الشخصية الأولى مع الإنجاب في سن السادسة عشرة، عندما أمضت 4 أيام في المخاض في كوخ طيني في قريتها، إذ تقول: "لقد أنجبت طفلي في النهاية والحمد لله... وقد راودتني فكرة أنني سأموت".
لكن، وعلى الرغم مما عاشته من تجربة صعبة، إلا أن نجور متفائلة بشأن المستقبل وتعتقد أن الحياة ستتغير إلى الأحسن بالنسبة للنساء في جنوب السودان بعد أن تصبح المنطقة مستقلة بشكل رسمي في يوليو المقبل. وتقول: "هذه المرة مختلفة عن المرات الأخرى عندما كنا في حالة حرب"، مضيفة: "اليوم هناك سلم، وأطفالنا يذهبون إلى المدرسة، وسيتعلمون وقف هذه التفاهات"، وهي تشير بأصبعها إلى عنبر الولادة الخاص بالنساء المريضات.
ثم أردفت تقول: "اليوم لدينا امرأة في منصب حاكم الولاية"، مضيفة أنها عندما كانت فتاة صغيرة، جاء بعض الجيران إلى والدها محاولين إقناعه بسحب ابنته من المدرسة الابتدائية لأن مكانها ليس في المدرسة، بل في البيت للقيام بأموره، وبين المواشي لرعايتها.
وكان جنوب السودان منطقة حكم ذاتي في جنوب السودان لديها حكومتها وقواتها العسكرية، وتعتبر مدينة جوبا عاصمتها وأكبر مدنها. وكان هذا الإقليم يعد من النقاط الساخنة في العالم لما يوجد من خلافات بشأنه، أما بعد انفصاله عن السودان فيتوقع أن تظهر إلى العلن كثير من تناقضاته الداخلية؛ السياسية والإثنية والدينية واللغوية. فهو يضم عدداً من القبائل الإفريقية النيلية؛ مثل الدينكا والنوير والشيرلوك والشلك وباري والأشولي والجور... إضافة قبائل نيلية حامية مثل الباريا واللاتوكا والمورلي، وقبائل أخرى سودانية بانتوية مثل الزاندى والفرتيت. ويقدر سكان جنوب السودان بنحو سبعة ملايين نسمة، ولا يوجد تعداد دقيق للجماعات العرقية. إلا إنه يعتقد بأن أكبر جماعة عرقية في الإقليم هي الدينكا تليها النوير، ثم الشلك.
ويمتاز جنوب السودان بأنه منطقة غنية بالموارد الطبيعية، ويعتبر البترول من أهم صادراته، إذ تتركز في هذا الإقليم ما نسبته 85 في المئة من الاحتياطي البترولي السوداني. إلا أن ذلك لم ينعكس على الخدمات الصحية في الإقليم.
وفي سبتمبر الماضي أعلن تومبيكونان مونجا، وزير الصحة بحكومة جنوب السودان، اعتزام وزارته تنفيذ خطة موسعة لتقديم وتحسين نوعية الخدمات الطبية والرعاية الصحية لجميع السكان في الجنوب، رغم كل التحديات التي تواجهها وزارته. ولفت مونجا إلى انتشار العديد من الأمراض، مثل الكلازار والملاريا والكوليرا والتيفوئيد... في الإقليم فضلا عن الأوضاع الصحية الأخرى المقلقة، وقال إنها تشمل صحة الأم والطفل.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا