الاتحاد

تقارير

مباحثات الكوريتين... انهيار يعقد الوضع الإقليمي

جون جليونا
سيؤول

في خطوة لم تفاجئ المراقبين كثيراً، قرر مفاوضو كوريا الشمالية يوم الأربعاء الماضي، وبعد مرور يوم واحد على انطلاق المباحثات الثنائية مع وفد من نظرائهم الجنوبيين، الانسحاب من تلك المباحثات التي قيل مسبقاً في كثير من المنابر الإعلامية وعلى ألسنة محللين كثيرين، إنه لا يتوفر لها ما يكفي من عناصر النجاح والاستمرار. وهو الانسحاب الذي يبدو أنه غذى الشكوك في قدرة الطرفين معاً على الوصول إلى تفاهم من شأنه تهدئة حالة التوتر المستمرة، لاسيما في أعقاب الهجومين الدمويين اللذين نُسبا إلى قوات كوريا الشمالية في العام الماضي ضد قرية حدودية تابعة لكوريا الجنوبية، مما أدى إلى مقتل وإصابة بضعة أشخاص وأجبر سكان القرية على مغادرتها فراراً من نيران القوات الكورية الشمالية.
وقد كان الهدف الأساسي من اللقاء التمهيدي الذي جمع بين عقيدين في جيشي البلدين في بلدة "بانمونجون" الحدودية، وهو أول اجتماع من نوعه بين الجانبين خلال أكثر من أربعة أشهر، كان الهدف منه تحديد موعد لإجراء مباحثات عسكرية أخرى رفيعة المستوى، لكن مناقشات الطرفين لم تعمر طويلا إذ انهارت فجأة يوم الأربعاء الماضي، ولتخيم إثر ذلك الانهيار أجواء من الإحباط والتشاؤم وخيبة الأمل على المسؤولين في سيؤول بصفة خاصة، إذ كان قادتها يعولون على ذلك اللقاء التمهيدي ويعلقون عليه بعض الأمل في إرجاع الثقة المفقودة إلى العلاقة بين الطرفين واستئناف المباحثات مجدداً حول برنامج بيونج يانج النووي الذي يمثل ملفاً رئيسياً في الخلاف بين الكوريتين علاوة على كونه الملف الوحيد تقريباً في الأزمة بين بيونج يانج والمجتمع الدولي وفي مقدمته واشنطن.
وعن الفشل في الحفاظ على المباحثات الأخيرة بعد إطلاقها، يقول "كيم مي ن-سيوك"، وهو المتحدث باسم وزارة الدفاع الكورية الجنوبية في سيؤول، إن ذلك اللقاء "أخفق في تقريب وجهات النظر حول أجندة ومواضيع المباحثات رفيعة المستوى التي كان من المرتقب أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق على موعدها". ويضيف "كيم مين -سيوك" أن الطرفين فشلا عملياً حتى في تحديد موعد للاجتماع القادم بعدما "انسحب ممثلو كوريا الشمالية من قاعة اجتماعات الحوار"، وذلك حسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الكورية الجنوبية.
ويقول المسؤولون في سيؤول إن مواقف الطرفين ظلت متباعدة إلى حد بعيد، لاسيما حول عدد من القضايا المطروحة للنقاش والمراد لها أن تكون مادة لأجندة الحوار المرتقب عالي المستوى. هذا وقد شهد اليوم الذي أجري فيه اللقاء بين الضابطين، الكوري الجنوبي والكوري الشمالي، تبايناً واضحاً في الآراء والمواقف إزاء بعض القضايا ليُسرع ذلك في انهيارها، لاسيما بعد أن خرج وفد كوريا الشمالية من قاعة الاجتماع دون تعليق أو الإدلاء بأية كلمة.
فقد رفضت بيونج يانج تحمل المسؤولية فيما يتعلق بإغراق سفينة حربية تابعة لكوريا الجنوبية خلال شهر مارس الماضي بعدما أطلقت عليها صاروخاً أدى إلى مقتل 46 من طاقمها، وفقاً لما أعلنت سيؤول أنها توصلت إليه من خلال التحقيقات التي أجرتها حول الحادثة. إلا أن كوريا الشمالية أنكرت تماماً أية علاقة لها بالحادث ورفضت جملة وتفصيلا الاعتراف بإغراقها السفينة الكورية الجنوبية، وذلك رغم التأكيد الذي تضمنه تقرير أعده خبراء دوليون بأن إطلاق غواصة كورية شمالية لصاروخ على السفية هو ما تسبب في إغراقها على الفور ومقتل طاقمها. ومن جانبها فإن بيونج يانج تتنصل أيضاً من المسؤولية عن قصفها المدفعي لجزيرة "يونج بيانج" التابعة لكورية الجنوبية في شهر نوفمبر الماضي، والذي أودى بحياة أربعة أشخاص، مبررة ذلك القصف بالقول إن سيؤول كانت قبل ذلك قد أقدمت على إطلاق الذخيرة الحية في تداريبها العسكرية في المياه الشمالية.
لكن ما يبدو الآن أنه السبب الرئيسي الذي عقد وضع المباحثات بين الجارتين، هو إصرار الولايات المتحدة على إقرار كوريا الشمالية بدورها في قتل البحارة الذين أُغرقت سفينتهم، وذلك قبل رجوع واشنطن وحلفائها إلى المفاوضات السداسية الرامية إلى إنهاء وتفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية. وكانت تلك المفاوضات التي تنخرط فيها الكوريتان، بالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة والصين واليابان وروسيا، قد توقفت في عام 2009 عندما انسحبت كوريا الشمالية من جلساتها، وذلك احتجاجاً على العقوبات الأممية التي فرضت عليها حينئذ بسبب إقدامها على القيام بتنفيذ تجارب نووية وصاروخية أثارت بصفة خاصة مخاوف الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.
ويرى المحللون المهتمون بالشأن الكوري أن انهيار لقاء يوم الأربعاء الماضي بين ممثلي سيؤول وبيونج يانج، لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل شبه الجزيرة الكورية، حيث عبر رئيس كوريا الجنوبية، "لي ميونج-باك"، عن قلقه العميق من لجوء كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة إلى خلق أجواء من التوتر بين البلدين، بهدف استخدام ذلك الوضع كورقة ضغط أثناء المفاوضات والمطالبة بالمزيد من المساعدات الغذائية والمالية لإنقاذ اقتصادها المتداعي وضمان استمرار النظام السياسي الحاكم فيها. وهو أيضاً ما يؤكده "ويليام كيلور، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن في الولايات المتحدة الأميركية، إذ يقول: "يبدو أن المسؤولين والرأي العام في كوريا الجنوبية قد أصابتهم جميعاً حالة من السأم إزاء تصرفات جارتهم الشمالية، وبالتالي يبدو أنهم لم يعودوا قادرين على التحمل أكثر مما تحملوا حتى الآن، وهم يدركون السياسة التي تعتمدها بيونج يانج والقائمة على افتعال وخلق المشاكل وتوتير الوضع فقط للعودة لاحقاً إلى التهدئة كوسيلة لابتزاز الجنوب والحصول على ما يحتاجونه من مساعدات إنسانية ومالية".
ومن جانبها فقد حددت كوريا الشمالية أجندتها الخاصة في المباحثات التي جرت الأسبوع الجاري، مركزة في هذا الخصوص بشكل خاص على المنشورات التي توزعها سيؤول في الشمال وتتضمن نقداً لنظام حكم "كيم يونج إيل"، ولسياساتها الشمولية ذات التوجه الشيوعي. كما طالبت بيونج يانج بمناقشة إجراءات عملية لوقف ومنع أية استفزازات عسكرية قد تحدث في المستقبل، باعتبار أن ذلك هو الموضوع الأساسي في أجندة المباحثات العسكرية رفيعة المستوى.
وكان لقاء الأربعاء الماضي قد بدأ بما بدا أنه نبرة إيجابية لدى الطرفين حين تحدث عن ضرورة تنظيم لقاءات لمناقشة سبل إعادة ربط العائلات التي فرقت بينها الحرب الكورية في منذ خمسينيات القرن الماضي، وهو الموضوع الذي أكده "لي جونج جو"، المتحدث باسم وزارة التوحيد في كوريا الجنوبية، إذ قال في هذا الخصوص: "لقد اتفقنا على مناقشة موضوع جمع العائلات التي فرقتها الحرب، وذلك لدوعي إنسانية نتفق عليها كلنا حالياً". لكن بعد ساعات قليلة من النبرة الإيجابية التي انطلقت بها المباحثات العسكرية، خرج وفد كوريا الشمالية من القاعة، في مؤشر واضح على مدى الهوة الواسعة بين الطرفين، وعلى فشلهما في التوصل إلى أرضية مشتركة يمكن أن تعيد الثقة بينهما من جهة، وإلى ما يمهد الطريق لاستئناف المباحثات السداسية من جهة أخرى، وهما الأمران اللذان يتطلب تحقيقهما، حسب المراقبين للشأن الكوري، مزيداً من الوقت والعمل الدبلوماسي الجاد وطويل النفس، لتقريب المواقف بين الكوريتين، مع الحرص على صيانة التهدئة الهشة القائمة حالياً، وذلك لكي لا تعود العدائية والاستفزازات العسكرية المتبادلة التي هيمنت على مشهد العلاقات بين الدولتين الجارتين خلال العام المنصرم، حتى بدا كما لو أنها تستعيد أجواء الحرب الكورية في خمسينيات القرن الماضي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشونال"

اقرأ أيضا