الاتحاد

دنيا

إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة حتمية تفرضها ضغوط الحياة

يثار كثير من الجدل حول تراجع دور الأب إزاء مسؤولياته في تربية الأبناء، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط والمسؤوليات والأعباء التي تثقل كاهل الأم، خاصة الأم العاملة· ومما لاشك فيه أن الدراسات الاجتماعية التي تتناول دور الأب في عملية التنشئة الاجتماعية قليلة إذا ما قورنت بالدراسات التي تتناول دور الأم بطبيعة الحال، في الوقت الذي يشهد فيه الواقع في ضوء التغيرات الثقافية والاجتماعية، تغيراً كبيراً، وحراكاً غير مسبوق في إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة الإماراتية وفقاً لمتطلبات الحياة اليومية، وأمام تزايد تعليم المرأة وخروجها إلى العمل جنباً إلى جنب مع الرجل· وإذا كان في السابق يقتصر دور الأب أو تركز على دعم الأم، وتعزيز علاقتها بالأبناء، وتأمين احتياجات الأسرة المادية، فالواقع المتغير يفرض أدواراً واسهامات أخرى لرب الأسرة وفي مقدمتها المشاركة العملية في الاهتمام بشؤون البيت ورعاية الصغار، أو غير ذلك من صور المشاركة في شؤون الأبناء وتربيتهم·
وإذا كانت مشاركة الرجل المحدودة سابقاً ترتبط إلى حد ما بالنظرة القيمية لدور الرجل المنبثقة من الثقافة الذكورية في المجتمعات العربية والشرقية، فإن الوضع الآن قد تغير، أمام المتغيرات الاجتماعية والثقافية المتلاحقة، واختلاف المواقف أمام البعد القيمي لعمل المرأة وخروجها للعمل، ودور الزوج في الأسرة مما فرض حتمية إعادة توزيع الأدوار بما يترافق ويتناسب مع الأوضاع السائدة في المجتمع، لتخفيف الضغوط والأعباء على جميع أفراد الأسرة·

إيجابيات أم سلبيات

حياة صالح عدوي ''سيدة أعمال'' ترد على الذين يقولون إن خروج المرأة للعمل له تأثيرات سلبية على الأطفال بقولها: ''إن سلبيات خروج المرأة للعمل على أطفالها ليست أكثر من سلبيات أم غير متعلمة منقطعة عن مجريات بلادها ومجتمعها على أطفالها حتى ولو بقيت بجانبهم طيلة الوقت، وإذا وازنا بين أطفال أم غير عاملة ولكنها تمضي وقتها إما في النوم أو الأسواق أو الاتكال على الخدم لتربية أطفالها، وأطفال أم حصلت على درجة من العلم والثقافة تخرج للعمل وتسهر على تربية أطفالها فإننا نجد النتيجة لصالح الأم المتعلمة الساهرة على أداء واجبها كأم لأنها واعية لمسؤوليتها ساهرة على أدائها''·
وتضيف الدكتورة المطوع: ''إن هناك آثاراً ايجابية لعمل المرأة على استقرار الأسرة، ولا يتعارض مع مسؤوليات الرجل ''الأب'' منها ايجابية التفاعل والتواصل بين أفراد الأسرة، وشيوع القيم الايجابية واكتساب الخبرات وتحمل المسؤوليات واحترام الخصوصيات وتقاسم الأدوار، وهي صور الأسرة المستقرة التي تنعم بالمناخ الصحي السليم''·

غرباء ·· ولكن!

أما نازك ناصر الحساوي (معلمة) فتقول: ''إن الأم تتحمل مسؤولية في تراجع دور الأب ومسؤولياته من حيث قدرتها على قيامها بالأعباء والمسؤوليات الخاصة بالزوج في حالة غيابه أو انشغاله مما يضفي حالة من التواكل والاعتماد من قبل رب الأسرة، إضافة إلى التصرفات السلبية التي تتبعها الزوجة من تدخلات وانتقادات تنفر الزوج وتدفعه إلى المزيد من التغيب والابتعاد عن أسرته ومسؤولياته ولا يعطي لأفراد أسرته ذلك الاهتمام أو الوقت بينهم وهذا يرتبط بثقافة الطرفين ومساحة الود والتفاهم المشترك بينهما·
كما تنتقد الآباء الذين يقصرون في متابعتهم الدراسية، والسلوكية لأبنائهم وكأنهم غرباء عنهم في الوقت الذي هم في أمس الحاجة إلى التوجيه والمتابعة ومعالجة القصور أو السلبيات أولا بأول·
وترى أنه في الحالات التي يكون فيها الأب غير ملتزم بمسؤولياته، وغياب الأم ينعكس سلباً بحكم عملها على أبنائها، فمن الأفضل لأسرة أن تتفرغ الأم تماماً لمسؤولياتها الأسرية·
وإذا كانت الزوجة لا تعمل عليها تعويض ذلك بالإيجاب على رعاية الأبناء، خاصة إذا كان الزوج يقضي معظم وقته خارج المنزل·· وتوزيع المسؤوليات يتم بشكل طبيعي بالاتفاق والتفاهم''·
من جانب آخر يقول ناصر أحمد الحوسني''موظف'': ''إن الأب قدوة لأفراد أسرته، وعليه مسؤولية متابعة أبنائه الدراسية ومدى جديتهم في استذكار دروسهم اليومية، ويفترض أن يكون الأقرب إلى الابن للتفاهم معه فيما يخصه بعيداً عن التسلط والأوامر والنهي أو التهديد والوعيد أو القسوة في بعض الأحيان، والتحري عن أصدقاء الابن في مرحلة الطفولة والمراهقة لمعرفته بالناس وقدرته على ذلك، بينما مسؤولية الأم تتحدد في الأساس في الأمور المنزلية، لكن أعرف اصدقاء كثيرين آباؤهم لا يعرفون عنهم شيئاً ولا يعرفون حتى السنة الدراسية المقيدين بها بحكم مشاغلهم، ويرونهم في بعض الأيام فقط مصادفة أو لساعات معدودة خلال الأسبوع وهذا له نتائج سلبية بالضرورة''·

تقاسم المسؤولية

ترى عبير حداد ''مسؤولة علاقات بجامعة زايد'' أن أغلبية المسؤوليات الأسرية يتقاسمها الأب والأم معاً، لاسيما إذا كانت الأم على درجة جيدة من التعليم والثقافة، ويسود العلاقة الزوجية الود والتفاهم المشترك، فإذا كانت مسؤولية تأمين الحاجات المادية والانفاق تقع على الأب في الأساس، فإن على الأم ألا تتخلى عن مسؤولياتها الأساسية مهما كانت مشغولياتها وأعباؤها''· وتضيف: إن مسؤوليات تغذية الأبناء والعمل المنزلي ورعاية الأبناء في حالة المرض من واجبات الأم حيث إنها تقضي معظم وقتها فيما بينهم ولمساحة الحب والود والحنان الذي تتميز به الأم فضلاً عن قدرتها واستعدادها الذاتي لمتابعة استذكارهم لدروسهم اليومية بينما يفترض أن تكون عملية اختيار الاصدقاء نابعة من اختيار الأبناء أنفسهم إذا وصلوا لمرحلة عمرية يتمكنون فيها من تحديد واختيار أصدقائهم''·

اتفاق مشترك

تشير فاطمة الهاشمي''موظفة'' إلى أنه يمكن القول إن دور الأب ومسؤولياته تجاه أفراد أسرته قد لا تكون تراجعت بالمعنى الدقيق للكلمة، وانما يمكن القول إن دور الأم قد تنامى بحكم المتغيرات والعوامل الجديدة التي حدثت بفعل تعليمها وزيادة وعيها وخروجها للعمل مما أكسبها خبرات حياتية وثقافة عامة أضافت إليها مسؤوليات أخرى مكتسبة دون التخلي في نفس الوقت عن أدوارها ومسؤولياتها التقليدية·
وترى أن هناك مسؤوليات للأب وأخرى للأم وثالثة تكون مشتركة فيما بينهما، فمثلاً نجد أن مسؤولية توفير المصروف اليومي للأبناء هي مسؤولية مشتركة الآن، خاصة عند الأم العاملة، لكن الأم هي التي تتولى هذا الجانب لاشرافها اليومي علي استعداد أبنائها قبل ذهابهم إلى مدارسهم، وتعرف احتياجاتهم أولاً بأول، بينما تتحدد مسؤولية العقاب حسب نوعه، والمرحلة العمرية لأبناء، ونوعهم ذكراً أم أنثى، لكن ينبغي أن يكون هناك اتفاق مشترك بين الأب والأم على صيغة وشكل العقوبة· وترى أيضاً أن مسؤولية التربية الأخلاقية والدينية هي مسؤولية الأم منذ القدم وهي التي تزرع في نفوس أولادها منذ الصغر لبناتها، ولكنها تتحول بعد ذلك إلى مسؤولية مشتركة يشارك فيها الأب والأم معاً·
أما بخصوص مساعدة الآباء للأمهات في الأعمال المنزلية، فإنها ترى أنه إذا قام بها رب الأسرة فلا تعتبر نقصاً في رجولته بل على العكس تماماً فإنه يفترض أن يبدي روح التعاون وتحمل المسؤولية لاسيما إذا كانت زوجته تشاركه المسؤولية كاملة، وإذا ما قام الزوج بهذا العمل في ظروف استثنائية مثلاً كمرض الزوجة أو سفرها أو انشغالها فمن شأنه أن يساهم في تحقيق حالة من الود والتفاهم والتقارب والاحساس المشترك بالمسؤولية''·

اقرأ أيضا