الاتحاد

تقارير

الشعبوية العالمية.. موجة لم تنحسر

بحلول منتصف عام 2017، كان انتصار إيمانويل ماكرون في انتخابات فرنسا، والأداء النسبي للأحزاب الشعبوية في انتخابات هولندا، والردة العنيفة في الولايات المتحدة ضد الرئيس دونالد ترامب، قد أدت إلى إقناع بعض المعلقين السياسيين، بأن الموجة الشعبوية قد وصلت لنهايتها. من هؤلاء «نيت سيلفر» المتخصص في استطلاعات الرأي الذي عبر عن رأي متفائل بشأن انحسار هذه الظاهرة، عندما قال إن أداء ترامب كرئيس، وعدم شعبيته على المستوى العالمي، قد يفاقم من حجم الوصمة التي تطال الأحزاب الشعبوية، والشخصيات اليمينية المتطرفة في أوروبا.
ولكننا عندما نمعن النظر من مسافة أقرب في الموضوع، فإن هذا التفاؤل قد يبدو لنا تفاؤلاً في غير محله. فخلال العامين المقبلين، سنجد أن الشعبويين - الذين يضعون «الشعب» في مواجهة النخب الفاسدة المتمتعة بالامتيازات، ويهاجمون المؤسسات، ويموضعون أنفسهم كراديكاليين من خارج السياق يهدفون لقلب النظام السياسي – سيواصلون القدوم، ويثبتون بذلك أن ثورتهم لها ساقان.
وفي الواقع العملي، سيواصل الشعبويون الفوز في الانتخابات في العامين المقبلين، لأن الأحزاب الرئيسية في أوروبا، وأجزاء من آسيا، لم تتخذ سوى خطوات قليلة للغاية، لتهدئة الغضب الشعبي، تجاه الرشاوى، ومظاهر عدم المساواة، والانفصال الواضح بين السياسيين والناخبين.
كما سيستمر الشعبويون في الصعود، لأن العديد من أحزاب التيار الرئيسي، حاولت شيطنة السياسيين الشعبويين - مثل ترامب، أو الرئيس الفلبيني «رودريجو دوتيرتي» - بدلاً من معاملتهم كشخصيات سياسية، وتطوير برامج سياسية متماسكة لمعارضتهم. وأخيراً، فإن «الشعبويين» يحققون نجاحاً، لأن أحزاب التيار الرئيسي السياسية الموجودة في بعض البلدان، قد استجابت من خلال توحيد صفوفها لتشكيل حكومات ائتلافية، كما حدث الآن في ألمانيا، وهو ما يمنح الشعبويين الفرصة للادعاء بأن أحزاب يمين الوسط، ويسار الوسط متماثلة من حيث الجوهر، وأن هناك حاجة إلى أصوات جديدة، لتنشيط السياسة.
في الواقع، إن الشعبويين مستعدون للقيام بعمل جيد حتى في أماكن، مثل إيطاليا، التي مرت بالفعل بحقبة طويلة من الشعبوية في السنوات الأولى من الألفية؛ كما أنهم مستعدون للقيام بعمل جيد في آسيا، حيث النمو الاقتصادي القوي، والهجرة- التي تمثل موضوعاً مفتاحياً للشعبويين الغربيين- ولكنها ليست قضية سياسية رئيسية في هذه القارة. يتعين القول هنا إن كل هؤلاء الشعبويين ليسوا شيئاً واحداً، بطبيعة الحال. فمن شأن البعض منهم أن يطردوا النخب السياسية، ويعززوا الإصلاحات اللازمة، مع الحفاظ في الآن ذاته على الالتزام بالمعايير الديمقراطية. وفي الوقت ذاته، يبدو البعض الآخر منهم مستعداً لتقويض الديمقراطية، نفسها.
في إيطاليا، يبدو رئيس الوزراء الأسبق سيلفيو برلسكوني- وهو شخصية شبه ترامبية قبل ظهور ترامب نفسه- مستعداً لعودة سياسية كبيرة كصانع ملوك في الانتخابات العامة التي ستعقد في الشهر المقبل. وكان بيرلسكوني، عندما كان يشغل منصب رئيس الوزراء، قد استخدم استراتيجيات شعبوية نموذجية، لتدمير المؤسسات، ووصف نفسه بأنه المصدر الوحيد للمعلومات الصادقة، ووضع النخب في مقابل «الشعب» ومن غير المرجح أن يغير أسلوبه السياسي وقد بلغ الثمانين من عمره ( علماً بأنه ممنوع قانونياً من شغل منصب منتخب حتى عام 2019).
وفى الوقت نفسه، يمكن لحزب شعبوي قوى آخر في إيطاليا، وهو «حركة الخمس نجوم»، أن يحقق مكاسب كبيرة في الانتخابات العامة.
وفي البرازيل، حيث ستجري الانتخابات الوطنية في شهر أكتوبر القادم، يمكن للتيارات الشعبوية أن تحقق مكاسب كبيرة، خصوصاً أن «جاير بولسونارو»، المرشح اليميني الشعبوي المتطرف، يقود استطلاعات الرأي في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، بعد استبعاد الرئيس السابق «لويز ايناسيو لولا دا سيلفا» من الاستطلاع.
في آسيا، حيث يحصل الزعماء الشعبويون على تغطية أقل في الصحافة الدولية من ترامب، أو برلوسكوني (باستثناء الرئيس الفلبيني المندفع رودريجو دوتيرت)، قد يصوت الناخبون الذين فاض بهم الكيل للتغيير الهائل في عامي 2018 و 2019. وفي إندونيسيا، دخل الملازم السابق برابوو سوبيانتو،الذي خسر الانتخابات الرئاسية عام 2014، في تحالفات واضحة مع الجماعات الإسلامية القوية في البلاد - وهي تحالفات يمكن أن تساعده على الفوز في عام 2019.
وهناك المزيد من الأمثلة على قوة الشعبوية العالمية. فقد تنجح رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في التشبث بمنصبها، بتفويض ضعيف من قبل الجمهور وحزبها. ويعتقد كثير من السياسيين-والمطبوعات- في بريطانيا أن زعيم حزب العمال جيريمي كوربين، سينتهي به المطاف في مقر رئاسة الوزراء الشهير في 10 داونينج ستريت.
إن الجاذبية المتواصلة للشعبوية، يجب أن تذكر أحزاب التيار الرئيسي السياسية العريقة، بأن العوامل الكامنة وراء الموجة الشعبوية، إن لم تكن عالمية، إلا أنها موجودة في العديد من البلدان المختلفة في الوقت الراهن. قد يتجه الناخبون الغاضبون، إلى الشعبويين القادمين من خارج المنظومة- مثل كوربين- الذين يمكن أن يصدموا الأنظمة السياسية ولكن لا يدمرونها - أو مثل برابوو- الذين يمكن أن يهدموها. وفي كلتا الحالتين، فإن المؤكد أن عامي 2018 و 2019 سيوفران المزيد من الأدلة، التي تذكر بأن الشعبوية قد وجدت من أجل أن تبقى.

*زميل رفيع المستوى متخصص في شؤون جنوب شرق آسيا بـ«مجلس العلاقات الخارجية الأميركي»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا