الاتحاد

دنيا

«الشدة» زي تقليدي جزائري يستعيد حضوره في «جهاز العروس»

 «الشدة» التلمسانية تحظى بإشادة دولية (من المصدر)

«الشدة» التلمسانية تحظى بإشادة دولية (من المصدر)

حسين محمد (الجزائر) - صنفت اليونسكو في ديسمبر الماضي لباسَ «الشدَّة» الجزائري تراثاً عالمياً غير مادي، بمناسبة الدورة السابعة للجنة الوزارية المشتركة لحماية التراث الثقافي غير المادي التي انعقدت بمقر المنظمة في العاصمة الفرنسية باريس، ما جعل الإقبال عليه يزداد، ويتمّ إنتاج هذا اللباس يدوياً في ولاية تلمسان، (نحو 600 كلم غرب الجزائر)، وكان خاصا بالعروس التلمسانية فقط، ولكن جماله الخلاب، جعله يشتهر خارج حدود هذه الولاية، ويبلغ كل أنحاء الجزائر، برغم ارتفاع أسعاره مقارنة بملابس مشابهة تنتجها ولاياتٌ أخرى.
قطع اللباس
تُعدّ «الشدة» التلمسانية أحد أجمل الملابس التقليدية الجزائرية إن لم يكن أجمَلها على الإطلاق، ويشبه ملابس الأميرات الوارد وصفها في كتب التراث، وهو يتكون من عدة قطع وتاج مخروطي مطرّز، وقد أطلق عليه هذا الوصفُ العامّي المحلي نسبة إلى مجموعة الجواهر والأكسسوارات التي تزيّن جبين العروس وتاجَها، وترتديه العروس ليلة زفافها، ثم تحتفظ به لارتدائه في مختلف المناسبات والأفراح.
وكانت الجزائر قدّمت منذ ثلاث سنوات، بحسب وزيرة الثقافة خليدة تومي، لباس العروس التلمسانية «الشدة» إلى اليونسكو آملة في إدراجه ضمن التراث العالمي غير المادي، وتمت الموافقة على ذلك في بداية سبتمبر 2012، بعد أن بهر لجنة التحكيم بألوانه الزاهية، وخياطته الرفيعة، وتصميمه الرفيع وتنوّع مكوّناته، وكثرة الحلي والمجوهرات التي تزيّنه، واعتبرت أن هذا اللباس التقليدي العريق «نقلَ المهارات والطقوس المرتبطة بلباس العروس عبر الأجيال، وأصبح رمزاً لهوية المنطقة».
وأعربت وزيرة الثقافة، التي تحب الظهور أحياناً وهي ترتدي «الشدة» في المناسبات الثقافية، عن فخرها باختيار اليونسكو وارتياحها العميق لذلك، واعتبرته «اعترافاً من العالم بجمال اللباس التقليدي الجزائري وعراقته، وما يشجع بقية مناطق البلد على تطوير ملابسها وصناعاتها التقليدية المستوحاة من التراث الأمازيغي العريق».
كما أبدى ممثل الجزائر الدائم لدى اليونسكو لحسن بسكري ارتياحه لهذا الاختيار. وعدّه «مكافأة على الجهود الرامية إلى المحافظة على عراقة هذا اللباس ذي القاعدة الأمازيغية بالجزائر».
مهاراتٌ متوارثة
عن هذا التصنيف، يقول عبد الرحمن بالشعور، أحد أبرز منتجي «الشدة» في ولاية تلمسان، والذي قدَّمت وزارة الثقافة نسخة من منتوج ورشته لليونسكو «شعرنا بفخر كبير فهذا اللباس الرائع الذي ترتديه العرائس أصبح معروفاً في الخارج، ونال إعجاب منظمة عالمية كبرى مثل اليونسكو وتقديرها، إنه لباسٌ توارثناه عن الآباء والأجداد، ونشعر بالفخر ونحن نحفظ أمانتهم، ونطورها جيلاً بعد جيل».
من جانبه، يؤكد بن علي بسطاوي، أن هذا اللباس ذو تاريخ عريق يمتدّ إلى ما قبل مرحلة الاحتلال الفرنسي في الجزائر، وقد كان الوليّ الصالح سيدي محمد بن علي بن منصور أول من أهداه لعروسه، فحمل ذلك أتباعَه على إتّباع نفس التقليد فبقي قائماً إلى اليوم؛ إذ لا يمكن لأية عروس تلمسانية الخروج إلى بيت زوجها دون ارتدائه، بعد أن يهديه لها إجبارياً مهما كانت صعوبة وضعه المادي.
ويضيف بسطاوي «تطوّرت «الشدة» بمرور الوقت وصمدت أمام رياح العصرنة ولم تفقد هويتها وخصوصياتها، وفي الوقت نفسه أدخل عليها الحرفيون في تلمسان لمساتٍ إبداعية عديدة جعلتها أكثر جمالاً وجاذبية، ما جعل عدد زبائنها يكثرون بمرور الوقت حتى أصبح له زبائن في كل الولايات الجزائرية من دون استثناء». ويتابع «الكثيرُ من التجار من مختلف أنحاء البلد يتوافدون على تلمسان لطلب كميات كبيرة من «الشدة» وملابس أخرى، بعد أن كثُر عليها الطلب من العرائس؛ كل عروس تحلم بأن ترتديه يوم زفافها ،وأن تتبختر به أمام المدعوّات».
ورشاتٌ كبيرة
تملك عائلتا بسطاوي وبوالشعور ورشة كبيرة لإنتاج «الشدة» توظف 20 عاملاً، إضافة إلى العديد من السيدات اللواتي يتعاقدن مع الورشة لتطريز هذا اللباس يدوياً في بيوتهن، علماً أن إنهاء القطعة الواحدة من «الشدة» يتطلب مدة طويلة لا تقل أحياناً عن ستة أشهر، لكن عبد الرحمن بوالشعور يوضح أن الأمر هنا يتعلق بـ»الشدة الحُرّة» كما وصفها، ويعني بها اللباس الرفيع الذي يعتمد على قماش وأكسسوارات وحلي ذات نوعية عالية، في حين أن «الشدة» من الدرجة الثانية لا يستغرق إنتاجُها أكثر من شهر، وبمواد أولية أقلّ جودة، وتتراوح أسعار الأولى بين 80 و130 ألف دينار جزائري (الدولار يساوي 78 ديناراً)، بينما يتراوح إنتاج الثانية بين 20 و30 ألف دينار فقط، وغالباً ما تُوجّه «الشدة» من الدرجة الثانية إلى عرائس ولايات أخرى، بينما لا تقبل عرائس مدينة تلمسان سوى بـ»الشدة» من الدرجة الأولى.
وتؤكد بهية مجدوب، إحدى الحِرفيات المتخصصات في إنتاج «الشدة» التلمسانية، أن غلاء أسعارها يعود إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية التي تُنتج منها وبخاصة «خيط الذهب» و»المنسوج» و»القطيفة»، وهي المكوّنات الأساسية للباس العروس التلمسانية.
وعلى الرغم من المنافسة الشرسة لأنواع أخرى من الألبسة التقليدية الجزائرية، وفي مقدمتها «الكراكو» المنتَج في الجزائر العاصمة، إلا أن لباس «الشدة» التلمساني، يحظى باهتمام كبير من فتيات الجزائر العاصمة كلما نُظم معرضٌ أو صالون وطني أو دولي للصناعات التقليدية المحلية، وفي آخر معرضين نُظما بـ»قصر المعارض» وقصر رياس البحر العثمانيين»، تضاعف الإقبال بفضل جمال قطع «الشدة» الجميلة التي عُرضت وألوانها الخلابة، وبخاصة من طرف الفتيات المقبلات على الزواج.
وتؤكد زهراء، المقبلة على الزواج، أنها لن ترضى عن الشدة بديلا في جهازها، رغم ارتفاع سعره، مؤكدة أنها قطعة ثمينة تحرص الفتيات على ارتدائها في حفل الزفاف، ومن ثم الاحتفاظ بها لارتدائها في المناسبات الكبيرة، كحفلات زفاف صديقاتها وأقاربها.

حافزٌ معنوي

تصنيف «اليونسكو» للباس العروس التلمسانية تراثاً عالمياً أكسبه شهرة أكبر، وأثلج صدور منتجيه، وجعلهم يأملون في توسُّع تسويقه، يقول عبد الرحمن بالشعور، أحد أبرز منتجي «الشدة» في ولاية تلمسان «الشدة كانت مشهورة أصلاً خارج الوطن، بعد أن نقلها المغتربون الجزائريون إلى الخارج، وهناك من لا يزال يطلبها منا إلى الآن، ونتوقع أن يزداد الإقبالُ عليها الآن، لكن الأهم هو الجانب المعنوي لهذا التصنيف، فهو اعترافٌ بريادة مدينة تلمسان في صناعة الملابس التقليدية برغم المنافسة الشرسة التي تلقاها من جهاتٌ أخرى بالبلد لها بدورها ملابس عريقة خاصة بها». ويضيف «لا تكاد تجد بيتاً في تلمسان لا ينتج «الشدة»، وهذا أمرٌ مهم جدا لأنه يعني الوفاء لتراث الآباء والأجداد وتوريثه من جيل إلى جيل للحفاظ على الهوية، واليوم ونحن نحظى باعتراف المنظمة الأممية للثقافة والعلوم، فإن ذلك يعطينا حافزاً معنوياً أكبر للحفاظ على هذا اللباس العريق وتوريثه لأبنائنا وأحفادنا».

اقرأ أيضا