الاتحاد

دنيا

عام جديد.. كغيره

تتفتح قريحة الكتَّاب عادة عند نهاية عام سابق قضى بخيره وشرّه، والولوج إلى عام جديد طازج يحفل بالكثير من الآمال والقليل من التخوفات، والخشية من أن يكون مثل العام الذي سبقه أو أسوأ منه. قلت تتفتح القرائح وتدبج المقالات المتفائلة والمتشائمة والمتشائلة، وهذه طبيعة بشرية تتعلق بالخوف والطموح، لا سيما أن الإبرة التي تخيط ثوب العرس، قد تكون ذات الإبرة التي تخيط الكفن.
أما أنا، فإنني وعند قدوم السنة جديدة ألج إلى مغائري الداخلية، أبحث عن ذلك الطفل الذي كنته قبل أربعة عقود وأكثر من أربعين رأس سنة مرت كأنها سيارات سريعة تعدو في طريق ريفي يجلس بجانبه طفل يراقب هذه السيارات السريعة بصمت وبحزن ساخر.
قلت حزن ساخر؟! نعم فالحزن يكون- على الأغلب- من أشد أنواع السخرية- لأنه يتعلق مباشرة بالوجود البشري الطامح للخلود دوماً، المهدد بالفناء في أي لحظة، لذلك أتمنى أن تأخذوا الساخرين دائماً على محمل الجد؛ لأن السخرية تكون في معظم الأحيان هي الجد المكان الوحيد، في عالم فقد اتزانه وأضاع بوصلته وكسر اسطرلابه.
لذلك أتمنى أن يكون لي ساعة كل يوم - أو كل شهر على الأقل - من الممكن أن أسميها (الساعة الخامسة والعشرين)، أعود فيها إلى ذلك الطفل الفقير المرمي على حافة ذلك الطريق الترابي، وأحاول أن أمسح عن وجهه ما تراكم من غبار السيارات السريعة المارة تحمل سنين العمر، وربما أقوم بتنشيف دمعة التصقت بالغبار وتحولت إلى طين.. يشبه طين الكينونة الأولى.
إنه عام 2013 إذا؟ ها نحن ندور في عالم الفلك بعد أن أكملت الكرة الأرضية دورتها السابقة حول الشمس.. التي أسميناها جدلاً عام 2012 لفّت فيها 365 مرة حول نفسها.. حيث داخت ودخنا معها، ثم ولجنا معاً في دورة جديدة بدون توقف لجردة حساب سريعة، ولو لعدة ثوان.
عام جديد إذا، نجدد فيه آمالنا ومخاوفنا، ونجدد فيه أخطاءنا وخطايانا ونجدد فيه وعودنا بالتغيير، ذات الوعود التي أطلقناها عند بداية العام المنصرم وأخللنا بها طبعاً. لكأننا نكرر مأساة البشرية مثل صديقنا في الميثولوجيا الذي يحمل عدة أسماء ومسميات .. منها بروميثيوس.
سر هذا الرجل أنه سرق النار من الآلهة وأهداها للبشر، فحكمت عليه آلهة الأولمب - عقابا له - بأن يحمل صخرة عملاقة ويرفعها إلى رأس جبل الأولمب، بينما النسور تنهش كبده، وما أن يقترب من الوصول إلى القمة حتى ينهار وتسقط منه الصخرة إلى القاع، فيعود مرة أخرى لالتقاطها وحملها حتى تبقى مرة أخرى.. وهكذا دواليك.. كل هذا العقاب لمجرد أنه أهدى البشرية سر النار.
أحياناً أشعر أننا جميعاً نحمل جزءاً من لعنة بروميثيوس، وندفع ثمن معرفتنا لسر النار، كما يدفعه (الجاني) الأصلي.. بروميثيوس. فمن النار تعلمنا الدفء والشواء، ثم استخدمناها في مهاجمة الأعداء، من حيوانات متوحشة في البدايات، ثم استخدمناها في حرق بعضنا البعض، بطريقة جعلت بروميثيوس نفسه يندم على جريمته في سرقة النار ومنحنا إياها.
لا أعرف لماذا أضجركم بأحزاني في بداية العام، بعد أن ملأتنا (ماجي فرح) ومن شابهها من (متنجمين) آمالاً وأحلاماً ستعمل النجوم على تحقيقها، وسنحصل عليها (على البارد المستريح)، أو على الأقل نحصل على الأمل بتحققها، ونعيش الحلم حتى نهاية العام، وحينما نكتشف أن أحلامنا لم تتحقق.. ننتظر أحلام العام القادم .. وهذا هو سر البشرية العظيم.. الأمل والطموح والتوق الدائم للخلود.. رغم الفشل والمرض والموت.....!!
تحيا الحياة


يوسف غيشان
ghishan@gmail.com

اقرأ أيضا