الاتحاد

الاقتصادي

احتياطيات نفطية واعدة في الرمال الكندية مدعومة بارتفاع أسعار الخام

يتزايد استهلاك العالم من النفط مجدداً بعد تقلصه خلال الأزمة الاقتصادية العالمية الأمر الذي دفع سعره إلى نحو 100 دولار للبرميل.
وبحلول 2030 ينتظر أن يبلغ الطلب العالمي على النفط 110 ملايين برميل يوميا بزيادة نسبتها 20 في المئة على الطلب عام 2009، بحسب وكالة الطاقة الدولية. ويعتبر ذلك توقعاً واعداً بالنسبة لأولئك الذين يستغلون رمال القطران التي تعتبر ثاني أكبر مكمن للنفط في العالم.
وعلى الرغم من التطور السريع في العقد الماضي لإنتاج رمال القطران سوى 1,5 مليون برميل نفط يوميا ما يساوي أقل من 2 في المئة من الانتاج العالمي. غير أن الجمعية الكندية لمنتجي البترول تتوقع أن يبلغ ذلك الإنتاج نحو 3,5 مليون برميل نفط يوميا بحلول عام 2025.
ولا تقتصر استفادة شركات النفط على تزايد الاحتياج إلى الوقود بل تستفيد أيضاً من تناقص تكلفة إنتاج النفط. فمن بضع سنوات كانت معظم الشركات تعتقد أن سعر النفط الاقتصادي الملائم هو 75 دولاراً للبرميل أما اليوم فتقول شركات مثل شل إن أعمال التطوير الجديدة تكون اقتصادية عند سعر 50 دولاراً للبرميل.
معوقات بيئية
ولكن هُناك عراقيل أيضاً تتعلق في المقام الأول بتلويث البيئة ففي أميركا تعلو صيحات معارضة لاستيراد المزيد من نفط ألبيرتا البيتوميني. كما تتزايد المعارضة المحلية داخل كندا لاستغلال رمال القطران وإنشاء مشاريع خطوط أنابيبها التي طالما لاقت تأييداً في السابق.
تعتقد وكالة الطاقة الدولية أن الإنتاج العالمي للنفط التقليدي السهل قد بلغ ذروته أو يكاد وأنه لا يوجد سبيل سوى زيادة إنتاج المصادر غير التقليدية لمنع زيادات جديدة في أسعار النفط. وحتى لو اتفقت دول العالم على إجراءات الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لابد للنفط البيتوميني كالذي لدى كندا أن يسد نقص المعروض المقبل.
ومن حسن حظ الغرب أن هذه الرمال البيتومينية تقع في كندا. فبينما تسيطر منظمة أوبك على أكثر من 70 في المئة من نفط العالم يكمن نصف “النفط الحر” في الرمال البيتومينية.
ولم تدع أي من كبريات شركات النفط فرصة الرمال البيتومينية تمر دون استغلالها. بل راحت مجموعة من شركات النفط الوطنية تنضم لها وعلى رأسها منذ عام 2005 شركات حكومية صينية.
في ديسمبر الماضي أعلنت توتال وسانكور اينرجي (إحدى شركات تطوير الرمال البيتومينية) عن خطط انفاق نحو 20 مليار دولار كندي على مشروعات جديدة في العقد المقبل.
وفي هذا العام فقط يعتزم المطورون انفاق نحو 15 مليار دولار كندي بحسب توقعات الجمعية الكندية لمنتجي البترول.
كل ذلك يجعل البيرتا بمثابة الرائدة السبَّاقة في عصر نفط جديد وبدأت بالفعل مظاهر الثراء على هذا الإقليم الذي يبلغ احتياطي نفطه البيتوميني 173 مليار برميل قابل للاستخراج بما يساوي ثروة هائلة تبلغ 15,7 تريليون دولار بأسعار اليوم. وكونها صاحبة هذه الثروة ستحصل البيرتا على كثير من هذه الثروة، ولكن هناك نسبة جيدة ستتوجه إلى باقي كندا في هيئة عقود بضائع وخدمات وكذلك في تحويل بعض من مليارات الغرب الكندي الغني إلى الأقاليم الكندية الشرقية الأقل ثروة.
أضحت البيرتا منطقة بترولية مهمة. إذ يشكل قطاع النفط والغاز 31 في المئة من ناتجها الإجمالي المحلي.
ورغم أن الموارد الطبيعية في كندا تخضع للقضاء الإقليمي فإن الرمال البيتومينية تعد مسألة فيدرالية لأسباب منها فشل الحكومة الفيدرالية المتكرر في إصدار خطة مواجهة التغير المناخي، غير أن هُناك شبه إجماع سواء في البيرتا ذاتها أو على الصعيد الفيدرالي على أهمية استغلال الرمال البيتومينية شريطة أن يكون استغلالاً مستداماً.
الأسواق الخارجية.
ويرى خبراء أنه يتعين على رجال النفط في كندا البحث عن طرق جديدة للوصول إلى العملاء. وتعتبر كندا أكبر مصدر نفط للولايات المتحدة. ومع زيادة إنتاج كندا للنفط الرملي فإن حصة استيراد أميركا للنفط من كندا ستزيد.
ويرى خبراء أنه ينتظر بحلول عام 2030 أن يمد نفط كندا الرملي أكثر من ثلث واردات أميركا من النفط.
غير أن خام البيرتا البيتوميني يلزمه مرافق معالجة متخصصة لا تتوفر عملياً سوى في مصافي غربي وسط أميركا.
ويقول خبراء إنه بحلول عام 2014 سيكون إنتاج الرمال البيتومينية قد ملأ طاقة المعالجة المتاحة بالمصافي الأمر الذي سيترتب عليه عنق زجاجة يعيق استيعاب المزيد من الخام.
ولذا اقترحت شركة ترانسكندا بناء خط أنابيب بتكلفة 7 مليارات دولار لدفع 510 آلاف برميل يوميا من نفط البيرتا إلى مصاف في تكساس. وتقول الشركة إن خط الأنابيب هذا يمكن أن يضخ 20 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي بجانب 5 مليارات دولار تحصل عليها الولايات الأميركية التي يمر منها هذا الخط.
ولن تقتصر فائدة هذا الخط على تصدير مزيد من النفط الكندي إلى أميركا بل في مقدوره ربط النفط الرملي الكندي بأسواق دولية. كما أن هُناك خططاً لتصدير النفط إلى آسيا من ساحل كندا الباسيفيكي.
غير أن هذه الخطط تتطلب موافقة سياسية. وليس هذا بالوقت المناسب الذي يدرس فيه ساسة أميركا الشمالية شؤوناً نفطية نظراً لأن حادث تسريب نفط ديب ووترهورايزون أساء سمعة صناعة النفط برمتها في أميركا وكثف المعارضة ضد النفط الرملي الكندي.
يذكر أنه كان هُناك مشروع طموح منذ عام 2006 لتصدير النفط الكندي إلى آسيا وكان من شأنه أن تصبح كندا قوة عظمى جديدة في مجال الطاقة. غير أن هذا المشروع الذي كان سيتكلف 5.5 مليار دولار كندي وينقل 525 ألف برميل نفط يوميا لقي معارضة أيضاً. إذ قال السكان الأصليون بإقليم بريتيش كولومبيا الكندي إنهم سيمنعون مرور خط الأنابيب في أراضيهم وذلك خشية حوادث تسريب لا مفر منها حسب تعبيرهم تهدد أسماك السالمون والحياة البرية.
ويقول عديد من المنتقدين إن سوء سمعة مشاريع الرمال البيتومينية سبب كاف لايقاف المشروع برمته ذلك لأن عمليات استخلاص هذا النوع من النفط تتطلب كميات هائلة من المياه والطاقة وتخلف ترسبات كريهة من الرمال الملوثة والبيتومين وجزئيات الطفلة والملوثات الغازية مثل ثاني أكسيد الكربون وغيرها على نحو يهدد الأنهار المحلية ويسمم الأسماك ويدمر المساحات الطبيعية ويقتل الحياة البرية ويلوث الهواء. وحتى بعد استنفار احتياطيات النفط الرملي الضحلة ستظل الاحتياطيات الأعمق تشكل أضراراً. إذ تنطوي عمليات استخلاص النفط الرملي العميق على حفر آبار لدفع بخار في جوف التربة لإذابة البيتومين وتسهيل صعوده إلى السطح. وتتطلب عملية تسخين البخار حرق كثير من الغاز الطبيعي ما يسبب انبعاث ثاني أكسيد الكربون.
حظر النفط
ولذلك راحت بعض الولايات الأميركية وعلى رأسها كاليفورنيا تصدر قوانين تهدف إلى منع نفط البيرتا من الوصول إلى سكانها، كما قرر بعض تجار التجزئة الأميركيين مقاطعة الوقود المستخرج من الرمال البيتومينية. كما أطلق تحالف من جمعيات الخضر حملة لإقناع السياح بعدم زيارة إقليم البيرتا إلى أن يتم ايقاف توسعات مشاريع الرمال البيتومينية. غير أن حكومة إقليم البيرتا لم تقف مكتوفة اليدين، بل أطلقت حملة مضادة تشمل إعلانات في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى وعروضها للصحفيين والناشطين لزيارة إقليم البيرتا وإقناعهم بأن الأمر أفضل مم يعتقدون.
وفيما يحتدم الجدل بين مؤيد ومعارض تسعى كندا وخصوصاً إقليم البيرتا مدعوماً بشركات تطوير إلى ابتكار وسائل جديدة تحد من الأضرار التي قد تنجم لاحقاً وإلى إقناع كل من الجهات الرقابية والرأي العام والجماعات المدنية في كل من كندا والولايات المتحدة بجدوى هذه المشاريع ومراعاتها لمعايير البيئة، وذلك أملاً في أن تصبح كندا من ضمن كبار اللاعبين في قطاع النفط والغاز الطبيعي في العالم.

نقلاً عن «ايكونوميست»
ترجمة: عماد الدين زكي

اقرأ أيضا

أحمد بن سعيد: سعادة المسافرين على رأس أولوياتنا