الاتحاد

رمضان

التوريث·· أصبح خرافة

حين تهدأ عاصفة المادة 76 من الدستور، سوف يتكشف الامر عن عدة حقائق، ليس من الممكن تجاهلها·
الحقيقة الاولى، ان كل تعديلات الدساتير، منذ دستور ،1923 الى اليوم، كانت تتجه مباشرة، الى تكريس سلطات الحاكم، وترسيخها، وتأكيدها·· إلا ان هذا التعديل الأخير، الذي اتجه، للمرة الاولى، الى حقوق المحكوم، التي يتعين أن يكفلها له الدستور·· ونظرة واحدة، الى دستور اسماعيل صدقي في عام ،1930 والى محاولة تعديل دستور 23 في منتصف الثلاثينيات، ثم الى دساتير 1956 و58 و64 و،71 وتعديل ،1980 كلها بلا استثناء، كانت تغازل الحاكم، ولا تتوقف لحظة واحدة عند المحكوم·· وحين أراد دستور ،1954 أن يخالف هذه القاعدة، كان مصيره صندوق القمامة! وهنا، تتبين قيمة تعديل المادة ·76
والحقيقة الثانية، أن تعديل 26 فبراير ،2005 أبعد المؤسسة العسكرية، للمرة الأولى، في تاريخ ثورة يوليو، عن الحكم، وجعل مهمتها الاولى، الذود عن حدود الوطن وترابه، وهي المهمة الطبيعية، والحقيقية، لأي جيش في العالم·· لقد كان الذين يروجون لجمال مبارك، في وقت من الاوقات، يقولون ان ميزة مجيئه الى الحكم، انه سوف ينقل الرئاسة من العسكريين الى المدنيين·· وكان الذين يقولون بذلك، ينافقون جمال، أكثر من رغبتهم في أن يكون الحكم في ايدي المدنيين·· والحمد لله ان الانتقال جاء طبيعيا، وبمبادرة من رئيس الجمهورية، وترحيب من المواطنين جميعا·· ولم يعد من الضروري، أن يكون الحاكم عسكريا، اللهم إلا اذا اختارت الجماهير، عبر صناديق الانتخاب، جنرالا في حجم 'أيزنهاور' مثلا·· واصبح من الممكن، ان يدخل اي جنرال، انتخابات الرئاسة، وأن ينجح مرة ويسقط أخرى، تماما كما كان يحدث مع المشير الجمسي، في نادي هليوبوليس، أو مع الفريق مرتجي في النادي الاهلي·· ولم يعد امام المؤسسة العسكرية، إلا ان تدافع عن البلد، وتحميه، وهو أشرف دور، يمكن ان تؤديه، كما انه دورها الذي خلقت من أجله·
ولعلنا نذكر، هنا، ان السادات كان يردد دائما أن المؤسسة العسكرية، لن تترك الحكم قبل 50 عاما من الثورة·· وقد صدقت بصيرته، التي كانت نافذة، ليس هنا فقط، ولكن في أمور اخرى كثيرة، ليس هذا هو مجالها·
والحقيقة الثالثة، أن المادة ،76 أنهت اسطورة، أو خرافة، أو هاجس التوريث، ولم يعد جمال مبارك في حاجة الى أن يتحرج، وهو يُبدي رغبته في أن يصبح رئيسا للدولة، ولم يعد محتاجا الى أن يخفي هذه الرغبة، وصار في إمكانه أن يعلنها في كل ميدان، لأنه حين يريد ان يحققها، سوف يدخل الانتخابات أمام آخرين، ولن يكون وحده، ولن يكون -وقتها- ابن حسني مبارك فقط·· وإنما سوف يكون المرشح جمال مبارك، شأنه شأن أي مرشح آخر·· وحين تختاره الجماهير، فلن يكون اختيارها له، لأنه جمال مبارك، أو لأنه ابن حسني مبارك، وإنما سوف يكون الاختيار انحيازا الى مصالح الجماهير نفسها، ورغبة حقيقية منها، في أن يكون جمال، هو الرجل الذي يحقق مصالحها، وحاجاتها، وآمالها·· لم يعد من حق أحد، ان يفتح نيرانه، على جمال مبارك، لأنه ابن الرئيس، أو لأن الرئيس أبوه·· ولم تعد هذه البنوة، أو الأبوة إرثا يحمله جمال مبارك فوق كتفيه، رغم انه لا ذنب له فيه!
تعديل المادة ،76 حطم أساطير كثيرة، وأخرس ألسنة اكثر·· وسوف يحطم ويخرس المزيد!
سليمان جودة
'المصري اليوم'

اقرأ أيضا