الاتحاد

دنيا

متحف جامعة الملك سعود شاهد على حضارة الجزيرة العربية

يحظى المتحف بزيارة السياح من كل أصقاع العالم

يحظى المتحف بزيارة السياح من كل أصقاع العالم

متحف جامعة الملك سعود بالرياض من أوائل المتاحف التعليمية بمنطقة الخليج العربي، إذ كانت نواته الأولى قاعة صغيرة خصصت لمتحف الآثار، باعتباره من أنشطة جمعية التاريخ والآثار بكلية الآداب بجامعة الرياض. وجاءت المقتنيات الأولى لهذا المتحف من القطع التي كانت تجمع أثناء الرحلات العلمية لبعض المواقع الأثرية في أرجاء المملكة العربية السعودية، فضلا عن بعض إهداءات أو تبرعات من أشخاص مهتمين بالآثار، وهناك عدد قليل من المقتنيات التي تم شراؤها. وتعتبر مقتنياته شاهدا على الحضارة التي نشأت في الجزيرة العربية قديما.

بدأ متحف جامعة الملك سعود بالرياض في النمو التدريجي مع نشأة قسم الآثار والمتاحف بكلية الآداب، إذ أفردت لمقتنياته مساحة 360م2 في عام 1979، وسرعان ما أخذت الحفائر التي قام بها أساتذة وطلاب هذا القسم في تزويد المتحف بمجموعات نادرة من التحف التي توضح التطور الحضاري في الجزيرة العربية منذ العصور القديمة وصولا للفترة الإسلامية.
مصادر المقتنيات
جاءت مقتنيات المتحف التي تنتمي للفترة السابقة على الإسلام من نتاج حفائر “الفاو”، وهي مدينة قديمة كانت تعرف باسم قرية تقع على بعد 700 كيلو متر جنوب غرب الرياض، ومن المعروف أنها كانت حاضرة لمملكة كندة فيما بين منتصف القرن الأول قبل الميلاد والقرن الرابع الميلادي.
أما منتجات الفنون الإسلامية فقد جاءت مما عثر عليه في حفائر قسم الآثار والمتاحف بموقع “الربذة” على بعد 200كم شرق المدينة المنورة. وكانت الربذة مدينة مهمة ومحطة رئيسة على طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وسكنها وتوفي بها الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري وقد ظلت عامرة بالقصور والمساجد والمنشآت حتى هاجمها القرامطة في القرن الرابع الهجري وقضوا على دورها كمحطة وسوق لقوافل الحج.
وتشهد مقتنيات المتحف تزايدا سنويا في أعدادها بفضل الحفائر التي يقوم بها قسم الآثار بكلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود في موقعين بمنطقة العلا شمال المملكة، وهما موقع “الخريبة” أو “دادان” القديمة وموقع المابيات المدينة التجارية، التي ازدهرت في العصر الإسلامي قبل أن تهجر كليا في أوائل القرن السادس الهجري.
ويحتفظ المتحف بعدد هائل من المقتنيات بمخازنه حيث تشكل مصدرا مهما لأبحاث طلاب وطالبات الدراسات العليا كما يقصده سنويا عدد كبير من علماء الآثار الأجانب لأغراض البحث والدراسة، ويشارك المتحف ببعض روائع مقتنياته في معرض آثار المملكة الذي يتنقل بين الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية.
وقد دعمت مقتنيات المتحف من الآثار القديمة والإسلامية بهدية ثمينة من المغفور له بإذن الله الأمير سلطان بن عبدالعزيز عبارة عن مجموعة نقوده الخاصة المعروفة عالميا باسمه، وهي تتكون من 873 قطعة من الذهب والفضة والبرونز والنحاس منها قطع قديمة تعود للعصور الرومانية والنبطية والساسانية، وقطع تغطي معظم الممالك الإسلامية وهي الأموية والعباسية والفاطمية والبويهية والسلجوقية والأيوبية والصفوية والعثمانية وصولا للدولة السعودية.
مجموعات مهمة
من المجموعات المهمة بالمتحف قطع وكسر من الخزف الإسلامي تنتمي في أغلبها للعصر العباسي، ومنها ما هو من إنتاج العراق وإيران ومصر ومدينة الربذة أيضا.
وتتميز منتجات الخزف المحلي بأنها صنعت من عجينة طينية سميكة لتشكل جراراً ضخمة متسعة الفوهة، وهو ما يؤكد أنها كانت تستخدم بشكل رئيسي في تخزين الحبوب والغلال، فضلا عن بعض قطع فخارية تشكل أجزاء من أواني الاستخدام اليومي للطعام والشراب.
وبالمتحف بعض أواني الخزف ذي البريق المعدني واستوردت للربذة من سامراء العراقية المهد الأول لهذا النوع المبتكر من الخزف الإسلامي.
ومن أجمل هذه القطع طبق صغير بوسطه رسم لأرنب بري وسط نقاط متناثرة رسمت جميعها بالبريق المعدني، بينما ازدانت حافة الطبق بشريط عريض من البريق المعدني، ويؤرخ هذا الطبق بالنصف الأول من القرن الثالث الهجري.
ويعرض هذا الطبق حاليا بمعرض روائع آثار المملكة الذي يجوب عدة مدن أميركية. ومن نفس هذا النوع نجد أيضا كسرة تمثل قاع إناء به رسم لطاووس تحيط به نقاط مطموسة رسمت بالبريق المعدني، وهي أيضا من منتجات سامراء في القرن الثالث الهجري. وكذلك بقايا إناء لعله كان إبريقا، ويزدان بدنه الكروي برسوم نباتية نفذت بالبريق المعدني الذهبي.
ومن الفخار المحلي جرة هائلة من الفخار الأحمر والتي عثر عليها بحالة سيئة ونجح فريق الترميم بالمتحف في إعادة تجميع كسرها لتعرض كنموذج لجرار كانت تستخدم في حفظ الغلال. وثمة جرة صغيرة أيضا لكنها بحالة جيدة من الحفظ وقد صنعت من عجينة فخارية نقية وتامة الحرق، وهي ذات مقبضين بينما تزدان المنطقة تحت الفوهة المتسعة بزخارف محزوزه.
ومن الجرار الخزفية أيضا جرة من الخزف العباسي المرسوم تحت الطلاء الزجاجي، وهي تزدان برسوم دوائر متداخلة باللون البني الداكن على أرضية من اللون البني الفاتح، وهي من القطع النادرة التي تفصح عن خطة زخرفية غير تقليدية.
ونجح فريق الترميم بالمتحف في استكمال زبدية صغيرة رائعة التصميم ليس فقط من جهة تناسق شكلها ولكن أيضا من ناحية زخارفها التي نفذت بأسلوب الحفر، وهي ذات زخارف هندسية متنوعة.
وبالمتحف عدد كبير من الأواني والأدوات التي نحتت في الحجر الصابوني، وهي تتوزع بين مجامر وأدوات طحن صغيرة ولعلها كانت تستخدم لإعداد مواد عطرية أو صيدلانية. وثمة تحف معدنية عثر عليها بموقع الربذة منها أقراط وأجزاء من صناديق كانت تستخدم كحليات وأهمها مجمرة من البرونز ذات مقبض طويل.
ومن التحف العاجية التي يعرضها المتحف قطعة كانت ضمن شطرنج وقطعة من عاج رسمت عليها ملامح إنسان ولعلها كانت دمية لطفل.


تحف وخامات
التحف الزجاجية في المتحف تتنوع بين أوان مشكلة بالنفخ وأخرى بالقالب، ومن أهمها قنينات صغيرة بعضها كان يزدان بأشكال تشبه الرخام وبعضها الآخر له لون واحد شفاف مثلما نرى في قنينة ذات هيئة مربعة وفوهة ضيقة وهي باللون الأخضر الفاتح. ومن التحف الخشبية النادرة محبرة وأقلام تعود للعصر العباسي، وهي تعطي فكرة واضحة عن تطور أدوات الكتابة في تلك الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي.
أما التحف الحجرية بالمتحف فأهمها بعض شواهد القبور التي نقشت بالخط الكوفي وتعتبر من الأمثلة النادرة التي توضح ما طرأ على الكتابة العربية من تطور زخرفي في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة.
ويستطيع زائر المتحف أن يتابع تطور الكتابات والنقوش على النقود الإسلامية من خلال الدنانير الذهبية والدراهم الفضية المتنوعة التي تحفل بها مجموعة الأمير سلطان، ولاسيما التي ضربت خلال العصر العباسي منذ القرن الثاني الهجري وحتى القرن الخامس الهجري، وتحظى المجموعة باهتمام عدد من الباحثين العرب والأجانب.

اقرأ أيضا