تقارير

الاتحاد

إدارة أوباما... أين تحاكم عناصر «القاعدة»؟!

في الأسبوع المقبل يتوقع أن يعلن أوباما عما إذا كان قد قرر التراجع عن قراره السابق الخاص بمحاكمة "خالد شيخ محمد"، العقل المدبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر المروعة، وأربعة آخرين من المشاركين في تلك المؤامرة، في المحاكم الجنائية الفيدرالية، أم أنه سيمضي قدماً في تنفيذ قراره.
وفقاً لتقارير صحفية كانت قد نشرت أولا في صحيفة "واشنطن بوست"، يتعرض الرئيس الأميركي في الوقت الراهن لضغط من جانب كبار مستشاريه، الذين يحرضونه على العودة مرة أخرى للقاعدة التي كان بوش قد أرساها، والخاصة بمحاكمة إرهابييّ تنظيم "القاعدة" أمام محاكم عسكرية خاصة. وإذا ما أقدم الرئيس، الذي خاض حملته الانتخابية تحت شعار الدعوة لإعمال حكم القانون فيما يتعلق بمحاكمة الإرهابيين، على تغيير مساره، فإن ذلك لن يكون بمثابة انتصار مؤسف للاعتبارات السياسية على المبادئ فحسب، وإنما سيكون أيضاً شكلاً من أشكال الإهانة للفطرة السليمة، ولبعض من أهم ثوابتنا التاريخية.
وقد طرح وزير العدل الأميركي "إيريك هولدر " هذه المسألة بشكل مباشر، وذلك عند إعلانه عن القرار الذي اتخذ في البداية، بتحويل محاكمات المتهمين بالضلوع في هجمات الحادي عشر من سبتمبر إلى محكمة جنائية فيدرالية في مانهاتن، كجزء من خطة ترمي لإغلاق ما تبقى من معتقل جوانتانامو الذي يطلق عليه البعض "معتقل بوش- تشيني"، وذلك عندما قال الوزير على نحو واضح: "يجب علينا عدم التراجع أمام العدو، لأن مؤسساتنا قوية، وبنيتنا التحتية راسخة، وعزمنا شديد، وشعبنا متأهب".
ولم يكن ما قاله وزير العدل من قبيل "المثالية الرغائبية" وإنما كان تعبيراً عن إحساس نابع من تجربة قاسية. فهناك إرهابيون آخرون مرتبطون بـ"القاعدة" خضعوا للمحاكمة في النظام الجنائي الفيدرالي، ومنهم على سبيل المثال الشيخ الضرير عمر عبدالرحمن، ورمزي يوسف، اللذان دبرا محاولة تفجير مبنى مركز التجارة العالمي عام 1993، ومنهم أيضاً زكريا موسوي المشارك في مؤامرة الحادي عشر من سبتمبر. فجميع هؤلاء تمت محاكمتهم وإدانتهم من قبل محاكم جنائية فيدرالية، وجميعهم يقضون في الوقت الراهن مدد محكوميتهم في سجون فيدرالية، دون أن يكون هناك احتمال للإفراج عنهم قبل انقضاء المدة لحسن السيرة والسلوك، على وجه الخصوص حالتي "رمزي يوسف" و"زكريا موسوي". ولا يقتصر الأمر على ذلك، حيث نجد أيضاً أن "أحمد خلفان غيلاني" التنزاني المتهم بالمشاركة في عمليتي تفجير السفارتين الأميركيتين في شرق أفريقيا قد نُقل بالفعل من معتقل جوانتانامو إلى مانهاتن في شهر يونيو الماضي حيث لا تزال إجراءات محاكمته تأخذ مجراها.
والقول إن خيار محاكمة خالد شيخ محمد، وشركائه، والخمسة وثلاثين سجيناً المتبقين في "جوانتانامو" يحمل في طياته تحدياً أو تهديداً مختلفاً عن ذلك الذي كان يمثله المتهمون الآخرون، قول سخيف في الحقيقة.
إن الصعوبات الحقيقية الوحيدة التي تمثلها مثل هذه الحالات، هي تلك الناتجة عن طبيعة المعاملة -الخارجة عن القانون وعن النظام القضائي- التي تمت حتى الآن، ونقصد استخدام التعذيب لانتزاع المعلومات من المتهمين، وللحصول على أدلة أخرى. وهذه الصعوبات والمشكلات في الحقيقة هي نتاج للسياسة المذعورة التي اتبعتها الإدارة السابقة، والتي حاولت من خلالها تحقيق عدد كبير من الأهداف في وقت واحد، وبما يفوق طاقاتها الحقيقية.
ولعل الكولونيل "جيفري كولويل" المحامي بسلاح المارينز الذي يعمل الآن كبيراً لطاقم الدفاع في مكتب المفوضيات العسكرية بالبنتاجون، قد عبر عن هذه الحالة بشكل دقيق وصحيح عندما قال: "لقد كنت أعتقد أن القرار الخاص بتقديم المتهمين للمحاكمة سواء في محاكم مدنية أو مفوضيات عسكرية كان قائماً على اعتبارات الصواب، وليس على اعتبارات النفعية السياسية".
ويوصلنا هذا إلى النقطة التالية: إن البيت الأبيض يبدو مدفوعاً لهذا النوع من الانقلاب في الموقف ليس كنتيجة لإعادة تقييم مبادئه وإنما نتيجة لاعتبارات سياسية شديدة الرداءة في الحقيقة. ففي البداية رحب عمدة نيويورك "مايكل بلومبرج" بفكرة محاكمة الإرهابيين المتهمين في مبنى محكمة فيدرالية لا يبعد سوى بمجموعة من الكتل السكنية عن موقع "جراوند زيرو"، الذي كان يقوم عليه برجا مركز التجارة المنهاران، غير أن المعارضة المحلية للمصاريف المتوقعة، والأخطار والتهديدات المفترضة، سرعان ما غيرت ليس فقط تفكير العمدة، وإنما أيضاً تفكير عدد كبير من الأعضاء "الديمقراطيين" عن ولاية نيويورك في الكونجرس.
وهناك تيار آخر من الضغط السياسي جاء من جانب الشيوخ "الجمهوريين" وعلى وجه الخصوص السيناتور "ليندسي جراهام" عضو مجلس الشيوخ عن ولاية "كارولينا الجنوبية" الذي يهدد بسحب الأموال التي سيتطلبها تحويل سجن أميركي مهجور إلى مقر لمعتقلي جوانتانامو، ما لم يتم عقد جميع المحاكمات أمام محاكم مدنية.
أما المحاولات التي تمت مؤخراً من جانب النشطاء "الجمهوريين" من أجل تلطيخ سمعة المحامين التابعين لوزارة العدل، الذين ترافعوا عن المتهمين في المحاكمات السابقة -بدون مقابل في أحيان كثيرة- ووصفهم بأنهم متعاطفون مع الإرهابيين، فهي محاولات رديئة بل حقيرة للغاية.
ومما يستحق الذكر في هذا السياق أن انفجار هذا النوع من السموم المكارثية، هو عبارة عن صورة مرآة دقيقة لمحاولات سابقة من الجانب الآخر من الطيف السياسي الأميركي كانت تهدف أولا لمحاكمة، وبعد ذلك للتنكيل بمحامي إدارة بوش، وعلى وجه الخصوص المحامي "سي. يو" بسبب الاستشارات التي قدموها لزبائنهم في الفرع التنفيذي من الحكومة.
إن الوضع الحالي يمثل من دون شك مناسبة يتعين فيها على إدارة أوباما الاختيار بين المبادئ وبين النفعية السياسية. ولا خلاف على أن الخيار الذي سيتخذه البيت الأبيض في هذه المناسبة سيكون مفيداً وملهماً لكل من يعنيه الأمر.


تيم روتن
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم سي تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا