تقارير

الاتحاد

الدور القيادي لواشنطن في مفاوضات «السلام»

استغرقت محاولات أوباما لإقناع طرفي النزاع الإسرائيلي والفلسطيني بالدخول في مفاوضات لحل المسائل العالقة التي تعترض خطة التسوية السلمية الشاملة، عاماً كاملاً منذ توليه منصبه. لكن وكما علمنا خلال هذا الأسبوع، الذي يزور فيه نائب الرئيس الأميركي بايدن المنطقة، فقد قررت إسرائيل بناء 112 وحدة سكنية استيطانية جديدة في الضفة الغربية، إضافة إلى 1600 وحدة سكنية أخرى في القدس الشرقية، ما يشكل خطراً جدياً على المفاوضات المقرر إجراؤها بين الطرفين. وإذا ما افترضنا عدم التأثير السلبي لهذا الإعلان على بدء المفاوضات، فإن على إدارة أوباما أن تتحرك بسرعة وحزم لإنقاذ هذه المفاوضات. وفي ذلك فإن على الإدارة الاستفادة من ثلاثة دروس في الصراع من أجل تمرير خطة إصلاح الرعاية الصحية التي تبنتها.
الدرس الأول: حيازة المبادرة وملكيتها. والمقصود بذلك أن الإدارة أعلنت بكل وضوح للجميع أن إصلاح الرعاية الصحية وشمول تغطيتها لجميع المواطنين الأميركيين، يمثلان أولوية قصوى لها. ولم تكتف بذلك بل مضت في وضع أدق التفاصيل التشريعية المرتبطة بها، بينما استغرق المشرعون عاماً كاملاً في التداول بشأنها دون إنجاز شيء يذكر لتمريرها.
وبالمثل أعلن الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما، أن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل أولوية قصوى لمصالح الأمن القومي الأميركي في منطقة الشرق الأوسط. وهو كذلك بالفعل. فلا شيء يقلل من حدة المعارك الجارية في مختلف الميادين الحربية، أكثر من تسوية سلمية تخطط لها وترسمها وتقود التوصل إليها واشنطن. لكن وعلى خلاف هذا الموقف، صرح عدد من مسؤولي الإدارة نفسها -بمن فيهم وزيرة الخارجية هيلاري- قائلين إن بلادهم تريد حلاً سلمياً للنزاع، غير أنه ليس في وسعها أن تكون أشد رغبة وحرصاً على التوصل إلى تسوية كهذه، من طرفي النزاع نفسيهما. والحقيقة أن واشنطن ربما ترغب وتحرص على التسوية السلمية للنزاع، أكثر من الحكومة الإسرائيلية الحالية بصفة خاصة. وربما تكون حكومة "الليكود" قد قررت استئناف المفاوضات نظرياً، بيد أن ممارساتها العملية تؤكد أن قصدها هو إفشال المفاوضات بوضع العقبات المتتالية أمامها. فإلى جانب موافقتها على إنشاء مستوطنات جديدة، كشف بعض مسؤوليها عزمهم على إعادة فتح قضايا تم تجاوزها سلفاً في مفاوضات سابقة، لاسيما ترسيم الحدود، بدلاً من البدء من حيث انتهت آخر المفاوضات، وهو ما ينادي به رئيس السلطة الفلسطينية أبومازن وزعيمة حزب "كاديما"، ليفيني. وفي مطالبة إسرائيل بالعودة بالمفاوضات المقبلة إلى نقطة الصفر، ما يشبه مطالبة الجمهوريين الغريبة بالعودة بمناقشة مشروع قانون إصلاح الرعاية الصحية إلى نقطة البداية، عقب انتخاب سكوت براون لعضوية مجلس الشيوخ.
الدرس الثاني: هو سرعة التحرك. فقد استمرت جهود تمرير هذا القانون لفترة طويلة من الوقت، تمكن خلالها الخصوم من استعادة تنظيم صفوفهم وتنسيق سلسلة من الهجمات التي تستهدف إحباطه. وبالمثل فسوف يعطي استمرار المفاوضات لفترة طويلة من الوقت، أعداء السلام فرصة لتنسيق الحملات والهجمات ضده.
فعلى سبيل المثال، هددت جامعة الدول العربية، التي منحت رئيس السلطة الفلسطينية تفويضاً بالدخول في المفاوضات المقرر إجراؤها الآن، بسحب ذلك التفويض على إثر الإعلان الإسرائيلي عن بناء المستوطنات الجديدة. وإذا ما افترضنا عدم سحب الجامعة العربية لذلك التفويض، فهي تطالب بأن تصل هذه المفاوضات إلى نتائج ملموسة خلال أربعة شهور من بدئها. وذلك يعني أن هذه المدة سوف تمضي بسرعة خاطفة، ربما قبل أن تقرر إسرائيل وقف بناء المستوطنات الجديدة التي أعلنت عنها مؤخراً. بل يتوقع الفلسطينيون أن تمضي إسرائيل شوطاً أبعد من هذا في توسيع سياساتها وخططها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية بحلول سبتمبر المقبل. ومهما يكن، فإن هذه الفترة القصيرة التي حددتها جامعة الدول العربية، سوف تعطي واشنطن حيزاً زمنياً محدوداً للتحرك السريع. وما يشجع على هذا، أن الكثير من المسائل الصعبة المعقدة قد تم التفاوض بشأنها سلفاً. والعامل الحاسم لإنجاح هذه المفاوضات، هو قوة الإرادة السياسية الأميركية، والدور الذي تلعبه واشنطن فيها.
بهذا نصل إلى الدرس الثالث والأخير الذي يمكن تعلمه من معركة إجازة قانون إصلاح الرعاية الصحية في هذه المفاوضات. فقد خطا الرئيس أوباما أخيراً ليتولى بنفسه توضيح أهمية الإسراع بإجازة قانون إصلاح الرعاية الصحية، حتى وإن لم يكن خالياً من العيوب. صحيح أن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني يمثل أولوية قصوى لمصالح الأمن القومي الأميركي. غير أنه يكتسب الأهمية ذاتها في الساحتين المحلية والإقليمية. فهناك داخل إسرائيل من يؤمن إيماناً راسخاً بأن حدود إسرائيل الحالية -بعد حرب 1967- هي حدود رسمتها الإرادة الإلهية، بمعنى أنها مقدسة ولا سبيل للتراجع عنها لأي سبب كان. غير أن الذين يؤرقهم الخوف والقلق على أمن إسرائيل ومستقبلها، لا يزال بالإمكان إقناعهم بضرورة الإسراع نحو السلام. وهذا هو التأثير الذي يمكن أن تمارسه واشنطن وإدارة أوباما على أنصار السلام في إسرائيل، وكذلك على نسبة الـ78 في المئة من اليهود الأميركيين التي صوتت لصالح حملة أوباما الرئاسية. ويجدر بالذكر أيضاً أن غالبية المسلمين الأميركيين وكذلك العرب الأميركيين، توافق على قراءة أوباما للنزاع. ويتعين على أوباما استقطاب دعم هؤلاء لجهوده الرامية إلى التسوية السلمية الشاملة.


أمجد عطا الله
مدير فريق العمل الخاص بالشرق الأوسط في "نيو أميركا فاونديشن"
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"

اقرأ أيضا