صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

«الليبــور» الذي هز عـرش أكبر المصارف العالمية

مصطفى عبد العظيم(دبي)

في يوليو 2012، تحدثت صحيفة فاينانشال تايمز في تقرير لها عن إمكانية حدوث تلاعب في أسعار الليبور منذ عام 1991، وذلك من قبل بنوك أعضاء في اللجنة تقوم بتقديم معلومات غير صحيحة في المسح الاستقصائي اليومي وذلك بهدف التأثير على حسابات الليبور بشكل يجعلها أكثر ملاءمة لتحقيق مصالحها فضلاً عن تعزيز جدارتها الائتمانية.
واعترف بنك باركليز، أحد بنوك التجزئة الكبرى في المملكة المتحدة والذي يعمل على الصعيد العالمي، في سبتمبر 2012 بمحاولة التلاعب في حسابات الليبور، وهو الاعتراف الذي أتى بعد تحقيقات موسعة، حيث غرمت جمعية المصرفيين البريطانية بنك باركليز 290 مليون دولار كما اضطر رئيسه التنفيذي إلى الاستقالة، ومع بدء التحقيقات في بريطانيا امتدت الفضيحة الى بنوك أخرى عديدة ووصلت إلى البنك المركزي البريطاني لتطيح برؤوس كثيرة في القطاع المصرفي البريطاني.
ولم تقتصر هذه الفضيحة على القطاع المصرفي البريطاني فحسب، فنظراً للطبيعة العالمية لـ«الليبور»، الذي يجرى بناء على سعره المحدد يوميا صفقات بقيمة 350 تريليون دولار، انتشرت الفضيحة كالنار في الهشيم، لتمتد على مساحة ثلاث قارات أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، وطالت التحقيقات عددا من أكبر المصارف العالمية، ومع كل إدانة تظهرها التحقيقات الجارية بشأنها يهتز أكثر عرش المصارف العالمية.
وللتعرف على حقيقة الليبور الذي هز عرش القطاع المصرفي العالمي في العام 2012 ورغم ذلك مازال يتم التعامل به على نطاق واسع، نستعرض في استراحة اليوم نشأة وتطور مفهوم الليبور والتخوفات المتعلقة بمستقبله، وذلك وفقاً لما تم تداوله في العديد من التقارير الدولية وخاصة تقرير صندوق النقد الدولي حول الليبور.

ما هو الليبور؟
كل أيام الأسبوع في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا، يقوم ثمانية عشر بنكا من البنوك الكبيرة، تحت إشراف جمعية المصرفيين البريطانيين، بإبلاغ سعر الفائدة الذي يمكنهم من اقتراض مبلغ «معقول» من الدولارات من بعضها البعض في ظل ما يُطلق عليه سوق المعاملات بين بنوك لندن.
وتبلغ هذا البنوك أسعار الفائدة على الاقتراض لخمسة عشر أجل استحقاق مختلفة تتراوح بين القروض لليلة واحدة إلى القروض لمدة عام. وتتولى وكالة الأنباء «تومسون رويترز» جمع أسعار الفائدة المبلغة من هذه البنوك نيابة عن مجموعة المصرفيين، وتطرح جانبا أعلى وأدنى أربعة أسعار، وتحسب متوسط البقية. وبعد ذلك تعلن الوكالة متوسط السعر الذي قالت البنوك إنه يمكنها الاقتراض به لكل أجل من آجال الاستحقاق الخمسة عشر.
وتُجرى هذه العملية كذلك على تسع عملات أخرى. ويُطلق على المتوسط - الذي غالبا ما يُشار إليه صيغة المفرد وإن كان هناك 150 سعر فائدة – «سعر الفائدة السائد بين بنوك لندن»(ليبور)، وهذا السعر هو أحد أفضل أسعار الفائدة المعروفة وأهمها على مستوى العالم.
ولكن أهميته لا ترجع إلى أن البنوك تُجري بالفعل المعاملات فيما بينها على أساس السعر المعلن - وإن كان ذلك ممكنا، ولكن تُستمد أهمية «ليبور» من استخدامه على نطاق واسع كمقياس مرجعي لكثير من أسعار الفائدة الأخرى التي تُجرى المعاملات بالفعل على أساسها.
ووفقا لتقرير صدر عن الخزانة البريطانية، هناك عقود مالية بقيمة 300 تريليون دولار مرتبطة بسعر ليبور - ولا يتضمن هذا الرقم أسعار الفائدة على عدد لا يُحصى من القروض العقارية السكنية ذات الفائدة المتغيرة والقروض الاستهلاكية بعشرات المليارات من الدولارات التي تستخدم ليبور، بطريقة أو بأخرى، كسعر مرجعي.
ونظرا لأن الدولار الأميركي هو أهم عملات العالم، فربما كانت أسعار «ليبور» على الدولار الأميركي هي الأكثر شيوعا والأوسع استخداما، وهناك مجموعات أخرى - يتراوح حجمها بين 6 بنوك و16 بنكا - تقوم بالإبلاغ على أساس يومي عن التكلفة التي يمكن أن تتحملها على القروض قصيرة الأجل في سوق المعاملات بين بنوك لندن بالدولار الأسترالي، والجنية الاسترليني البريطاني، والدولار الكندي، والكرونة الدنماركية، واليورو، والين الياباني، والدولار النيوزيلندي، والكرونا السويدية، والفرنك السويسري.
ومع ذلك يُرجح حدوث قدر كبير من التغير نتيجة للجدل الدائر حول كيفية إبلاغ بعض البنوك لأسعار الفائدة التي «تعتقد» أنه يمكنها الاقتراض بها ونتيجة لبعض المشكلات الأساسية المتعلقة بمفهوم «ليبور».
وطرحت حكومة المملكة المتحدة اقتراحات لوضع عمليات التحديد والحفاظ على هذا المقياس المرجعي المهم تحت إشراف الحكومة، وجعله يستند إلى المعاملات الفعلية، وإلغاء معظم الأسعار المنفصلة البالغة 150 سعرا.

ابتكار حديث
ظلت البنوك في لندن تقرض بعضها البعض على مدى قرون، ولكن فكرة «ليبور» حديثة نسبيا، وترجع جذورها إلى النمو المفاجئ الذي شهده مطلع الثمانينيات من القرن العشرين في استخدام العقود الآجلة للوقاية من مخاطر أسعار الفائدة. ونشأت الحاجة في ذلك الوقت إلى أسعار معيارية جيدة لتسوية هذه العقود. ولجأت الأسواق إلى المجموعة المعنية بقواعد العمل في الصناعة المصرفية وبنك إنجلترا ليوفرا لها هذا السعر.
وأطلقت جمعية المصرفيين البريطانيين سعر «ليبور في عام 1986 - بثلاث عملات فقط في البداية - هي الدولار والين والجنيه الاسترليني.
ونشأ سعر «ليبور» كمقياس معياري موحد لتسعير قروض الشركات بأسعار فائدة متغيرة. ومع هذا، تزامن استحداثه مع نمو أدوات مالية جديدة قائمة على سعر الفائدة - مثل عقود الفائدة الآجلة ومبادلات أسعار الفائدة - وهي أيضا تتطلب مقاييس معيارية موحدة وشفافة لأسعار الفائدة.
ومن المفترض أن يكون ليبور انعكاسا للواقع - أي السعر المتوسط لما تعتقد البنوك أنه سيتعين عليها دفعه لاقتراض مقدار «معقول» من العملة لفترة قصيرة محددة. أي أنه يمثل تكلفة الأموال - برغم أن البنك قد لا يكون في حاجة فعلية إلى الأموال في أي يوم معين.
لكن كان سعر ليبور موضع هجوم من منطلق أن طريقة تحديد أسعار الفائدة مشوبة بالعيوب ومعرضة للخروج بنتائج مشوهة في فترات الضغوط السوقية عند توقف البنوك عن إقراض بعضها على مستوى الطائفة الكاملة لآجال الاستحقاق، من الإقراض لليلة واحدة حتى الإقراض لمدة عام.
ومن التحديات المباشرة التي واجهت موثوقية ليبور بقدر كبير، محاولات التلاعب بهذا السعر، وبأسعار معيارية أخرى، من جانب بنك بريطاني كبير هو باركليز الذي وافق في يونيو 2012 على دفع غرامات جراء هذا التلاعب يصل مجموعها إلى حوالي 450 مليون دولار لجهات تنظيمية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وتخضع بنوك أخرى للتحقيق نتيجة لعدم دقتها في إبلاغ أسعار ليبور، بينما تشير تقديرات محللي حصص رأس المال المصرفي إلى أن تكلفة الغرامات والدعاوى يمكن أن تصل إلى حوالي 50 مليار دولار.
ولكن حتى قبل أن يدور الجدل حول التحقيق في هذا التلاعب ومدى دقته، كان كثيرا ما يُقال إن ليبور»خيالا مريحا« نظرا للانفصال بين أسعار ليبور المستخدمة كمقاييس مرجعية وسعر الاقتراض الفعلي في سوق المعاملات بين بنوك لندن. فمعظم البنوك تقرض بعضها البعض أموالا لمدة أسبوع أو أقل، إذن تحدد معظم أسعار ليبور على القروض ذات آجال الاستحقاق الأطول بناء على افتراضات مستنيرة. ومع هذا، ترتبط حوالي 95% من المعاملات التي تستخدم أحد أسعار ليبور كسعر مرجعي - من مشتقات أسعار الفائدة إلى القروض العقارية السكنية – بمؤشر
أسعار الفائدة على القروض بآجال استحقاق ثلاثة شهور أو أكثر.
واتضح مع ذلك أن أسعار ليبور دقيقة إلى حد معقول، فهي تتبع عن كثب في معظم الوقت مقاييس مرجعية مشابهة ترتبط بأسعار التمويل المصرفي الفعلي غير المضمون كتلك الخاصة بالأوراق التجارية.
والاستثناء البارز كان هو الفترة اللاحقة مباشرة لإخفاق المؤسسة المصرفية الاستثمارية ليمان براذرز في نيويورك الذي حدث في سبتمبر2008، والذي تسبب في وقوع الأزمة المالية العالمية. واتخذ سعر ليبور على القروض بالدولار الأميركي لثلاثة أشهر اتجاها مخالفا لسعرين مماثلين على القروض قصيرة الأجل يُتاحا للجمهور وهما «سعر التمويل السائد بين بنوك نيويورك » لمؤسسة «آيكاب » وسعر الفائدة على الودائع باليورو دولار لثلاثة أشهر، وهي الودائع المقومة بالدولار الأميركي في بنوك خارج الولايات المتحدة.
وكان سعر ليبور أقل من سعر اليورو دولار في أوائل عام 2008 ولكنه كان أقل كثيرا في الفترة اللاحقة مباشرة لانهيار ليمان. ويبدو أن سعر ليبور ظل يسير على نهج سعر التمويل السائد بين بنوك نيويورك(NYFR)عن كثب، إلا في الفترة التي أعقبت انهيار ليمان مباشرة، حينما كان سعر نيويورك بالقطع منخفضا أيضا.
ومن ناحية، ربما كان سعر ليبور أقل بعد انهيار ليمان نتيجة للعواقب غير المقصودة التي نتجت عن قاعدة جمعية المصرفيين البريطانيين التي تهدف إلى ضمان إبلاغ البنوك عن تكاليف اقتراضهم من خلال النشر الفوري لتقارير البنوك المنفردة. وبينما كان يتوقع أن يشجع ذلك عادة على الأمانة، إلا أنه ربما عاد هذا الضمان بنتائج عكسية في الفترة 2007 – 2008، فتشير التقارير إلى أن البنوك كانت تجد غضاضة في التطرق إلى المشكلات التي تواجهها في الحصول على تمويل من خلال إبلاغ سعر فائدة أعلى مما كان يُحَصل من بنوك أخرى. وبالتالي، كان البنك الذي يعاني من مشكلات في التمويل يجد سببا لإبلاغ معدلات أقل مما كان يعتقد أنه سيحصل عليه في الحقيقة، وذلك لإخفاء مشكلات السيولة التي يواجهها. وبالفعل، أشار عدد من الدراسات إلى أن البنوك كانت تقدم أسعارا أقل من القيمة الحقيقية بعد انهيار البنك الاستثماري بيير ستيرنز في مارس 2008 وكذلك بعد انهيار ليمان بعد مضي ستة أشهر.
وتوصلت دراسات أخرى إلى أن هناك مواقف تشير إلى عدم دقة البنوك في إبلاغ بياناتها. ولكن الدراسات التي كانت تبحث عن علامات تواطؤ خاصة بالبنوك لم تكن حاسمة بوجه عام.
وتعالت بعض الأصوات بعد الفضيحة تنادي بإلغاء سعر ليبور، ولكن نتيجة لأهميته البالغة واستخدامه كمقياس مرجعي على نطاق واسع، جاء قرار الحكومة البريطانية يفيد بعدم إمكانية إلغائه وضرورة إنقاذه.
فأولا، طرحت الحكومة البريطانية اقتراحا بتولي مسؤولية الرقابة على ليبور بدلا من المجموعة المصرفية التي قال عنها مارتين ويتلي، مدير عام هيئة الخدمات المالية البريطانية إنها «من الواضح قد فشلت في الإشراف بشكل سليم على عملية تحديد سعر ليبور». ومن أجل التركيز في إصدار أسعار ليبور على أسعار الفائدة المهمة - والتي يمكن التحقق من تكاليف تمويلها - جرى استبعاد عملات أستراليا وكندا والدنمارك ونيوزيلندا والسويد بالتدريج وكذلك إلغاء أربعة آجال استحقاق، لينخفض عدد أسعار ليبور من 150 إلى 20 وهي أكثر الأسعار المهمة للمشاركين في السوق.
ومع ذلك، سيظل كثير من الأسعار غير مبني على معاملات فعلية بين البنوك. ومن ثم، يشجع تقرير ويتلي المشاركين في السوق على إعادة النظر في استخدام سعر ليبور كمقياس مرجعي والنظر في الحاجة إلى خطة احتياطية إذا توقفت أسعاره عن الصدور.