ثقافة

الاتحاد

محمد الهاجري يسجل أصالة المدن وتاريخها

الغلاف

الغلاف

سلمان كاصد (أبوظبي) - يقول الشيخ علي بن محسن السليمي الأزدي في وصف دبي:
قم للرحيل مشمرا
عن ساعديك محسرا
وإذا شممت شذا “دبي”
فقف بها مستبشرا
ونشم من ريحانها
مسكاً يفوح وعنبرا
ولأن الريحان والعنبر يفوحان عطراً في المكان، لذلك يظل منتشراً في الزمان الطويل، ومن ذلك نقول إن الرائحة الزكية عطرت دبي في كل حقبها، كما جاء في كتاب “دبي ورؤوس الجبال.. مواقف ورجال، والمر بن حريز خير مثال” للمؤلف محمد عبدالله الهاجري.
تصدرت كلمة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله والتي قال فيها: “من لا يذكر ماضيه، فليس له حاضر ولا مستقبل”، صفحات الكتاب الأولى، إذ أن الماضي هو التراث، والجذور العميقة، ولأن دبي راسخة بالماضي فإن جذورها ممتدة في أعماق أرض سحيقة.
يرى الهاجري أنه تحرى الدقة فسجل المواقف وتقصى الحقائق، وثبت روايات الرجال الأوائل وأفعالهم، من مراجع مكتوبة توخى من خلالها الموضوعية وتتبع الدقة في اختيار المعلومة.
قاد الباحث موضوعة عن المر بن حريز إلى نشأة دبي ومجتمعها حيث برزت ككيان سياسي مستقل في عام 1833م بقيادة زعيمها الشيخ مكتوم بن بطي بن سهيل، وكما يقول الباحث “وحرصت منذ نشأتها على إقامة علاقات وثيقة مع الجوار المتمثل في أبوظبي زعيمة بني ياس، ومع الشارقة زعيمة القواسم، وعمان مركز الامبراطورية العمانية، التي كانت تشمل بالإضافة إلى مناطق سلطنة عمان الحالية تلك المناطق والممالك الممتدة على طول الساحل الشرقي لقارة أفريقيا من الصومال شمالاً حتى موزمبيق جنوباً وتمتد في عمق القارة حتى البحيرات”.
وحدد الباحث الهاجري مركز كتابه في الفصل الثاني منه والذي تمحور حول شخصية المر بن حريز نشأته وحياته ومآثره وما ترك من آثار خيره في المساجد التي بناها والتي تحمل اسمه.
وأفرد الباحث الفصلين الثالث والرابع للحديث عن ابنتي المر بن حريز وهما الشيخة حصة بنت المر وشقيقتها الشيخة شما بنت المر.
ولابد من الإشارة إلى أهمية الفصل الأول كونه يرصد “دبي وعلاقتها مع الجوار” عبر أربعة أقسام وهي “دبي.. كيان سياسي مستقل” و”العلاقة بين دبي وأبوظبي” و”العلاقة بين دبي والشارقة” و”العلاقة بين دبي وعمان”.
يبحث الهاجري في “الوصل” وهو الاسم الأقدم لدبي، و”لكن مصادر شفهية موثوقة تؤكد أن دبي كانت موجودة بالتزامن مع الوصل ومجاورة لها، إلا أنها لم تكن مأهولة بالسكان إلى أن انتقل إليها بعض سكان الوصل، وفي مقدمتهم شيخ البلدة الشيخ مكتوم بن سهيل “الجد الأعلى للشيخ مكتوم بن بطي بن سهيل مؤسس دبي ككيان سياسي مستقل عام 1833م” واتحدت البلدتان تحت اسم الوصل لفترة من الزمن”.
ويؤكد الهاجري أنه “ورد في مخطوطة الرحالة البندقي بالبي في عام 1580م حول منطقة مغاصات اللؤلؤ الواقعة بين قطر ورأس الخيمة، فقد ذكر اسم دبي ضمن أسماء الأماكن التي أوردها في مخطوطته المذكورة”.
ويستشهد الهاجري بالدكتور ب. ج، سلوت مدير مؤسسة الأرشيف الوطني الهولندي في كتابه “غرب الخليج” (1602-1784) حيث أورد أسماء للأماكن من قطر إلى مسقط في قائمة له وهي “جزيرة حالول وداس وزركوه وصير بني ياس، والظنة ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة وشعم وغمض وبخا وخصب وكمزار وليما ودبا وخورفكان وكلبا وصحار وبركا”.
ويواصل الهاجري بحثه في الأنساب والتاريخ لمعرفة المزيد عن الشيخ مكتوم بن سهيل شيخ بلدة الوصل حيث يتبين له - بحسب قوله - إن الشيخ مكتوم هو حفيد النسّاب والشاعر ابي سهيل الشيخ بطي الفلاسي صاحب العلم الغزير في الأنساب والتاريخ، والذي نسّب بني ياس في قصيدته الشهيرة قبل أكثر من ثلاثمائة وخمسين عاماً إلى ياس بن عبدالأعلم إذ يقول:
إن بني جبلة بن أحمد عصبة
والجد من ياس بن عبدالأعلمي
ويقول الهاجري: “وبذلك يتضح لنا أن أبا سهيل الشيخ بطي الفلاسي هو الجد الأعلى لآل مكتوم الكرام شيوخ دبي”.
لقد تحدث أبوسهيل الشيخ بطي الفلاسي عن أمجاد وخصال بني ياس وعن القبائل المتحالفة معها والمنضوية تحت لوائها في قصيدته التي يقول فيها:
أهل الجياد المكعتية والقنا
وبيارق الظفر العزيز الأقدمي
نحن الذي أفنت ظبات سيوفنا
طي وبني قيس وآل محلّمي
وحنا وطينا عبد قيس بأرضها
وأضحى نخلها بين ياس يقسّمي
وحنا ضهدنا الأزر في عماناتها
وتميم بالسيف الرقيق الأرخمي
وتستطرد القصيدة في مبحث الأصول والأفعال.
ويتتبع الهاجري رحلة “دبي” في التاريخ فيتحول إلى سياستها المستقلة منذ حكم مكتوم بن بطي بن سهيل.
ويقرأ الباحث علاقة دبي بأبوظبي وخاصة مع تسلم الشيخ خليفة بن شخبوط بن ذياب سدة الحكم في أبوظبي خلفاً لأخيه الشيخ طحنون بن شخبوط عام 1833 مع قيام كيان دبي السياسي بزعامة الشيخ مكتوم بن بطي.
ويتتبع الباحث الهاجري سيرة المر بن حريز بن حنظل بن قعود الفلاسي ونشأته إلا أنه لم يقف على تاريخ دقيق لولادته اذ يتوقعه ما بين 1815 و1820 ميلادي وتاريخ وفاته في عام 1911م.
كان المر شجاعاً قال فيه مبارك حمد العقيلي يخاطب الشيخة حصة بنت المر:
أيا ابنت الرجل المحذور سطوته
وأم خير فتى في باعه طولُ
لم يهو غير المعالي منذ نشأته
وكل هادٍ بما يهواه مشغول
ويتطرق الباحث إلى “ليلة الإنجليز” والتي وقعت في الرابع والعشرين من ديسمبر عام 1910م ومساهمة المر فيها، كما يتحدث عن سخائه وحبه للخير وعن تاريخ مسجد المر بن حريز في منطقة الشندغة.
ويقرأ الهاجري في الفصل الثالث حياة حصة بنت المر الابنة الثانية والتي وُلدت عام 1890 وتزوجها الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي الأسبق، وأبنائها حيث أثمرت هذه الزيجة شيوخاً وشجرة طيبة حكاماً لدبي. كما يقرأ الباحث في الفصل الرابع حياة شما بنت المر.
وبعد أن قرأنا مناقب المر بن حريز وجدنا أن عنوان الكتاب يلفت ذهن القارئ “دبي ورؤوس الجبال”، والمتتبع لذلك يجد القصة في الفصل السادس بعنوان “العلاقات المتميزة” وهو مسك ختام الكتاب حيث علاقة “دبي” بـ”بخا” وتوابعها، وهي علاقة توأمة بين منطقتين لا تواصل جغرافي بينهما حي يقول الباحث “ولكننا نجد تواصلاً وجدانياً بين أبنائهما وقد ضرب جذوره في التاريخ وتؤكده وثيقة محررة في عام 1857 بين المر بن حريز والشيخ سليمان بن محمد مالك حاكم بخا”.
ونترك للقارئ تتبع هذه العلاقة المتجذرة كما وردت في الكتاب بشكل أوسع.

اقرأ أيضا

«نيويورك أبوظبي» يقدم «لنعيد تواصلنا»