الاتحاد

الاقتصادي

"اليورو" بين الإصلاح والصمود.. أو الانتقال إلى مثواه الأخير!

 عملة نقدية من فئة 50 يورو (أرشيفية)

عملة نقدية من فئة 50 يورو (أرشيفية)

حسونة الطيب (أبوظبي)

بعد بلوغه فترة المراهقة التي عادة ما يشتد فيها العود، ودخول مرحلة النضوج، أوشك اليورو على الانهيار، إلا أنه تجاوز سنوات الأزمة المالية من 2009 إلى 2012، متحدياً من شككوا في صموده ونجاحه بعد عقدين من مولده في الأول من يناير 1999. وأصبح اليورو حالياً، أكثر شهرة وتداولاً، إلا أن التوترات لا تزال تعترض مسيرته، التي لا بد لها من صياغة جديدة لمواجهة بطء الاقتصاد العالمي أو أي أزمة جديدة تطل برأسها مستقبلًا، بحسب صحيفة «ذي إيكونوميست».
وكانت التجربة الاقتصادية الجريئة بالنسبة لمؤيدي اليورو، تتويجاً لنصف قرن من التعاون الأوروبي لتوحيد قارة ظلت تعاني التشظي والتشتت. وقال المستشار الألماني السابق هلموت كول، الذي ابتدر الاتحاد النقدي مع الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران «الأمم التي تتشارك عملة واحدة، لا يمكن أن تدخل في حروب ضد بعضها البعض أبداً».
وعنى الاتحاد النقدي لكل دولة شيء ما، فبالنسبة للفرنسيين، كان وسيلة لترويض القوة الاقتصادية لألمانيا التي أعيد توحيدها مؤخراً، وقوة البنك الاتحادي الألماني. وللألمان، الذين كانوا يخشون تسديد فاتورة الأوروبيين الجنوبيين المسرفين، كانت الجائزة، عملة مستقرة، ونهاية لتنافس خفض قيمة العملة الإيطالية. أما بالنسبة لإيطاليا واليونان ودول أخرى في جنوب القارة، فكان الاتحاد النقدي وسيلة للتحلي بمصداقية مكافحة التضخم التي يتسم بها البنك الاتحادي الألماني الذي تم تصميم البنك المركزي الأوروبي على شاكلته.
ويرى معظم منتقدي اليورو، والعديد منهم في أميركا، أن اتحاد العملة، سيعرقل توحيد الاقتصادات المختلفة بشكل كبير في هيكلها، وينزع السلاح الذي يساعد في محاربة الانكماشات غير المتماثلة لأعضاء الاتحاد، مثل انهيار الإسكان المحلي. وبالتخلي عن القدرة على خفض قيمة العملات، فالطريقة الوحيدة للتكيف، ستكون عبر تخفيضات مؤلمة للأجور، ومؤثرة على الصعيدين السياسي والاجتماعي.
وأعطى بعض خبراء الاقتصاد، وبينهم ميلتون فريدمان، فترة لا تزيد على 10 سنوات لينهار فيها اليورو ومن ثم الاتحاد الأوروبي. ولم يحالف الحظ، مؤيدي اليورو أو منتقديه. فقد اتسعت رقعته لتغطي 19 دولة، وحل اقتصاد المنطقة ثانياً كأكبر اقتصاد في العالم بعد أميركا، عند قياسه على ضوء سوق سعر الصرف.
وفي الوقت الذي يستقبل فيه اليورو عقده الثالث، يبرز سؤال عما إذا كانت لديه القدرة على مجابهة الصعوبات المقبلة أم لا؟ وللقيام بذلك، يجب عليه امتلاك الأدوات الاقتصادية اللازمة لتجاوز نقاط الضعف التي تعانيها منطقة اليورو. وقد أضحت هذه النقاط جلية عقب أزمة ديون اليونان والبرتغال وإسبانيا.
والوحدة الاقتصادية العميقة بين الحدود والبنوك وأسواق المال، التي تنهض بالاقتصاد المحلي، لم تتبلور بعد، بينما لم تنضج سوق للعملة الموحدة حتى الآن في منطقة اليورو. ووفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يشكل سوق سندات الشركات، 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع ما يزيد على 40% في أميركا. وتوصلت دراسة أعدتها المفوضية الأوروبية في 2016، إلى أن توحيد أسواق العمل والمال، خفف 50% من الصدمات الناجمة عن التغيرات في أحوال الاقتصاد الجزئي في أميركا، بينما لم تزد نسبتها على 10% في منطقة اليورو.
وأدت الوحدة بين البنوك، لتفاقم المخاطر وليس نشرها، حيث أنجزت البنوك عمليات إقراض مباشر للمؤسسات والأسر حول منطقة اليورو. وكان الإقراض بين البنوك، من النوع الذي يسهل سحبه، ما نتج عنه خلل في توازن الاقتصاد الكلي. وارتفع صافي الالتزامات الأجنبية في البرتغال واليونان وإسبانيا، بنحو 80% أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2008.
وبدون وجود وحدة عميقة، يقع عبء الإصلاح على دول تعاني بالفعل، مثل اليونان التي ترزح في أحضان الأزمة بعد إفراطها في الإنفاق وإخفائها للعجز المالي. وانتشرت الأزمة لأيرلندا التي تفاقمت بفعل إهمال البنوك، وفي إسبانيا بسبب انهيار القطاع العقاري. وزادت الأوضاع سوءاً عندما عجزت الحكومات عن الاقتراض لتغذية البنوك المتعثرة. وفي الوقت الذي تحتاج فيه دول مثل، اليونان وقبرص وإسبانيا وإيرلندا، لبرامج إنقاذ، تفرض دول الشمال عليها معايير تقشف شديدة القسوة وإصلاحات هيكلية مرهقة.
وبفعل هذه المعايير، أصبحت منطقة اليورو، أكثر توازناً من الناحية الاقتصادية، وتنعم كل دول الاتحاد تقريباً حالياً باستثناء فرنسا وإستونيا وإسبانيا، بفائض في ميزانياتها، في حين كانت إيرلندا والبرتغال وإسبانيا، تعاني عجزاً في حساباتها الجارية قبل الأزمة، إلا أنها تملك فائضاً الآن.
ومهما يكن، وبدخول منطقة اليورو عقدها الثالث، ما زالت معرضة لفترة ركود أخرى في ظل توترات قائمة لم يتم حلها بعد. وخلفت حالات عدم التوازن الماضية، ديوناً تقلصت بنسبة يسيرة. ويقع على عاتق 7 دول، دين بنحو 100%، في وقت لا تملك فيه منطقة اليورو ميزانية خاصة لتخفيف حدة هذا الدين. ومنطقة الاتحاد الأوروبي تملك ميزانية صغيرة لا تزيد على 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي، ولا تنوي تقديم أي برامج مساعدة.
وكغيرها عبر الأطلسي، زادت بنوك أوروبا، حجم السيولة ورأس المال في خزائنها منذ الأزمة المالية، حيث تقلصت الديون السيئة في اليونان وإيطاليا. وأدخلت منطقة اليورو في 2012، إصلاحات لإنشاء اتحاد مصرفي لدمج النظم الوطنية وتسهيل الروابط بين البنوك والمؤسسات السيادية. وإذا جثمت الأزمة على صدر إيطاليا، ثالث أكبر اقتصاد في المنظومة، ربما لا يجدي نفعاً العزم المشترك بين فرنسا وألمانيا لإنقاذ العملة الموحدة. كما يعني عدم الوحدة السياسية، غياب الضمانات في أن تحقق الأزمة المقبلة طفرة في الوحدة قادرة على حفظ سلامة اليورو.
ويبدو أن اقتصادات وحدة العملة، من الأمور الشائكة لإدارة السياسيين، الذين بذلوا جهداً مقدراً خلال الـ20 سنة الأولى للحفاظ على استمرارية اليورو. ووقوع الأزمة مجدداً، قدر لا مفر منه. وإذا لم يستبق السياسيون التحديات من خلال عمليات الإصلاح، فربما يكونون شهوداً على انتقال اليورو إلى مثواه الأخير.

تحفيز اقتصاد
يقع عبء تحفيز اقتصاد منطقة اليورو على عاتق المركزي الأوروبي الذي بدأ برنامج التيسير الكمي في 2015 بعد تردد طويل. لكن دار نوع من الصراع حتى حول ذلك، عندما بدأت ألمانيا في تسييل الدين، ما دفع المركزي لوضع حد للدين الذي تملكه كل دولة. وتقدر ميزانيته بنحو 4.5 تريليون يورو، يناهز استحواذ ألمانيا من السندات السيادية الحد المسموح به عند 33%. وفي 2012، قال ماريو دراجي، رئيس «المركزي» الأوروبي آنذاك، إنه سيفعل كل شيء، لإنقاذ اليورو، بصرف النظر عن النتائج، رغم معارضة البعض ذلك.

اقرأ أيضا

توافق حول موازنة أميركية بـ1.4 تريليون دولار