صحيفة الاتحاد

دنيا

القراءة..قاطرة بناء العقول

أشرف جمعة (أبوظبي)

القراءة سفر إلى المعرفة، وطريق إلى بناء العقول، بها ترتقي الذائقة ويتولد الفكر، وبالقراءة ترتقي الأمم وتبنى الحضارات، فليس هناك غذاء للعقل أعمق من القراءة، فهي تغني الروحي، وتجعل الكبير والصغير في حالة تواصل مستمر مع التجربة الإنسانية في رحابها، ويتعرف المرء إلى الثقافات المختلفة ويخوض غمارها مع كل سطر يطالعه، وتحرص الإمارات على إطلاق مبادرات تشجع على القراءة، ما أعاد تشكيل الوعي، ورسخ للقيم النبيلة في الذاكرة الإنسانية.

التسلح بمعلومة

يقول الخبير الدولي في التميز المؤسسي الدكتور عماد الدين حسين «أعطني كتاباً لكي أحقق ذاتي، وأبني قدراتي، وأتسلح بمعلومة جديدة»، لافتاً إلى أن الذين يقرؤون بكثافة يكون لديهم قدرة أكبر على التميز والابتكار، والقدرة على التفكير الإيجابي. ويضيف «القراءة توسع الإدراك ما يترتب عليه وجود قارئ فصيح اللسان قادر على التعبير عن ذاته».

ويذكر أن إحصاءات عالمية تفيد بأن الذين يضعون القراءة ضمن أولوياتهم والكتاب ضمن جدول أعمالهم اليومي تتكون لديهم حصيلة لغوية كبيرة، فضلاً عن أن الذين يتخذون من الكتاب مرجعاً ومن الفكر الإنساني وسيلة للتعرف إلى الآخر تتسع دائرة تجاربهم في السياق الحضاري، إذ إن هناك تجارب يخوضها أفراد المجتمع بأنفسهم وتجارب يطلعون عليها من خلال القراءة فتتكون الرؤية وتكتسب المعرفة.

ويشير حسين إلى أن أهم ما يميز الأمة الإسلامية القراءة، إذ أنها من الأولويات في الحياة، ولا يمكن للفرد أن يتميز في حياته بوجه عام، وفي عمله بوجه خاص من دون أن يكون قارئاً جيداً، وهناك قصص كثيرة لشخصيات غيرت القراءة مسار حياتها وجعلتها أكثر وعياً وأكثر فهماً لمشكلات العالم. ويرى أن تنمية مهارات القراءة ضرورية جداً خصوصاً أن تعويد الأبناء على المطالعة يحتاج إلى ثقافة خاصة، فلبنة العالم تبدأ من أول كتاب قرأه ونواة المبتكر تبدأ من أول تجربة خاضها وقرأ عنها ومن الضروري أن يتميز المرء في كل شؤون الحياة من خلال القراءة، خصوصاً أن مبادرات القراءة في الإمارات تشجع على إحداث طفرة في حياة الأفراد والمؤسسات.

مواهب وقدرات

يورد معن الطائي، دكتوراه في الأدب المقارن، أن القراءة عامل جوهري في بناء ثقافة أفراد المجتمع وتسهم في الارتقاء بالوجدان وتحفز على الإبداع، مشيراً إلى أن عملية اختيار الكتاب شيء مهم لأن هناك كتباً لا تفيد، وربما يقرأ المرء كتباً لا تتوافق مع مواهبه وقدراته العقلية والفكرية على الرغم من أن القراءة بوجه عام ضرورية، لكن من المهم أن يقرأ الفرد في مواطن تنمي مهاراته الإبداعية. ويلفت إلى أن هناك الكثير من المبدعين الذين اكتشفوا أنفسهم بعد مغامرات جريئة مع القراءة، فهي تعمل على إنضاج مواهب الكتاب والقراء والأدباء، وتسهم في صنع مثقف وتقدم للمجتمع نماذج واعية قادرة على بناء علاقات أسرية واجتماعية وعاطفية متزنة.

ويبين أن القراءة هي رحيق التجربة الإنسانية، وهي الزاد الحقيقي في معترك الحياة، وأن الأمم الراقية هي التي أدركت قيمة القراءة وجدواها في بناء الحضارات وازدهار حركة العلم وبناء قاعدة العلماء في كل الأزمان. ويقول «من تجربتي الخاصة أستطيع الجزم بإن القراءة جعلتني إنساناً مختلفاً يعيش بروح متسامحة وقلب محب للعطاء والتزود الثقافي والمعرفي ومع القراءة تحققت الكثير من أمنياتي على الصعد كافة».

حياة تتجدد

لا تخفي حليمة المهري أن القراءة غيرت حياتها إذ جعلتها تواصل اكتساب العلم بعد أن توقفت فترة عن الدراسة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة من حياتها تتميز بالثراء وأنها تعيش مع القراءة حالة أخرى وفريدة من نوعها.

وتذكر المهري أنها أصبحت صديقة للكتاب تذهب به إلى ميدان عملها وأنها كلما وجدت فرصة للقراءة فإنها لا تتوانى عن استغلالها، لافتة إلى أن القراءة هي الوسيلة الأهم لاكتساب المعرفة وأن قضاء وقت طويل مع كتاب هو خير بكثير من استثماره في أشياء غير مفيدة فالكتاب من وجهة نظرها «صديق وفي» كما يرى الشاعر العربي الذي ذكر أنه لم «يجد وافياً إلا الكتابا». وترى أنها كلما قرأت ازدادت علماً ووعياً وفهمت أموراً كثيرة لم تكن على دراية بها. وتوضح أن أكثر ما لفت نظرها في هذه الآونة أن مبادرات القراءة في الإمارات غيرت حياة الأسر والمجتمعات وجعلت الناس في حالة شغف إلى الكتاب بعد أن ظن الكثير أن الجلوس إلى كتاب أمر صعب في ظل المشاغل التي أحاطت أفراد المجتمع وكبلتهم بسياج، وأنها تشعر مع القراءة بأن حياتها تتجدد.

من جهته، يعتقد عوض النعيمي أن ترسيخ عادة القراءة في وجدان الأبناء يجعلهم أكثر إبداعاً وأكثر ابتكاراً وحباً للعلم وشغفاً به، مبيناً أن له تجربة كبيرة مع عالم القراءة خصوصاً أنه في عمله يجد مكتبة كبيرة ينعم بها بمؤلفات في مختلف فروع الفكر الإنساني وهو ما جعله يشعر بثقافته العامة وأنه يتزود من معين القراءة ويتسلح بالعلم في هذا العصر الذي يحتاج إلى إدراك حقيقي بأهمية الثقافة ودورها في تنمية الشخصية الفردية ومن ثم إكساب الفرد قيماً أخلاقية وصفات إنسانية. ويلفت إلى أنه سعى إلى أن يجعل اهتمامات أبنائه منصبة نحو الكتاب وأن يطالعوا ما وسعتهم المطالعة وهو ما يجعله يحفزهم على بناء عقولهم عبر القراءة التي تظل هي الواحة الخصبة التي تجعل الفرد في حالة صحية عالية.

قصة تحد

تقول آمنة المهيري «تعلم القراءة والكتابة وضعني أمام تجربة صعبة لكن تفهم زوجي كان عاملاً مهماً لالتحق بفصول محو الأمية، ومع مرور الوقت أصبح لديّ الذخيرة التي تجعلني أستطيع قراءة كتاب، وهو أمر يستحق العناء»، مضيفة «أشعر بسعادة غامرة وقد استطعت أن أمارس هوايتي القراءة».

وتشير إلى أنها لا تفارق الكتاب وتقرأ في فروع مختلفة، وأنها سعيدة لكون أسرتها ترى تجربتها شيئاً مشرفاً جداً، وأنها تنصح كل من لم يأخذ حظاً من التعليم أن يكافح من أجل الاستمتاع بالقراءة، لأنها هي الاستثمار الحقيقي الذي يبني العقول.