يعرف بالرئيس داود بن عمر الأنطاكي الحكيم الضرير، وينتسب الى أنطاكية وهي مدينة تركية بولاية اسكندرونه· ولد أعمى في عام 950 هجرية، وقال عنه تلميذه الفاضل الخفاجي: إنه ضرير، وبالفضل بصير، كأنما ينظر من خلف ستارة بعين فكر خبير، لم تر العين مثله، بل لم تسمع الأذن ولم تحدث الألسنة بأعجب منه، واذا جس نبضاً لتشخيص مرض أظهر من أعراض الجواهر كل غرض فيفتن الأسماع والأبصار· ويطرب ما لا يطربه حسن الأوتار· لقد شهد العالم بعبقرية داود الضرير، فعرفت له ألقاب عديدة منها الماهر والحكيم والفريد والطبيب الحاذق والعالم الموسوعي والعلامة الطبيب والصيدلاني الضرير، فكان بحق معجزة عصره· تذكرة داود وذكر الباحث الاسلامي أحمد سويلم أنه اكتسب شهرته في شبابه في مداواة المرضى، حيث درس الطب على أيدي بعض الأطباء المسلمين والإغريق في عصره، وظل راحلاً في بلاد الشام الى ان استقر في مصر تسبقه شهرته الواسعة، وعرف بين علماء الشرق والغرب بكتابة ''تذكرة أولى الألباب والجامع للعجب العجاب'' وهو الكتاب المسمى ''تذكرة داود'' حيث يتضمن أبحاثا دقيقة في العقاقير الطبية· وظل علماء أوروبا يعتمدون على علمه في الصيدلة أزمانا طويلة· وأضاف سويلم أنه يحكي عنه معاصروه حكايات تفوق الخيال في ذكائه ودقة استدعائه لقياس نبضه، وكان هذا الشريف يجلس مع أعوانه، فأشار اليهم أن يمدوا لداود أيديهم واحدا واحدا، فكان داود يلمس اليد فيقول ليست هذه يد الشريف، حتى مد الشريف يده فصاح داود: هذه يد الشريف فقبلها وتعجب الجميع!! وكان داود اذا سئل عن شيء من الفنون الطيبة أو الرياضية أملى السائل في ذلك ما يبلغ الكراسة أو الكراستين· وقد سأله رجل عن حقيقة النفس الانسانية، فأملى داود عليه رسالة عظيمة· وتذكر المصادر التاريخية أن لداود الانطاكي الى جانب تذكرته مجلدا باسم ''نزهة الانسان في إصلاح الأبدان'' وكتاب ''غاية المرام في تفاصيل السعادة بعد انحلال النظام'' وكتاب طبقات الحكماء وشرح القانون لابن سينا ''ومجمع المنافع البدنية'' ورساله في المسائل الطبية وله ايضا ''غاية المرام في تحرير المنطق والكلام'' و''زينة الطروس في احكام العقول والنفوس'' وله ''ألفية في الطب'' وله ''نظم في القانون وشرح على النظم'' وله ''شرح على ابيات السهروردي'' وله ''مختصر اسواق الأشواق'' وشرح لقصيدة ابن سينا وغيرها من المؤلفات التي لا تقع تحت حصر في كثير من ألوان الطب والحكمة· والأمر المعجز حقاً أن علم الطب والصيدلة أو الرياضة أو الفلك يحتاج الى حاسة البصر، لكن داود الانطاكي كان ذا ارادة قوية في علمه وذكائه وصحة آرائه وتشخيصه· رئيس الأطباء ولم يكتف داود في تذكرته بجمع انواع الأدوية أو إيراد ما اكتشف منها، وإنما ذكر ايضا قواعد صناعة الدواء وطرق العلاج به، كما عرض لمئات من انواع الأعشاب وعشرات الحيوانات والمعادن التي تستخرج منها العقاقير· وجاء داود الانطاكي الى مصر وأقام بالمدرسة الظاهرية، وكان يعالج المرضى في بيماراستان القاهرة، وحقق في ذلك امورا تصل الى الإبهار، حيث عالج كثيرا من الميؤوس من شفائهم لذلك أحبه الناس وسعوا اليه من كل مكان يطلبون العلاج على يديه، والتف حوله الطلاب والأطباء في مصر حتى صار رئيس الأطباء والصيادلة· وكان داود يدعو الاطباء في عصره لدراسة وتعلم علم الهندسة ويقول في تذكرته ''اعلم أن حاجة الطبيب الى علم الهندسة ضرورية·· خصوصا في صنعة اليد -أي الجراحة- لأن الشق والكي والجراح متي جاءت مستديرة عسر برؤها·· وربما فسدت مطلقا اذا انحرفت المادة في الأغوار· وان وقعت ذات زاويا فعلى العكس مما ذكر·· خصوصا الزاوية الحادة· ولأن الآلات يجب ان تكون محكمة في الوضع والتحرير لتطابق العضو المكوي مثلا فيحصل الغرض·· ولأن تركيب البنية الانسانية يناسب كثيرا من الاشكال الهندسية· وقد شرطوا في الكي والشق والشرط أن يناسب بها شكل العضو فتجعل هلالية ان كانت في العين ومثلثة ان كانت في العقب وهكذا· ومن العجيب ايضا أن هذا العالم الضرير استطاع ان يربط بين الطب وعلم الجغرافيا وبين الطب والهندسة· فالجغرافيا تعني للطبيب دراسة المناخ والبيئة التي يحيا فيها المريض ومن ثم يستطيع أن يصف له الدواء المناسب· وفي هذه الجزئية نذكر له الفضل في استنتاج هذه العلاقة والتي نتج عنها فيما بعد بما يسمى امراض المناطق الحارة· حُسن الخاتمة ولم يستسلم داود الطبيب الكفيف البارع لكف بصره ولم يعش عالة على أحد وانما أتى بما لم يأت به المبصرون في ساحة لا يستغتى فيها عن البصر وهو علم الطب والصيدلة وكانت خاتمة هذا المسلم النابغة رائعة حيث ذهب الى مكة محرما وملبيا فأقام بها عدة اشهر ومرض ومات فيها بمرض الإسهال وذلك في عام 1008 هجرية 1600 ميلادية عن ثمان وخمسين سنة·