تقارير

الاتحاد

الترحيل السري... لحظة كشف الحقيقة

عندما مثل جون برينان، مستشار البيت الأبيض لشؤون محاربة الإرهاب، مؤخراً أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ ضمن جلسة التثبيت ليصبح المدير المقبل لوكالة الاستخبارات المركزية الـ«سي آي إيه»، أتيحت للأميركيين فرصة نادرة لمعرفة معلومات وتفاصيل جديدة حول برنامج وكالة الاستخبارات للاعتقال والترحيل السري.
ذلك أن برينان عمل في الـ«سي آي إيه» عندما كانت إدارة بوش تقوم بـ«ترحيل» المشتبه في علاقتهم بالإرهاب -تأخذهم من الشوارع عبر العالم من أجل اعتقالهم واستجوابهم بشكل سري، باستعمال التعذيب أحياناً، أثناء وجودهم في «ضيافة» الـ«سي آي إيه» أو حكومات أجنبية. وفي عام 2005، قال برينان إنه «معتاد» جداً على حالات ترحيل سري إلى درجة أنه يعتبر هذه الممارسة «وسيلة أساسية» في محاربة الإرهاب.
وعليه، فقد كان جديراً بأعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ أن يطلبوا من برينان تفسير تصريحاته، وتوضيح ما إن كان ينوي مواصلة عمليات الترحيل السري، وإذا كان الأمر كذلك، فمع أية ضمانات. كما كان يتعين على أعضاء اللجنة أن يطالبوا أيضاً بأجوبة علنية على أسئلة محددة: من هم بالضبط الأشخاص الذين تعرضوا لعمليات الترحيل السري؟ وإلى أين رحِّلوا؟ وماذا حدث لهم؟
والواقع أن تقريراً جديداً لـ«مبادرة العدالة لمجتمع مفتوح» يقدم بعض الأجوبة. فالتقرير -الذي أنجز استناداً إلى وثائق حكومية أميركية وأجنبية، وتحقيقات منظمات لحقوق الإنسان، وتقارير إخبارية ومصادر عامة ذات مصداقية أخرى- يشير إلى أن 136 شخصاً تعرضوا على ما يفترض لعمليات الاعتقال والترحيل السري التي قامت بها الـ«سي آي إيه» بعد الحادي عشر من سبتمبر. وقد يكون العدد أكبر، نظراً لأن السرية تلف هذه العمليات.
ويشير التقرير أيضاً إلى 54 حكومة أجنبية يقال إنها شاركت في عمليات الاعتقال والترحيل السري هذه. وبالتالي، فإن هذه الحكومات تعتبر مسؤولة، إلى جانب الولايات المتحدة، عن انتهاكات حقوق الإنسان الأخرى الناتجة عن ذلك.
وفي ما يلي بعض النماذج على سبيل المثال، لا الحصر: أحمد عجيزة ومحمد الذري، مواطنان مصريان أُخذا من السويد إلى مصر وتعرضا لصدمات كهربائية. المواطن الكندي ماهر عرار احتُجز في زنزانة أشبه بالقبر وتعرض للضرب بالكابلات بعد أن رحِّل إلى مسقط رأسه سوريا. خالد المصري اختُطف وعُذب في مقدونيا قبل أن يرحَّل إلى أفغانستان حيث تعرض لمزيد من سوء المعاملة. هذه بعض من الحالات المشهورة فقط؛ والتقرير يشير بتفصيل إلى المزيد منها.
غير أن الولايات المتحدة فشلت في الاعتراف بهذه الانتهاكات على نحو ذي معنى، أو تقديم تعويضات للضحايا، أو محاسبة المسؤولين عنها. كما رفضت المحاكم جبر الضرر الذي لحق بضحايا عمليات تعذيب الـ«سي آي إيه». ولم تحقق وزارة العدل سوى في حالات سوء المعاملة التي تجاوزت على ما يفترض ما كان قد رخص به «مكتب المستشار القانوني». ولم توجه اتهامات لأي جهة.
والحال أنه بات من الصعوبة على نحو متزايد على الحكومة الأميركية أن تختبئ وراء ستار من السرية وتجنب المسؤولية والانتقاد عبر العالم. وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان العام الماضي حكماً يرى أن مقدونيا انتهكت حقوق خالد المصري وأن معاملته من قبل الـ«سي آي إيه» ترقى إلى التعذيب. كما أدانت المحاكم الإيطالية المسؤولين الأميركيين المتورطين في عملية ترحيل المواطن المصري أبو عمر. على أن مزيداً من التحديات التي تواجه عمليات الترحيل ما زالت معلقة في أوروبا وأفريقيا.
وعليه، فإنه يتعين على الولايات المتحدة وشركائها الـ54 أن يعترفوا بالحقيقة، ويحاسبوا الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات، وينهوا ممارسات محاربة الإرهاب بطريقة تنتهك حقوق الإنسان. ذلك أن هذه الخطوات ضرورية وأساسية من أجل استعادة سمعة واشنطن الأخلاقية للدفاع عن حقوق الإنسان عبر العالم، إضافة إلى قدرتها على استقطاب دعم حكومات أجنبية شريكة في جهودها لمحاربة الإرهاب.
وكان أوباما بعد وصوله إلى البيت الأبيض في عام 2009 أصدر أمراً تنفيذياً يتنصل من التعذيب ويغلق سجون الـ«سي آي إيه» السرية. غير أن الأمر التنفيذي لم يقطع مع عمليات الترحيل بشكل نهائي. ذلك أن السياسات والممارسات الحالية المتعلقة بعمليات الترحيل ما زالت سرية. والإدارة تحجب الخلاصات والتوصيات غير السرية للجنة مشتركة شكلت في عام 2009 بهدف بحث وتقييم سياسات الاستجواب والنقل.
وتأسيساً على ما تقدم، يتعين على مجلس الشيوخ أن يطلب من برينان أن يجعل الـ«سي آي إيه» أكثر شفافية ويسمح بمراجعة كاملة للتكلفة البشرية والأخلاقية لبرنامج الترحيل والتعذيب التابع لـ«سي آي إيه». كما يتعين على أعضاء مجلس الشيوخ أيضاً أن يطلبوا من برينان دعم الإفراج العلني عن تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ المؤلف من 6 آلاف صفحة حول استجواب واعتقال الـ«سي آي إيه» الذي وافقت عليه اللجنة في شهر ديسمبر.


إمريت سينج
مؤلفة ومسؤولة قانونية في «مبادرة العدالة لمجتمع منفتح» بأميركا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا