الاتحاد

رمضان

تدرج في كل المناصب حتى بلغ القمة

شيوخ الأزهر فريقان: أحدهما طامح آمن بأفكار التجديد والإصلاح وخاض في سبيلها المعارك، وأبرز ممثليه الإمامان حسن العطار ومصطفى المراغي· وفريق محافظ، قانع بما تحقق ولا يسعى للتطوير بقدر ما يسعى الى ترسيخ قيم ومبادئ ومواقف الازهر الشريف كجامع وجامعة، وشيوخه في الغالب أزهريون من الألف الى الياء، وأخذوا سلم الازهر من أوله الى آخره، ويتميزون بالهدوء والحكمة والقوة والشجاعة في الحق· والإمام الاكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق يعتبر من أبرزهم ، فقد كان أزهريا صميما، من يومه منذوراً للأزهر، من كتاب القرية الى معهد المدينة الى ردهات الجامع العتيق، وربما يكون الشيخ جاد الحق الإمام الوحيد الذي تدرج في كل المناصب الأزهرية حتى وصل الى الذروة، فقد عين موظفا صغيرا بالأزهر ثم وكيلا له ثم مفتياً للديار المصرية ثم وزيرا للأوقاف ثم شيخا للأزهر حتى مات، وطوال مسيرته عرف عنه الرسوخ في العلم والرجاحة في العقل والصواب في الرأي والقدرة على الاستفادة من أهل العلم والجلد والتصميم على الدفاع عن الاسلام والمسلمين في شتى بقاع الارض·
مواقف جريئة
الشيخ جاد الحق علي جاد الحق هو الشيخ السادس والأربعون للأزهر، وتولى مشيخته اربعة عشر عاما، من عام 1982 الى عام ،1996 وطوال تلك الفترة كان مثالا للإمام الراسخ القوي الشجاع الهادئ الرزين، وكان يحظى بثقة الناس، ولا يخشى في الحق لومة لائم، وعُرف بمواقفه الجريئة، والجهر بما يعتقد أنه الحق والصواب والتمسك به، وإن خالف هوى الناس وأغضب السلطان، ففور توليه المشيخة أعلن تأييد الأزهر للجهاد الأفغاني ضد المحتل الروسي، وعدّ ما يحدث في البوسنة والهرسك حربًا صليبية جديدة تهدف إلى إبادة المسلمين، ودعا إلى الوقوف إلى جانب المسلمين والدفاع عن قضيتهم، وكان له مثل هذا الموقف مع المسلمين فى الشيشان في جهادهم للروس وساند الانتفاضة الفلسطينية·
وظل طوال حياته رافضا للتطبيع حتى وإن كانت هناك اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، واشتد في معارضته للتطبيع في الوقت الذي نشطت فيه حركات التطبيع في بعض مؤسسات الدولة، فأفتى بعدم جواز زيارة القدس إلا بعد تحريرها، ورفض استقبال أي وفد إسرائيلي يرغب في زيارة الأزهر، وكثيرا ما سببت مواقفه حرجا للمسئولين·
المولد
الشيخ جاد الحق علي جاد الحق ولد بقرية ''بطرة'' التابعة لمركز ''طلخا'' بمحافظة ''الدقهلية'' يوم الخميس 5 إبريل ،1917 وتلقى تعليمه الأولى في قريته، فحفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بالمعهد الأحمدي في طنطا، وأنهى المرحلة الابتدائية به، وانتقل إلى المرحلة الثانوية، واستكملها في القاهرة في معهدها الديني بالدرّاسَة، وبعد اجتيازه لها التحق بكلية الشريعة، وتخرج فيها سنة ،1944 حاصلا على الشهادة العالمية، ثم نال تخصص القضاء بعد عامين من الدراسة، وكان الأزهر يتيح لمن يحصل على العالمية في الشريعة أن يتخصص في القضاء لمدة عامين، ويمنح الطالب بعدها شهادة العالمية مع إجازة القضاء· وبمجرد تخرجه ذاع عنه الاخلاص والجدية في العمل وانطلق كالصاروخ في الوظائف القضائية فقد عين في المحاكم الشرعية سنة ،1946 ثم عين أمينًا للفتوى بدار الإفتاء المصرية سنة ،1953 ثم عاد إلى المحاكم الشرعية قاضيًا سنة 1954 ثم انتقل إلى المحاكم المدنية سنة 1956 بعد إلغاء القضاء الشرعي، وظل يعمل بالقضاء، ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف في سنة ،1976 وطوال مسيرته في القضاء كان مثالا للموظف الجاد المخلص المنكب على عمله·
وفي شهر رمضان سنة 1398هـ الموافق أغسطس سنة 1978م عين الشيخ جاد الحق علي جاد الحق مفتياً للديار المصرية، واجتهد في تنشيط دار الافتاء والمحافظة على تراثها الفقهي، فعمل على اختيار الفتاوى ذات المبادئ الفقهية، وجمعها من سجلات دار الإفتاء المصرية ونشرها في مجلدات بلغت عشرين مجلدًا، وهي ثروة فقهية ثمينة؛ لأنها تمثل القضايا المعاصرة التي تشغل بال الأمة في فترة معينة من تاريخها، وفي الوقت نفسه تستند إلى المصادر والأصول التي تستمد منها الأحكام الشرعية·
المشيخة
وفي عام 1982 عين الشيخ جاد الحق وزيرًا للأوقاف وبعد شهرين فقط عين شيخاً للأزهر الشريف، ومعه بدأت فترة زاهية في تاريخ الأزهر فيما يتصل بمؤسسة الأزهر ودورها باعتبارها القائمة على الفكر الإسلامي والتعليم الديني في مصر، ومحط أنظار الناس، ومعقد أمانيهم، وأفادته خبرته في العمل بالقضاء في التسلح بالدراسة المتأنية والنظر العميق والبعد عن الهوى، لذلك فإن معظم قراراته وسياساته ومواقفه جاءت صائبة، هادئة، بعيدة عن العاطفة المشبوهة والانفعال المؤقت، وتهدف إلى الصالح العالم·
ورغم أن الشيخ جاد الحق علي جاد الحق كان هادئا ورعا ومتأنيا في إصدار أحكامه واتخاذ مواقفه منحازا للتخفيف عن الناس، فانه كان يتشدد احيانا، وموقفه الرافض لمؤتمر السكان الذي عقد بالقاهرة سنة 1994 جر عليه هجوما شديدا، فالإمام لم ير في المؤتمر الذي شاركت فيه العديد من بلدان العالم إلا مناهضة للأديان وتعديا على الكرامة الانسانية، ولم ير في تأكيد المؤتمر لمبادئ الحرية وحقوق الانسان إلا دعوات للانحلال الأسري والشذوذ، والخروج على الفطرة السليمة·
وظل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق مدافعا قويا عن الاسلام والمسلمين، وبعد حياة طويلة عامرة بالجد والدأب والاجتهاد رحل بالسكتة القلبية يوم الجمعة 15 مارس ·1996

اقرأ أيضا