الاتحاد

الإمارات

الإمارات تجاوزت المبادرات الفكرية إلى تشريعات تتصدى للتطرف

هالة الخياط (أبوظبي)

سلط عدد من صناع السياسات في دول العالم ومتخصصون في شؤون مواجهة التطرف والإرهاب، الضوء على ظاهرة التطرف والعنف في المجتمعات، سواء العربية أو الغربية، من خلال بحث ومقاربة الدوافع والعوامل الكامنة وراء انبعاث الجماعات المتطرفة الهدامة التي تهدد بتدمير المجتمعات بنزوعها غير المبرر لممارسة العنف لتحقيق أهدافها السياسية والإيديولوجية.
وناقش المشاركون في ندوة نظمها مركز تريندز للبحوث والاستشارات أمس استمرت يوماً واحداً بعنوان «جذور الإرهاب وسبل المواجهة» محاور شملت المقاربات العملية لمواجهة واحتواء ظاهرة العنف والقضاء عليها، مع مناقشة تجربة دولة الإمارات في التنوير الديني، واقتلاع جذور التطرف ومحاربة الفكر الظلامي الذي يبني أسس وجوده على إقصاء الآخر المختلف وتكفيره على غرار جماعة الإخوان المسلمين التي تلجأ الى تبني خطاب شمولي يعطي تفسيراً مغلوطاً عن الإسلام والمسلمين.
وقال الدكتور أحمد ثاني الهاملي مدير مركز تريندز للبحوث والاستشارات، إن الندوة جمعت عدداً من صناع السياسات في العالم، مثل السيناتور جون ماري بوكيل عضو مجلس الشيوخ الفرنسي، ايمانويل دوبي رئيس معهد التوقعات الأمنية في أوروبا، وسعادة الدكتور علي بن تميم مدير عام شركة أبوظبي للإعلام، بحضور نخبة من الخبراء والمتخصصين الاستراتيجيين في دولة الإمارات.
وأضاف أن الندوة ناقشت السبل الكفيلة بدحض الفكر المتطرف ونبذ العنف من الأوساط المجتمعية، وتقديم بعض الحلول التنموية والتربوية الهادفة الى نسف بذور التطرف في البلدان التي تعرضت ولا زالت تتعرض للعمليات الإرهابية التي تهدد بنية نظام الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وكيفية وضع حد لانتشار الفكر المتطرف في البيئات الحاضنة له سواء في العالم الإسلامي، أو في الدول الغربية.
وقال إن هذه الحركات المتطرفة غالبا ما ترتدي عباءة الاعتدال والوسطية، في حين تنفذ أجندتها الخاصة الهادفة الى أسلمة المجتمعات وتسييس الدين واستغلاله في نشر التطرف.
وأكد الهاملي أن الفكر الإرهابي وأيديولوجيا التطرف ما زالت مستمرة في تأثيرها على الشباب وتحرضهم على العنف، وهو ما يتطلب أن تكون المواجهة لهذه الجماعات من خلال العمليات العسكرية وأن يساندها مواجهة للفكر المتطرف عبر احتواء الشباب وتوعيتهم وحمايتهم من الوقوع تحت براثن هذه الجماعات.
وقال الهاملي، إن القضاء على الإرهاب يتطلب بداية القضاء على سبب الإرهاب، وتوعية المجتمعات الغربية وخاصة الأوروبية بأن أيديولوجيا التطرف موجودة وتنمو في نظامهم الديمقراطي، وهو ما تطلب منهم التضيق على كل من يحرض للعنف في بلادهم، وألا يفسح له المجال بحجة حرية التعبير.
وأضاف أن «الإخوان المسلمين هم من بدأ بأيديولوجية الجهاد وزج الشباب نحو انتهاج أسلوب العنف ومقاومة الآخر بوسائل عنيفة»، لافتا إلى «أن هذه الجماعات تتخذ من المساجد في أوروبا محطة لاستقطاب الشباب الأوروبي، والتأثير عليه».
وأكد الهاملي أن الإسلام ليس له علاقة بالعقيدة السياسية، وهو دين يحكم الفرد في علاقاته بينه وبين الله وبين المجتمع والأفراد، ومن يحاول الادعاء بأن الإسلام له علاقة بالخلافة والدولة الإسلامية، فهو تحريض في غير محله والإسلام ليس له علاقة فيه وهو جهد بشري ولا يتلاءم مع الإسلام».

بذور الإسلام السياسي
وأكد سعادة الدكتور علي بن تميم مدير عام «أبوظبي للإعلام»، أن التطرف مثل أي ظاهرة، له أسباب عديدة متداخلة، بعضها مباشر، وبعضها الآخر تتعدد منطلقاته وخلفياته، واستعرض سعادته الأسباب الفكرية والثقافية ودورها في استجلاب هذه الظاهرة إلى منطقتنا والعالم. وقال إن «بذور الإسلام السياسي، تعود إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتحديداً في عشرينيات القرن الماضي، وما تلاها، حيث كان لانهيار الإمبراطورية العثمانية، وبالتالي انتهاء ما يعرف بالخلافة الإسلامية، الأثر الأعمق على منطقتنا هذه، وقد تبلور هذا الأثر عبر اتجاهين اثنين، الأول هو تيار القومية العربية، والثاني هو تيار الإسلام السياسي، وإن كان بطبيعة الحال لا يحمل هذا التصنيف في ذلك الوقت المبكر.
وأضاف أن بروز الإسلام السياسي، وتشكله بأوضح صوره من خلال جماعة ما بات يعرف بالإخوان المسلمين نحو العام 1929، جاء ترجمة واضحة (كما في التيارات القومية العربية) للاتجاهات القومية التي كانت تغلي بها أوروبا في ذلك الحين، وقد استغلّ تيار الإخوان الذي بدأ يكتسب شكله وحضوره في مصر تحديداً على يد مؤسسة حسن البنا، ذلك الفراغ في «الهوية العربية والإسلامية» متأثراً في الوقت نفسه بتلك التيارات القومية والفاشية الأوروبية، مثلما تجلت تحديداً في ألمانيا وإيطاليا، لطرح العنوان نفسه الذي طرحه القوميون أي «البعث»، ولكن بمسميات أخرى. فـ«الأمة» وفقاً لهذا الخطاب قد انهارت وسقط المشروع الإسلامي بسقوط الخلافة، وبات من الضروري إيجاد خطاب بديل يعيد تلك الأمجاد الذهبية.
وأشار سعادة الدكتور علي بن تميم إلى أن «الشعار الذي سعى الإخوان إلى زرعه وترسيخه على مر العقود التسعة الماضية تقريباً، منذ نشوء الجماعة، هو ما دأبت جميع التيارات الإسلامية والمتشددة على طرحه بطرق شتى، هو شعار «الإسلام هو الحل». وهو شعار مخادع مخاتل. فمن جهة يوحي هذا الشعار (الذي ما زالت استخداماته أو بالأحرى استغلاله قائماً حتى اليوم، من الإخوان إلى القاعدة ثم داعش وجميع التيارات المتشددة والإرهابية) بأن الإسلام غير قائم في المنطقة، وإن كان قائماً فهو قائم بصورة خاطئة، وبالتالي يجب إصلاحه عبر إصلاح المجتمع الفاسد الذي لا يطبق تعاليم الإسلام تطبيقاً صحيحاً (ومن هنا أيضاً نجد ذلك التكرار الهائل لمفردة «الإصلاح» في أدبيات الإخوان، ومنهم مسميات جماعات الإخوان في الخليج العربي).
وقال: «إنه ليس خافياً على أحد كمّ التناقض في مثل هذا الطرح، فهو يهمل حقيقة يعرفها كل مسلم، وهي أن الإسلام كعقيدة ورسالة قد تمت كما جاء في قوله تعالى: (اليومَ أكملتُ لكمْ دينكمْ وأتَمَمتُ عليكُم نِعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ ديناً). إن المتأمل في هذه الآية الكريمة لابد من أن يستنتج أمرين اثنين: أولاً، أن الإسلام هو تتمة وإكمال للأديان السماوية السابقة له. وثانياً، أن رسالة الإسلام كديانة قد أبلغت وتمّت واكتملت، وليست بحاجة إلى أنبياء جدد ولا مشككين بحقيقة إسلام المجتمعات التي تبنت هذه الديانة وارتضتها عقيدة لها.
وأضاف أنه «غير أن تيار الإسلام السياسي متجسداً ومتمثلاً في الإخوان المسلمين (التي لا تختلف عن كتائب الفاشية والنازية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي) منحت نفسها دوراً مقدساً متعالياً على دور الإسلام نفسه وعلى المجتمعات التي نزلت فيها رسالته وتمّت.

فشل الدعوات التدميرية
ولفت سعادة بن تميم إلى أن عدم نجاح الدعوات التدميرية، رغم استشراء ظاهرة الإرهاب، يعود في المقام الأول إلى المقاومة الاجتماعية والثقافية لها، فمن الخطأ القول، إن الدول والحكومات وحدها من واجه هذه التيارات ووقف لها بالمرصاد، بل إن عدم تحقق مشروعها نبع في المقام الأول من مقاومة اجتماعية يشكّل الدعاة المسلمون المنفتحون والوسطيون جزءاً أساسياً منها، كمؤسسة الأزهر في مصر، ووجود عدد من المفكرين الإسلاميين المستقلين الذين سعوا جاهدين لكشف زيف وخداع الدعوات الإخوانية، التي تبدأ بقناع الدعوة وتنتهي بحقيقة العنف والإرهاب.
وأشار إلى المبادرات القيمة التي أطلقتها دولة الإمارات انطلاقاً من وعي قيادتها بحجم هذا التحدي المتمثل في التطرف والإرهاب، ومجلس حكماء المسلمين ومبادرة صواب ومؤسسة طابة ومنتدى تعزيز السلم الأهلي وموقع 24 الإخباري، وغيرها الكثير من المبادرات التي تسعى إلى مواجهة هذا الفكر الظلامي بالحجة والبرهان، من قبل مبادرة «السراب» التي بدأت بكتاب للدكتور جمال سند السويدي وتحولت منهجاً وبرامج عمل يشارك فيها الشباب والمفكرون وأصحاب الرأي في الدولة.
وأشار إلى أن ما تبذله دولة الإمارات في سبيل مواجهة هذا الفكر التدميري الإقصائي، وأيديولوجيا الإرهاب الخطيرة، تجاوزت المبادرات الفكرية والثقافية، إلى التشريعات والقوانين الضامنة لتفكيك هذا الفكر المتطرف وتمكين المجتمع نفسه من مواجهته، وذلك أولاً عبر قانون مكافحة الجرائم الإرهابية، وإدراج الإخوان وكل ما اشتق منها كجماعات وتنظيمات إرهابية، وفي الوقت عينه إطلاق قانون نبذ الكراهية والتعصب، والأمل كبير بأن تكون تطورات السنوات الأخيرة بدّدت لدى أميركا والغرب وأوروبا على وجه التحديد ذلك الوهم المتمادي بأن الإخوان جماعة دعوية سلمية وفكرية، وإدراك أن كل المخاطر التي نواجهها اليوم في العالم، هي جزء من دعوة الإرهاب تلك التي أطلق الإخوان شرارتها الأولى.

اقرأ أيضا

«الخارجية» تدعو المواطنين إلى توخي الحذر عند السفر لتشيلي