الاتحاد

رمضان

الثقافة الإسلامية.. عنصر أساسي في بناء الأمة

بريشة الفنان عطية مصطفى

بريشة الفنان عطية مصطفى

أفادت الدراسات أن الثقافة في أي عصر ليست مجرد معارف ومعلومات تلقن، بل هي ثمرة ذلك التراث، بحيث تظهر آثارها في المجتمع والأسرة والفرد·
وقد يكون واضحاً أن ثقافة الإنسان لا تقدر بمقدار ما قرأ من الكتب، وما تعلم من الفنون والآداب ولكن بمقدار ما أفاده العلم وبمقدار ما أوحت اليه الفنون من سمو في النفس ودقة في الشعور وتذوق الجمال·
فالثقافة إذاً تعني السجية أو البديهة فيما يتعلق بالفرد وفيما يتعلق بالأمة، تعني شخصيتها وروحها، بحيث تكون ثقافة كل شعب مميزاً له عن سواه·
ومما يلاحظه الباحث: أن كلمة ''الثقافة'' في الاصطلاح العرفي في العربية وغيرها تفيد معنى ما يكتسبه الإنسان من ضروب المعرفة النظرية والخبرة العملية وكذلك المعاني اللغوية التي وردت في اللغة تتصل اتصالاً كبيراً بالتسوية والتعهد والتهذيب·
واذا كانت الكلمة لم تجر على ألسنة الأسلاف من العلماء والمفكرين فإن مضمونها كان واضحاً لدى هؤلاء الأسلاف فقد كان يعني في العصر العباسي الأول: المشاركة البارعة في فروع شتى من المعرفة وبراعة في تطبيقها وتصريفها·
وكان المفهوم العام للثقافة عند المسلمين يعني: جمع المرء لمجموعة من المعارف وتحصيله اللغة واجادته لآدابها فلم تكن الثقافة تنفصل عن اللغة والأدب من شعر وحكم وأمثال· فضلاً عن طرف من التاريخ والأنساب والمعارف العامة·
ومثل هذا التنوع في الثقافة كانت الظاهرة العامة في أغلب الكتاب ورجال الحكم وموظفي الدولة والشعراء·
ذلك ان الثقافة في حقيقتها هي: الصورة الحية للأمة فهي التي تحدد ملامح شخصيتها وقوام وجودها وهي التي تضبط سيرها في الحياة وتحدد اتجاهها فيها·
إنها عقيدتها التي تؤمن بها ومبادئها التي تحرص عليها ونظمها التي تعمل على التزامها وتراثها الذي تخشى عليه الضياع والاندثار وفكرها الذي تود له الذيوع والانتشار·
والأمم تقاس رفعة وانخفاضاً بمقوماتها الفكرية وقيمها الخلقية وانجازاتها العلمية· وقد كان للثقافة الإسلامية دورها العظيم في بناء الأمة الإسلامية وترسيخ عظمتها وتوطيد سلطانها واستمرار عطائها· ولا يكون المرء مبالغاً إذا عرف: أن الثقافة الإسلامية هي ثقافة خير أمة أخرجت للناس، تميزت بعقيدتها ومنهجها وقيمها وأهدافها، كانت هذه الثقافة عاملاً أساسياً في ايجاد الأمة التي احتلت مركز القيادة الفكرية والزعامة السياسية والصدارة العلمية في العالم مدة أربعة عشر قرناً من التاريخ البشري·
وأمتنا في الوقت الحاضر أحوج ما تكون الى هذه الثقافة، فإنها هي التي تحفظ على الأمة شخصيتها الفريدة، وعن طريقها تربط ماضيها المشرق بحاضر نرجو ان يكون سبيلاً إلى مستقبل زاهر·
ومما لا يحتاج الى دليل: أن الذين اعتنقوا الإسلام وآمنوا به رأوا ان حياتهم متوقفة على فهمه وحمله للناس جميعاً، كما رأوا ان الإسلام وحده أساس وحدتهم وسبب نهضتهم وعزهم ومجدهم لذلك أقبلوا عليه يدرسونه ويتفهمونه·
ولما كان فهم الإنسان لا يتأتى بغير اللغة العربية أقبلوا عليها يدرسونها ويشرحونها ويضعون قواعدها· كما أقبلوا على العلوم الإسلامية يدرسونها ليشرحوا للناس عقيدة الإسلام ويبينونها بالدليل والبرهان، وتفرعت أنواع المعارف لدى المسلمين وتناولت أشياء كثيرة، فتكونت لدى المسلمين ثقافة إسلامية متعددة النواحي أقبل الناس على تعلمها جميعاً، مع اهتمامهم بما في الكون من علوم وصناعات·
وكان كل عالم -مهما كان نوع الثقافة التي تخصص فيها: أدبا أو رياضيات أو صناعة- يتثقف بالثقافة الإسلامية أولاً ثم يتثقف بغيرها· والتثقيف بالثقافة الإسلامية ضرورة حياتية سواء تعلقت الثقافة بالنصوص الشرعية أم بالوسائل التي تمكن من فهم هذه النصوص وتطبيقها، ولا فرق بين التثقيف بالأحكام الشرعية أو الأفكار الإسلامية·
وفي حياة كل أمة مفاهيم أساسية تحرص عليها وتعمل على ترسيخها وتعميق إدراكها في شؤونها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك من أمور الحياة، وتسعى كل أمة سعياً حقيقياً دائباً على ان تكون مفاهيمها واضحة الدلالة في ذاتها، مرعية الجانب لدى أبنائها، واسعة الانتشار والتداول لدى غيرها· فتؤلف الكتب وتعقد المؤتمرات وتقوم بالدراسات وتصدر النشرات وتضع مناهج التربية والتعليم وتستخدم بوجه عام كل وسائل الإعلام والتوجيه لتوضيح هذه المفاهيم وشرحها وبيان أسسها وخصائصها وتفصيل وجوه النفع فيها·
وأكثر ما يهتم به قادة الفكر والثقافة المؤمنون بمفاهيم أمتهم الدائبون لنشرها هو نقلها من حيز النظر المجرد الى الواقع البشري الحي ووصل حياة الناس بها بحيث تكون مصدر فكرهم وشعورهم وطابع سلوكهم وسمة حياتهم العملية·
ومن هنا يخرج مدلول الثقافة عن قصد المعرفة المجردة الى المعرفة الهادفة، أو بتعبير آخر عن المعرفة الساكنة التي لا تتجاوز حدود العمل الذهني إلى المعرفة المحركة التي تحدث تفاعلاً وحواراً واضح التأثير مع تطلعات الفرد والجماعة·
ولا يعرف في تاريخ الأمم -ماضيها وحاضرها- أن واحدة منها أهملت في نشر ثقافتها أو تركتها تذوب في ثقافة غيرها أو تتلاشى في عقول أبنائها لتحل محلها ثقافات أخرى طارئة غريبة

اقرأ أيضا