تقارير

الاتحاد

«هاتوياما» والعلاقة بين السياسيين والبيروقراطيين

لعقود طويلة، ظلت أجندة اليابان السياسية الأسبوعية ثابتة، فقبل اجتماع مجلس الوزراء أيام الثلاثاء، كان الموظفون الحكوميون في كل وزارة يجتمعون أيام الاثنين لوضع السياسات الحكومية خلال الفترة القادمة. ومن دون ذلك الاجتماع، لم يكن الوزراء ليجدون شيئاً يبصمون عليه بالموافقة عندما يجتمعون أيام الثلاثاء - كما يقول بعض الظرفاء.
هناك الكثير من الصحة في هذه الملاحظة اللاذعة والمحرجة على الأقل بالنسبة لرئيس وزراء اليابان الجديد"يوكيو هاتوياما"- الذي تولى منصبه في شهر سبتمبر الماضي - وهو ما دفعه لإلغاء الاجتماع الثابت للموظفين البيروقراطيين أيام الاثنين.
وهذا الإجراء وغيره من الإجراءات الإصلاحية التي يسعى من خلالها رئيس الوزراء لعمل انقلاب على العادات السياسية اليابانية التي ظلت ثابتة لزمن طويل، وذلك في إطار محاولته لنقل السلطة من الموظفين البيروقراطيين إلى السياسيين المنتخبين يلقى تأييداً من الشعب - وإن يكن حذراً.
"مينوريو موريتا" المعلقة السياسية المخضرمة تعلق على ذلك بقولها: إن هاتوياما يحاول أن يقوم بالشيء الصائب. فالسياسيون هم الذين يجب أن يكونوا مسؤولين عن السياسات وليس البيروقراطيون، بيد أن عدم كفاءة السياسيين في الاضطلاع بتلك المسؤوليات يسبب قدراً كبيراً من الاضطراب في الوقت الراهن".
كان من الطبيعي أن تقع أخطاء من جانب مسؤولي "الحزب الديمقراطي"، الذي كان قد نجح في إلحاق هزيمة مدوية بحزب "الديمقراطيين الليبراليين"، الذي حكم اليابان لمدة 60 عاماً متوالية. وهي أخطاء ناتجة عن افتقار أعضائه إلى الخبرة السياسية اللازمة بسبب غياب حزبهم الطويل عن الحكم.
وقد أدى الافتقار إلى الخبرة إلى اختلاف أعضاء الحزب الحاكم الجديد بشأن العديد من السياسات من مثل موقف اليابان من القواعد الأميركية الموجودة في الجزر اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية. وقد بدا الموقف الياباني حيال تلك الجزر مرتبكاً ومتضارباً أثناء المفاوضات مع الجانب الأميركي، مما حير المحاورين الأميركيين الذين عجزوا عن فهم ما الذي يقصده اليابانيون بالضبط. ويقول العديد من المراقبين إن السبب في ارتباك حكومة الحزب "الديمقراطي"، يرجع للتغير الذي أدخله هذا الحزب في النمط المعتاد للسياسات اليابانية، وذلك عندما عمل على الحيلولة دون تدخل الموظفين البيروقراطيين في شؤون السياسة، على الرغم من أنه كان معروفاً- في السابق- أن هؤلاء البيروقراطيين ونتيجة لثباتهم في مناصبهم لمدد طويلة، عادة ما يصبحوا أكثر إلماما بالمسائل السياسية المختلفة. من المعروف كذلك أن البيروقراطيين، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى العام الماضي، كانوا يمثلون القلب النابض للسياسات اليابانية حيث نجحوا في مراكمة معرفة وسلطات فاقت بكثير السلطات الموجودة لدى الحكومات المتعاقبة لحزب "الديمقراطيين الليبراليين".
فخلال تلك السنوات كان كبار الموظفين البيروقراطيين في اليابان عادة هم الذين يعقدون المؤتمرات الصحفية، ويجيبون على أسئلة الصحافيين، ويحددون اتجاهات السياسات اليابانية ومساراتها، غير مقيدين بأي شرط من شروط السرية، التي قد يتقيد بها الموظفون البيروقراطيون في الدول الأخرى، بل ووصل الحال بهم أنهم كانوا لا يتورعون في بعض الأحيان عن انتقاد، والسخرية من أعضاء الحكومة، بشكل أكثر حدة مما كانوا يفعلون مع المعارضين.
في إطار سياستها الرامية لتحجيم دور البيروقراطيين، أصدرت الحكومة الجديدة أوامر بمنع الموظفين البيروقراطيين من دخول مجلس "الدايت"( المجلس التشريعي الياباني)، كما حظرت عليهم عقد مؤتمرات صحفية، وأوعزت للسياسيين بعقد جلسات لمراجعة الميزانية تذاع على الهواء تلفزيونياً، يقومون أثناءها بتوجيه اللوم على الهواء للبيروقراطيين إذا تبين لهم أن هناك مخالفات أو إسرافا في الإنفاق، وهي وسيلة لقيت قبولاً شعبياً كبيرا.
ومثل هذه الخطوات الرمزية ليست سوى البداية فقط في الحملة من أجل مواجهة البيروقراطية اليابانية العريقة والمتمترسة في خنادقها. والمفتاح لهذه الحملة، هو مشروع القانون المقدم للبرلمان بمنح الحكومة سلطة تعيين كبار الموظفين الحكوميين، وهو ما يعتبر نوعاً من الثورة في المجال السياسي الياباني كما يقول "تاكاو توشيكاوا" الصحفي المتخصص في شؤون الـ"كاسوميجاسيكي"، وهو الاسم الذي يطلق على الجهاز البيروقراطي الياباني.
وتسعى الحكومة جاهدة أيضاً إلى إخراج الوزارات من أسر "عقلية الصومعة"، أي العقلية التي تقوم على تفضيل كل وزارة لمصلحتها على المصلحة الوطنية، وذلك من خلال العمل على تدوير كبار الموظفين البيروقراطيين بين الوزارات المختلفة بدلاً من تركهم ينفقون عمرهم الوظيفي كله في وزارة واحدة.
وعلى الرغم من أن البيروقراطيين قد أصيبوا بالذهول والحيرة في البداية بسبب عدم توقعهم للسياسات التي تنتهجها الحكومة الجديدة، فإن الأمور الآن تعود إلى حالتها الطبيعية، وذلك بعد أن أدركوا أنه لا مناص من العمل مع السياسيين بشكل وثيق كما يقول المراقبون. ويتوقع تحسن العلاقة بين الحكومة والـ"كاسوميجاسيكي" عندما تصبح الحكومة قادرة على تعيين، ونقل وترقية، وتخفيض درجة بل وعزل كبار الموظفين البيروقراطيين. ويقول الخبراء إن "هاتوياما"، قد يستخدم القانون الجديد بالفعل لعزل بعض من كبار الموظفين الذين كانوا على ارتباط وثيق بالحزب "الليبرالي الديمقراطي".
وتأمل الحكومة في تعزيز الاتجاه للتعاون والتكامل بين البيروقراطيين والسياسيين من أجل تنفيذ خططها الإصلاحية وذلك من خلال منح" مكتب الاستراتيجية الوطنية" الوضع القانوني الذي يحتاجه لتنسيق السياسات بين الوزارات بحيث تعمل كفريق متكامل، والقيام في نفس الوقت برسم استراتيجية عامة تحدد ملامح مسار اليابان المستقبلي خلال القرن الحادي والعشرين.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا