الاتحاد

تقارير

نجاد في أميركا اللاتينية... من محور الشر إلى محور الوحدة

 شافيز  الزعيم اللاتيني الأكثر ترحيباً وحماسا لنجاد

شافيز الزعيم اللاتيني الأكثر ترحيباً وحماسا لنجاد

إن كان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد غادر الولايات المتحدة الأميركية متذمراً من الاستقبال العدواني الذي لقيه هناك ساعة وصوله لحضور اجتماع الأمم المتحدة بـ''نيويورك'' الأسبوع الماضي، فلا شك أنه اغتبط كثيراً للقاء الحار الذي حظي به من قبل الرئيس الفنزويلي ''هوجو شافيز'' في العاصمة ''كراكاس'' محطته التالية بعد نيويورك· فهناك أثنى نظيره الفنزويلي على حسن أدائه في جامعة كولومبيا بقوله: ''لقد حاول متحدث إمبريالي النيل منك عندما وصفك بأنك مجرد طاغية قزم، إلا أنك رددت عليه بعظمة الثوريين''· ومن فنزويلا امتدت رحلة نجاد إلى ''بوليفيا'' للقاء رئيسها ''إيفو موراليس'' لمدة خمس ساعات كاملة، ووقع معه اتفاقية تعاون اقتصادي بقيمة مليار دولار، إلى جانب إنشائه لأول علاقة دبلوماسية من نوعها بين ''بوليفيا'' وطهران·
هكذا تبدو استراتيجية نجاد واضحة ومكشوفة، فهو في مناكفته مع إدارة بوش بشأن برنامج بلاده النووي من جهة، يبذل على الجهة الأخرى جهوداً دبلوماسية طموحة لإقامة تحالفات جديدة له مع دول أميركا اللاتينية، المعروفة بكونها مجال النفوذ التقليدي لواشنطن· وهو ما يؤمن لها في حالة نجاحه عدداً معقولاً من المؤيدين لها في الأمم المتحدة، فضلاً عن تحسين سمعتها الدولية بمد يد العون في برامج التنمية ومكافحة الفقر في الدول التي تستهدفها· المثير للقلق، أن هذه الاستراتيجية قد بدأت تؤتي ثمارها فيما يبدو، وإن كان ذلك في بعض الدول على الأقل، وما بادرة الترحيب بالرئيس الإيراني في دول أميركا اللاتينية سوى مؤشر على مدى تراجع النفوذ والامتياز الأميركيين فيها·
يذكر أن الرئيس الفنزويلي ''شافيز'' قد بدأ يلعب الآن دور ''الأب الروحي'' ومدير العلاقات العامة في المنطقة، وأنه مضى لاستقطاب عدد من الحلفاء الجدد له فيها، مثل بوليفيا والإكوادور ونيكاراجوا· أما في طهران، فقد لاحظ شافيز خلال زيارة رسمية له إلى عاصمتها طهران الشهر الماضي -الزيارة الثالثة له- أن واشنطن تتضايق كثيراً من ذلك، ومما لا شك فيه، ألا شيء يسعد شافيز أكثر من إثارته لضيق واشنطن وتذمرها· وفي نهاية اللقاءات التي تمت بينه ونظيره الإيراني محمود أحمدي نجاد، دعا الطرفان لإقامة ما أسمياه ''محور الوحدة''، فضلاً عن توقيعهما على سلسلة من الاتفاقيات والصفقات الاقتصادية شملت قطاعات مختلفة·
ومن ناحيته زار أحمدي نجاد منطقة أميركا اللاتينية ثلاث مرات خلال العام الماضي أو نحوه، وكانت زيارته الأولى لها بمناسبة انعقاد قمة دول عدم الانحياز في العاصمة الكوبية هافانا في سبتمبر من عام ،2006 لتتبعها زيارة أخرى التقى خلالها ''شافيز'' في عاصمته كراكاس· وفي يناير من العام الحالي، رحبت به ثلاث من دول المنقطة كضيف شرف خاص، في حين أطلق عليه ''شافيز'' لقب ''بطل النضال ضد الإمبريالية الأميركية''· وفي نيكاراجوا اجتمع به رئيسها ''دانيل أورتيجا'' وناقش معه ما وصفه بـ''المصالح والأهداف والأعداء المشتركين'' بين البلدين، وعلى النحو ذاته تبادل معه الرئيس الإكوادوري رافائيل كوريا عبارات ودودة طيبة·
يرى كل من ''شافيز'' و''أحمدي نجاد'' أن المكاسب السياسية التي يحققها هذا التحالف، كسر عزلة طهران الدولية -التي تزداد أكثر من أي وقت مضى- جراء استمرار النزاع الدولي القائم حول المطامح النووية المنسوبة لها· ومن تلك المكاسب أيضا ما أقدمت عليه طهران العام الماضي في دعم مسعى فنزويلا -الخاسر- لتأمين عضوية دائمة لها في مجلس الأمن الدولي·
بيد أن البنية الاقتصادية التي يستند اليها هذا التحالف بين طهران وكراكاس، ليست بمتانة العلاقة الدبلوماسية التي تربط بين البلدين· ذلك أن الطرفين وقعا على اتفاقيات تعاون تجاري اقتصادي شملت عدة مجالات من بينها اكتشافات الغاز والنفط والمنتجات الزراعية والبتروكيمائية، بلغ عددها حوالي 180 اتفاقية منذ عام ·2001 ورغم ادعاء طهران بأن القيمة الإجمالية لهذه الاتفاقيات تبلغ 20 مليار دولار، إلا أن القيمة الإجمالية لعلاقات التبادل التجاري بين البلدين للعام الماضي لم تبلغ سوى 16 مليون دولار وفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدولي· وفيما لو صحت هذه الإحصاءات، فسرعان ما ستكتشف كل من بوليفيا ونيكاراجوا أن نجاد قد وعدهما بأكثر مما يستطيع الوفاء به بكثير؛ ليس ذلك فحسب، بل إن نجاد يظل شخصية غير مرغوب فيها في عدد آخر من دول القارة اللاتينية، وهو ما يعود إلى تورط إيران في حادثة تفجيرات مقر جالية يهودية في ''بوينس إيرس'' في عام 1994؛ وبالنتيجة فقد تفادى اللقاء به كل من الرئيس الأرجنتيني ونظيره البرازيلي ''لولا دا سيلفا''، حيث تقدم كلاهما باعتذارات يفهم منها عدم رغبتهما في لقائه، ليبقى بذلك ''شافيز'' الزعيم اللاتيني الأكثر ترحيباً وحماساً لنجاد·

زميل رئيسي للسياسات الأميركية بمؤسسة ''إنتر-أميركان ديالوج'' بواشنطن
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست''

اقرأ أيضا