الاتحاد

ثقافة

برنــــار ستيجلر: على المعنيين بالأدب والفنون أن يضيفوا شيئا إلــــى الحياة

برنار ستيجلر

برنار ستيجلر

كما لو أنك أمام الخطوط المتعرّجة، وأحياناً القاتلة، في حياة المبدع الكبير الفرنسي الراحل ''جان جينيه''·هذا ما يظهر من حياة فيلسوف آخر فرنسي هو ''برنار ستيجلر''، ابن العائلة المرهقة الذي تعرّف على التراجيديا الأغريقية وهو في الثانية عشرة، وسطا على المصارف، التهم الكتب في السجن وأصبح فيلسوفاً يعمل في التدريس والبحث، وهو يتولى، حالياً، وظيفة مدير للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''·· وهو الذي يبدأ يومه الفلسفي وهو يغتسل ثم يملي أفكاره على آلة تسجيل، ويكمل ذلك في السيارة وهو في طريقه إلى الجامعة لإعطاء درس في الفلسفة، على أن يخصص صبيحة السبت والأحد في تفريغ الأقراص المدمجة في مقالات وكتب·
غزارة عطائه حملت زوجته المحامية ''كارولين'' على ترك عملها لمساعدته لاسيما في مجال البحوث مع ثلاثة فلاسفة آخرين، فيما استحدث موقعاً على الإنترنت من أجل تفعيل·· تكنولوجيا العقل·
في التقرير التالي نلقي بعض الضوء على هذه الشخصية الفرنسية اللافتة وكان التالي:
الصرخة التكنولوجية
كيف يمكن لرجل كان يسطو على المصارف أن يصبح فيلسوفاً، وأن يعيّن، مديراً للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''؟
''برنار ستيجلر'' يعتبر ألا حاجة إلى تعقيد الأمور: ''الحياة ليست بغباء الفراشات''· إنها مثيرة، متعدّدة الأبعاد، ومتقلّبة، لا حدود فيها للظل ولا حدود للضوء: '' كما لو أنك ترقص داخل النيران''·
وينفي ستيجلر أن تكون في شخصيته أي لمسة ميكافيلية، فهو يسند رأسه إلى ''سقراط'' ويمضي قائلا: ''يمكن أن تكون يداك ملوثتين، لكن عقلك نظيف· لم أسمح لأحد أن يستخدم رأسي كصندوق للقمامة''·
نموذج للرجل الذي يعيش تلاطم الثقافات، تلاطم الظروف أيضاً· لكنه لم يترك رأسه يتدحرج في القاع ويبقى هناك؛ وهو لا يضحك حين يقول: إن رأسي هو صخرة سيزيف، ولكن بدلاً من أن أرفع هذه الصخرة بيدي لكي أصل بها إلى القمة ثم تتدحرج، فإنني استخدم الرافعة''·
ويعتبر أن التكنولوجيا هي التي دمرت الجزء الأكبر من الإنسان في الإنسان، فالحل لا يأتي من الصومعة، ولا من القدمين الحافيتين، وإنما من تلك الصخرة التكنولوجية التي هي نتاج حتمي لجدلية العقل البشري·
ويضيف ضاحكا: البعض يحاول أن يضع العقل البشري على··· ظهر حمار''· التشبيه يصدم، بطبيعة الحال، لكن الفيلسوف الفرنسي الأسود والذي وُلد عام 1952 على أرض فرنسية يعتبر أن الذين يحاولون مواجهة التكنولوجيا بتلك الأفكار الطوباوية، إنما يريدون العودة بنا، وهي عودة مستحيلة، إلى ثقافة الديناصور·· لا بل إلى ''ثقافة الخضار''، ويؤكد حماسته للتطور الصناعي قائلا: لنتصوّر أي عالم ذلك الذي من دون طائرة أو من دون أقراص الأسبيرين·
البدايات
بدايات ذلك الصعود، أو الهبوط، المتعرّج لحياة ''برنار ستيجلر'' كانت في عام 1968 عندما ترك المدرسة، وكان عليه أن يرتطم مباشرة بأشياء الحياة· رأى أن الشوارع تكتظ بأولئك الشبان الذين يهتفون من أجل التغيير· شارك في التظاهرات، ولكن ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام عصا رجل الشرطة· إذاً، ليس صحيحاً ما يقال أن الثورة الفرنسية (إخاء، حرية، مساواة) لا تزال هناك· ربما تم تحويلها إلى طعام للقطط· في لحظة احتجاجية حادة، أنتمى إلى الحزب الشيوعي، ولكن ليكتشف هناك أن ''جوزف ستالين''، بشاربيه الغليظين، كان يسكن الأمين العام للحزب ''جورج مارشيه''··
وفي عام 1976 ترك الحزب الشيوعي، ولكن بعد أن تعلم كيف يقرأ، وكيف يحب الموسيقى، وكيف ينظر إلى والديه اللذين كانا، كما الكثيرين، داخل اللهاث، فالأب مهندس في التلفزيون الفرنسي والأم موظفة في مصرف· هذا وضع لا بأس به، لكن ''ستيجلر'' كان يلاحظ كيف أنه لا وقت للإنسان في ذلك العمل اليومي الرتيب، والمملّ، والذي ينتهي في··· مصلحة الضرائب·
يقول إن التلفزيون الذي أنشأه الجنرال ''شارل ديجول'' هو الذي جعله، ولما يزل في الثانية عشرة، يتعرّف على اشيل والتراجيديا الأغريقية· إذاً، ليس من الضروري أن يترعرع المثقف في بلاط لويس الرابع عشر، أو في امتداداته البرجوازية· يمكن للمرء أن يكون فقيراً ومثقفاً·
بعد عام ،1968 وكان في السادسة عشرة تعرف على كل المهن: عامل يدوي، مستخدم في مكتب، حاجب في مؤسسة هندسية، عامل زراعي، وهذا ما جعله يكتشف ''حرارة الأرض''، وهو الذي عاش كآبة الأرصفة في المدن، وإذ أدار مشروعاً زراعياً في الريف ولنحو عامين، فإن موجة الجفاف التي حصلت عام ،1976 أبعدته عن علاقة العشق بالأرض ليفتتح حانة موسيقية في مدينة تولوز حيث كان يستضيف عازفي الجاز· الأمور سارت على ما يرام، وحانته راحت تجتذب المثقفين وعلى رأسهم ''جيرار غرانل''، أستاذ الفلسفة في جامعة المدينة والذي كان مهووساً بالجاز ويقول عنه ستيجلر: أصبحنا صديقين، وكنت فخوراً بذلك·
في السجن
يقول إن الخطة الاقتصادية التي نفذها رئيس الحكومة السابق ''ريمون بار'' جلبت عليه الخراب· بين ليلة وضحاها اكتشف أن الديون تثقل كاهله· لا سبيل أمامه لتغطية هذه الديون سوى الانتحار أو السطو· وبالفعل، فقد سرق أحد المصارف، اثنين بعد ذلك وبنجاح، دون شريك يقاسمه أتعابه· في المرة الرابعة ضبط بالجرم المشهود وحكم عليه بالسجن لخمس سنوات: ''كان يفترض أن يكون عقابي 15 عاماً، لكن المحامي كان بارعاً جداً''·
يا للغرابة أن يرى ''ستيجلر'' في السجن الحل الرائع· وحيداً في الزنزانة، ليلتهم الكتب التي كان يأتيه بها صديقه ''غرانسل''· تسجل في صف البكالوريا، وتحوّل إلى مدرّس في السجن؛ ومن السجن إلى دار المعلمين العليا، حيث التقى الفيلسوف الشهير ''جاك دريدا'' (1930 ـ 2004)· وفي عام 1983 أنشأ ''جان بيار شيفنمان''، وهو السياسي البارز، الكلية الدولية للفلسفة التي أدارها ''دريدا'' نفسه·

( أورينت برس)


التكنولوجيا

التحق ستيجلر بالكلية الدولية للفلسفة بفرنسا ليلمع هناك وبدأ النجاح يطارده، قبل أن يستقر في عام 2006 مديراً للإنماء الثقافي في مركز ''جورج بومبيدو''·
ويقول: ارفض فكرة أن نصنع الرؤوس·· الرؤوس تصنع نفسها بنفسها، فالثقافة لا تقدم كما أطباق البيتزا، على الطاولات، ويضيف: إن فلسفتي هي أن أدع الذين يعنون بالآداب والفنون يشعرون بأن عليهم أن يضيفوا شيئاً إلى الحياة· لا تقتصر مهمة ''برنار ستيجلر'' على فرنسا· إنه معني كثيراً بالعالم الثالث الذي يقول عنه ''أخذت وجهي منه''· ويجسد السبيل الوحيد من أجل التطوير البنيوي للمجتمعات في هذه العبارة: ''أدعوكم لأن تعشقوا التكنولوجيا، حيث لمستقبل العقل تحديداً، باب واحد هو التكنولوجيا··!

اقرأ أيضا

10 أمسيات و90 شاعراً في أيام قرطاج الشعرية